إن ظاهرة خروج بعض القيادات المهمة من قوات الدعم السريع Rapid Support Forces وانضمامها إلى الحيش Sudanese Armed Forces، رغم الوضع العسكرى الذى تبدو فيه قوات الدعم السريع محافظة على قدر من التفوق الميدانى فى بعض الجبهات، تستحق التأمل الجاد، خاصة بعد أن تحولت إلى ظاهرة يصعب إنكارها أو التعامل معها باعتبارها حالات فردية معزولة.
تقوم قوات الدعم السريع، بحكم نشأتها وتكوينها الاجتماعى، على شبكة معقدة من الولاءات الشخصية والروابط العشائرية. وبرغم المحاولات الجادة من بعض قياداتها لتبنى خطاب سياسى أوسع يستوعب المظالم التاريخية فى السودان، فإن الانتقال من البنية التقليدية ذات الطابع الرعوى والزراعى إلى مشروع سياسى حديث قائم على المفاهيم النظرية الكبرى، يظل أمراً بالغ الصعوبة، خاصة وسط المقاتلين الذين تشكلت خبراتهم داخل بيئات اجتماعية مختلفة عن بيئة العمل السياسى والفكرى.
وقد ازدادت هذه الصعوبة بعد تطور خطاب الدعم السريع وتحالفه مع الحركة الشعبية Sudan People’s Liberation Movement–North بقيادة عبد العزيز الحلو، وما ترتب على ذلك من تبنى قضايا مثل الفيدرالية والعلمانية وفصل الدين عن السياسة، وهى قضايا ما تزال مثار جدل واسع داخل المجتمع السودانى نفسه، ناهيك عن داخل التكوينات العسكرية التقليدية.
وربما يمكن النظر إلى خروج شخصيات مثل السافنا والنور القبة فى هذا السياق، حيث تبدو الولاءات الشخصية والحسابات الاجتماعية أكثر تأثيراً فى تحديد المواقف من الالتزام بالبرامج السياسية أو التصورات الفكرية بعيدة المدى.
ومن ناحية أخرى، ظلت قوى إقليمية ودولية تضغط باتجاه الإبقاء على الجيش ضمن أى تسوية سياسية أو اتفاق سلام محتمل، باعتباره المؤسسة الرسمية للدولة، رغم الجدل القائم حول حجم تأثير الاخوان المسلمين Muslim Brotherhood والتيارات الإسلامية داخل بنيته القيادية. وبما أن بعض هذه القيادات المنشقة كانت قريبة من دوائر القرار والتفاوض، فمن الطبيعى أن تنظر إلى مستقبلها السياسى والعسكرى من زاوية المصالح والضمانات الممكنة.
ولا يمكن استبعاد وجود إغراءات سياسية أو أمنية أو اجتماعية تدفع بعض القادة إلى إعادة تموضعهم، خاصة إذا شعروا بأن الطرف الآخر يمنحهم قدراً أكبر من الاعتراف recognition بأهميتهم أو يوفر لهم ضمانات تتعلق بالمستقبل الشخصى والسياسى. فالاعتراف المعنوى فى الصراعات الطويلة يمثل أحياناً قيمة لا تقل أهمية عن المكاسب المادية نفسها.
لذلك، فإن التعامل مع هذه الظاهرة عبر التخوين وحده قد لا يكون كافياً، لأن الحروب الممتدة لا تُحسم فقط بالتفوق العسكرى، بل أيضاً بالقدرة على الحفاظ على التماسك الداخلى ومعالجة أسباب التململ والانقسام داخل الصفوف.
إن أى مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل الدولة السودانية أو هزيمة خصومه السياسيين والعسكريين بصورة حاسمة، يحتاج بالضرورة إلى قراءة عميقة للعوامل النفسية والاجتماعية والسياسية التى تؤثر فى سلوك المقاتلين والقادة، بدلاً من الاكتفاء بالتفسيرات التبسيطية أو ردود الفعل الانفعالية.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
