بقلم: لوال كوال لوال
تشكل عودة القائد علي رزق الله من صفوف قوات الدعم السريع إلى صفوف الجيش السوداني حدثاً سياسياً وعسكرياً يتجاوز حدود شخص واحد أو انشقاق قائد ميداني من معسكر إلى آخر. فهذه العودة فتحت الباب واسعاً أمام تساؤلات عميقة حول طبيعة الصراع السوداني الراهن، وحول جدوى سياسة استقطاب القيادات العسكرية من الخصوم، وهل تمثل هذه العودة مكسباً استراتيجياً حقيقياً للجيش السوداني أم أنها مجرد انتصار إعلامي مؤقت قد يتحول لاحقاً إلى عبء سياسي وأمني. لقد اعتادت الحكومات السودانية، منذ عقود طويلة، على استخدام سياسة “تفكيك الخصم عبر استقطاب قياداته”، وهي سياسة لم تولد مع الحرب الحالية، بل تعود جذورها إلى سنوات الحرب الطويلة مع الحركة الشعبية لتحرير السودان وذراعها العسكري الجيش الشعبي لتحرير السودان. يومها ظنت الحكومات المتعاقبة في الخرطوم أن إغراء بعض القادة بالمناصب والأموال والسلاح يمكن أن يؤدي إلى إنهاك الحركة الشعبية من الداخل وإنهاء مشروعها السياسي والعسكري. لكن ما حدث على أرض الواقع كان مختلفاً تماماً. فقد أثبتت التجربة أن الحركات المسلحة لا تنهار بسهولة بسبب انشقاق بعض القادة، وأن البنية الفكرية والاجتماعية والسياسية لأي حركة أكثر عمقاً من مجرد الأفراد. بل إن كثيراً من القادة الذين انشقوا عن الحركة الشعبية عادوا لاحقاً إلى صفوفها عندما تبدلت الظروف أو تغير ميزان القوى، بينما خسرت الحكومة السودانية أموالاً وموارد ضخمة دون أن تحقق الهدف الاستراتيجي الذي سعت إليه. واليوم يعيد التاريخ نفسه بصورة مختلفة، ولكن بالأدوات ذاتها. ففي الحروب الأهلية غالباً ما يتم تضخيم قيمة الانشقاقات العسكرية لأغراض نفسية وإعلامية. فكل طرف يحاول أن يقدم انضمام القادة إليه باعتباره دليلاً على قرب انهيار خصمه. ولهذا فإن عودة السافنا إلى الجيش السوداني جرى تقديمها باعتبارها اختراقاً مهماً داخل بنية قوات الدعم السريع. ولا شك أن لهذه العودة قيمة معنوية واستخباراتية في المدى القصير، لأن القائد العائد يمتلك معرفة دقيقة بخطوط الإمداد، وأماكن الانتشار، وطبيعة العلاقات داخل القوات التي كان ينتمي إليها. كما أن عودته قد تفتح الباب أمام انشقاقات أخرى أو على الأقل تثير حالة من القلق داخل المعسكر المقابل. لكن السؤال الأكثر أهمية ليس ما الذي يكسبه الجيش اليوم، بل ما الذي يمكن أن يخسره غداً؟ فالتاريخ السوداني مليء بتجارب تحولت فيها الانشقاقات إلى أعباء سياسية وأمنية. إذ أن كثيراً من القيادات التي تم استيعابها داخل مؤسسات الدولة احتفظت بولاءاتها القديمة أو تعاملت مع وجودها الجديد باعتباره مرحلة مؤقتة مرتبطة بالمصلحة وليس بالقناعة الوطنية أو المؤسسية. وهنا تكمن المشكلة الأساسية في الصراعات السودانية: غياب المشروع الوطني الجامع، وسيطرة الولاءات القبلية والجهوية والشخصية على الولاء للدولة. خلال سنوات الحرب الطويلة في جنوب السودان، راهنت الحكومات السودانية على سياسة تفكيك الحركة الشعبية عبر دعم الانقسامات الداخلية. وقد أنفقت الدولة أموالاً طائلة على بعض القادة المنشقين، ومنحتهم الرتب العسكرية والمخصصات والسلاح والسيارات والمناصب. في ذلك الوقت كان الاعتقاد السائد داخل دوائر السلطة أن الحركة الشعبية ستنهار بمجرد ضرب وحدتها الداخلية. لكن ما حدث هو العكس تماماً. فعلى الرغم من الانشقاقات المؤلمة التي تعرضت لها الحركة الشعبية، خاصة في تسعينيات القرن الماضي، فإنها استطاعت الحفاظ على مشروعها السياسي والعسكري الأساسي. بل إن بعض القيادات التي انشقت عنها عادت لاحقاً إلى صفوفها بعد أن أدركت أن الحكومة السودانية كانت تستخدمها كأدوات مرحلية وليس كشركاء حقيقيين. والنتيجة النهائية كانت واضحة؛ لم تنهزم الحركة الشعبية، ولم يختف الجيش الشعبي، بل انتهى الأمر بانفصال جنوب السودان وقيام دولة مستقلة، بينما خسرت الخرطوم مليارات الدولارات واستنزفت قدراتها العسكرية والسياسية لعقود طويلة. هذا الدرس التاريخي ينبغي أن يُقرأ جيداً عند تحليل عودة السافنا أو غيره من القادة العسكريين. فالمعضلة الحقيقية لا تتعلق بالأفراد، وإنما بطبيعة الدولة نفسها. فالدولة السودانية ظلت لعقود تعتمد على إدارة الأزمات عبر التحالفات المؤقتة وصفقات الولاء، بدلاً من بناء مؤسسات قومية مستقرة. ولهذا السبب فإن كثيراً من التحالفات العسكرية في السودان كانت هشة وقابلة للانهيار عند أول تغير في موازين القوى. فالولاء الذي يُشترى بالمال أو النفوذ يمكن أن ينتقل بسهولة إلى الطرف الذي يقدم عرضاً أفضل أو يبدو أكثر قوة في لحظة معينة. وهذا ما يجعل أي مكسب ناتج عن الانشقاقات مكسباً غير مضمون النتائج. إذا لم يكن هناك مشروع سياسي وطني واضح يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، فإن الحرب ستستمر في إنتاج الانشقاقات والتحالفات المتبدلة دون نهاية حقيقية للصراع. فالحرب الحالية بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني ليست مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل هي انعكاس لأزمة الدولة السودانية نفسها. فالقوتان خرجتا من رحم النظام السياسي والأمني ذاته، وكلتاهما استفادتا لسنوات من غياب الدولة المؤسسية. لذلك فإن الانشقاقات داخل هذا الصراع لا يمكن قراءتها فقط من زاوية “الربح والخسارة العسكرية”، بل يجب فهمها ضمن أزمة أعمق تتعلق بطبيعة السلطة في السودان. قد يكون من الواقعي أن يسعى أي طرف في الحرب إلى استقطاب خصومه وإضعافهم، فهذا جزء طبيعي من الصراعات المسلحة. لكن الخطأ يبدأ عندما تتحول هذه التكتيكات إلى بديل عن الحلول السياسية الحقيقية. فلا الجيش السوداني يستطيع إنهاء الأزمة عبر الانشقاقات وحدها، ولا قوات الدعم السريع قادرة على فرض مستقبل السودان بالقوة العسكرية فقط. فالتجارب السودانية والإفريقية تثبت أن الحروب الأهلية لا تُحسم نهائياً بالاستقطاب الفردي، وإنما تُحسم عندما تنجح الدولة في بناء مشروع وطني يشعر الجميع أنهم جزء منه. إن عودة السافنا إلى صفوف الجيش السوداني قد تمنح المؤسسة العسكرية مكاسب مؤقتة على المستوى الإعلامي والأمني، لكنها لن تكون نصراً استراتيجياً ما لم تُترجم إلى مشروع وطني أوسع يعالج جذور الأزمة السودانية. فالتاريخ يعلمنا أن الحركات والجيوش لا تسقط فقط بسبب انشقاق الأفراد، وأن الدول التي تعتمد على شراء الولاءات أكثر من اعتمادها على بناء المؤسسات غالباً ما تجد نفسها تدور في الحلقة نفسها لعقود طويلة. لقد خسرت الخرطوم سابقاً أموالاً ضخمة وهي تراهن على تفكيك الحركة الشعبية عبر استقطاب بعض قياداتها، لكن النتيجة النهائية كانت قيام دولة جديدة وانتصار المشروع الذي حاولت إضعافه. واليوم يبدو السودان وكأنه يقف مرة أخرى أمام السؤال ذاته: هل يتعلم من دروس الماضي، أم يعيد إنتاج الأخطاء نفسها بأسماء جديدة ووجوه مختلفة؟
lualdengchol72@gmail.com
