زهير عثمان
تشير تصريحات المبعوث الأمريكي مسعد بولس إلى تحول جوهري في مقاربة واشنطن للأزمة السودانية، من خطاب “الانتقال الديمقراطي” إلى منطق أكثر واقعية يقوم على إدارة الانهيار ومنع تفكك الدولة
لم تعد الأولوية الأمريكية هي هندسة انتقال مدني مثالي، بل محاولة الإجابة عن سؤال أكثر قسوة: كيف يمكن منع السودان من التحول إلى فضاء فوضوي مفتوح على الإقليم؟
أولاً: من الانتقال الديمقراطي إلى إدارة الفوضى
في المراحل الأولى للأزمة، تمحور الخطاب الأمريكي حول دعم الحكم المدني وبناء شراكة انتقالية. لكن تطورات الحرب أعادت صياغة الأولويات بالكامل
اليوم، لم تعد واشنطن تسأل كيف يُحكم السودان ديمقراطياً، بل كيف لا ينهار السودان بالكامل. هذا التحول يعكس انتقالاً من “الهندسة السياسية” إلى “الاحتواء الأمني”
ثانياً لا منتصر عسكري
حين تؤكد واشنطن أن الحسم العسكري غير ممكن، فهي لا تصف الواقع فقط، بل ترسم حدوداً سياسية
لا شرعية دولية تُبنى على النصر العسكري وحده
ولا قبول بإقصاء كامل لأي طرف
المعادلة المقصودة واضحة منع إنتاج “غالب مطلق” يعيد تشكيل الدولة على قاعدة الإلغاء
ثالثاً حرب مُدوّلة
الإشارات المتكررة إلى تدفق السلاح والدعم الخارجي تؤكد أن الحرب تجاوزت حدودها الداخلية
السودان لم يعد ساحة صراع سوداني فقط، بل جزءاً من شبكة أوسع تشمل , البحر الأحمر، القرن الأفريقي، وليبيا وتشاد، إضافة إلى توازنات إقليمية معقدة
بمعنى آخر الحرب لم تعد داخل السودان فقط، بل حول السودان أيضاً
رابعاً أزمة دولة لا أزمة جنرالات
الخطاب الأمريكي الجديد يتعامل مع الأزمة بوصفها انهياراً بنيوياً في الدولة، لا مجرد صراع بين قائدين عسكريين
فالدولة السودانية، تاريخياً، فشلت في—إدارة التنوع السياسي والاجتماعي
توزيع السلطة والثروة
بناء جيش وطني موحد
ودمج الأطراف في عقد اجتماعي مستقر
وهذا ما أنتج الانفجار الحالي، لا مجرد خلاف بين عسكريين
خامساً تراجع المجال المدني
رغم استمرار الحديث عن الحكم المدني، إلا أن الواقع يكشف تراجع القوى المدنية أمام صعود القوة المسلحة
النتيجة الأخطر للحرب ليست فقط الدمار، بل -تفكك المجال السياسي المدني، وصعود الفاعلين العسكريين والجهويين والقبليين كبديل فعلي للدولة
أزمة القوى المدنية بين الخطاب والواقع
تعاني القوى المدنية السودانية من فجوة عميقة بين خطابها السياسي وقراءتها للواقع
أولاً، النخبوية
نشأت هذه القوى في فضاءات مدينية ومؤسسية داخل الخرطوم، ما جعل رؤيتها للدولة أقرب إلى “تصور مثالي” من واقع اجتماعي متشظٍ
ثانياً، سوء تقدير ميزان القوة, تم المبالغة في قدرة الضغط المدني، مقابل تقليل أثر المؤسسة العسكرية واقتصادها وتحالفاتها
ثالثاً، ضعف فهم صراع المركز والهامش
بقي الخطاب المدني أسير مركزية سياسية وثقافية، ما عمّق الفجوة مع الأطراف
رابعاً، الرهان الخارجي , الاعتماد المفرط على المجتمع الدولي، الذي يتحرك بمنطق المصالح لا المبادئ
خامساً، ضعف أدوات القوة والتنظيم , في لحظات الانهيار، لا يكفي الخطاب السياسي دون نفوذ مؤسسي أو قدرة تنظيمية على الأرض
أن إسقاط النظام كان أسهل بكثير من إعادة بناء الدولة
الدعم السريع ومحاولة بناء إدارة موازية
طلب الدعم السريع تسجيل منظمات الإغاثة العاملة في مناطقه يمثل انتقالاً من سلطة عسكرية إلى محاولة بناء إدارة أمر واقع
هذه الخطوة تطرح أسئلة حساسة , هل يعني التنظيم الإداري اعترافاً سياسياً ضمنياً؟
وكيف يُحافظ على حياد العمل الإنساني في ظل سلطة غير معترف بها دولياً؟
بعض المنظمات قد تغادر بسبب المخاطر القانونية أو مخاوف الانحياز، بينما يرى الدعم السريع أن التنظيم ضرورة لفرض السيطرة الإدارية على الأرض
لكن الخطر الحقيقي هو تحول العمل الإنساني إلى أداة صراع سياسي، يدفع المدنيون ثمنه الأكبر
وتكشف هذه التطورات أن الحرب تتجه من مرحلة المعارك المتنقلة إلى مرحلة “تقسيم النفوذ والإدارات المتوازية”، بما يقترب من نماذج مأزومة في ليبيا واليمن
تعكس التصريحات الأمريكية تحولاً عميقاً في مقاربة السودان: من التفاؤل بثورة 2019 إلى واقعية باردة تدير الانهيار بدلاً من محاولة تغييره جذرياً
لكن المعضلة الجوهرية تبقى دون حل < أي تسوية لا تعالج جذور أزمة الدولة السودانية — من المركز والهامش إلى طبيعة السلطة والسلاح — ستظل مجرد هدنة داخل أزمة مفتوحة
السودان اليوم لا يقف بين غالب ومغلوب، بل بين احتمالين ,دولة يعاد تأسيسها… أو واقع بلا دولة مستقرة.
zuhair.osman@aol.com
