طاهر عمر
مرت سبعة عقود على إستقلال السودان ساد فيها الفكر العابر و المؤقت بدلا من مواكبة تطورالفكر كما هو ساير في المجتمعات الحية و بالطبع هناك أسباب كثيرة أدت الى هذه النتيجة لكن أهمها غياب الريادات الوطنية الواعية و غياب إدراكها الكافي لفكرة أن الإنسانية تاريخية و قد إتضحت تاريخية الإنسان
بعد الثورة الصناعية حيث غشت العالم تغيرات هائلة في المفاهيم و من ضمن التغيرات الهائلة في المفاهيم قد أصبح مفهوم الدين مفهوم تاريخي و نقول مفهوم الدين تاريخي لأن النخب السودانية ما زالت غائصة في وحل الفكر الديني و ما زالت عاجزة عن تقديم فكر يتجاوز مرحلة هيمنة الكيزان على ساحة الفكر في السودان و قدرتهم على منع بقية النخب السودانية من كسر الحلقة المفرغة و محكمة الإغلاق
و بالتالي ما زال بعد التقديس و التبجيل و الإيمان التقليدي هو السائد في مجتمعنا السوداني التقليدي و أصبح من أكبر الكوابح لأن الإيمان التقليدي المحاط بالتبجيل و التقديس يعتبر أكبر حاضنة لسلطة الأب و ميراث التسلط و بالتالي يسد الطريق أمام التحول الديمقراطي في إنتصاره للفرد و العقل و الحرية هذا الإنتصار نتيجة القطيعة مع التراث الديني التقليدي المتدرجة منذ لحظة الإصلاح الديني منذ خمسة قرون
و النتيجة النهائية الآن هي أن النزعة الإنسانية هي التي تسير في طريق مجد العقلانية و إبداع العقل البشري و عليه قد أصبحت ظاهرة المجتمع البشري تفسر في إطار الفعل الإنساني و أصبح عالمنا المعاصر يشيّد في حدود قدرة عقلنا البشري و بعيدا عن فكرة الإرادة الإلهية المتجسدة في فكر أتباع الإمام و الختم و مرشد الكيزان و الفرق بينهم و بين العالم المعاصر أكثر من ثلاثة قرون فكيف تستطيع أن تحقق تحول ديمقراطي في السودان بأتباع المرشد و الإمام و الختم؟ و بينهم و العالم المعاصر ثلاثة قرون و أو أكثر
فكر لاهوت ما قبل الإصلاح الديني السائد في عقل النخب السودانية خلفه يكمن إخفاق النخب السودانية خلال السبعة عقود العاقبة للإستقلال و المضحك أن النخب السودانية لم تنتبه خلال السبعة عقود العاقبة للإستقلال أنها لم تفهم مسار ديناميكيتين إقتصاديتين قد سادتا العالم خلال السبعة عقود الأخيرة و هما كل من الكنزية و النيو ليبرالية و هنا أقصد بفهمهم للكنزية و النيو ليبرالية أي فهم الأسباب التي تقف خلف كل منهما و سيساعد هذا الفهم في كسر الجمود الذي ساد ساحة الفكر السودانية
و بالمناسبة عدم إنتباه النخب السودانية للظروف التي سادت فيهما كل من النظرية الكنزية و النيوليبرالية هي نفس حكايتهم الآن مع عدم فهمهم لظرف العالم الآن و هو يتجه الى ديناميكية جديدة تحتاج لنخب قادرة على إنزال فلسفة سياسية و فلسفة إقتصادية تصلح مع عالم في أشد لحظات اضطرابه و من هنا يأتي تنبيهنا للنخب السودانية بأن تهتم بفكر أمريكا في بيان الرباعية و لا تهتم لرغبة كل من مصر و السعودية و هما يتحرجان من تحول ديمقراطي في السودان
بالمناسبة السير في طريق رغبة مصر و رغبة السعودية هو تأبيد للفشل المزمن بسبب تبعية النخب السودانية للثقافة العربية الإسلامية التقليدية و هي ثقافة في حالة تشنج ناتج من صدمة الحداثة لذلك سوف لن تكف كل من السعودية و مصر عن عرقلة التحول الديمقراطي في السودان ومن هنا نقول للنخب السودانية لا تتركوا السعودية تجعل من السودان سوريا ثانية كما جعلت سوريا تحت قيادة احمد الشرع بتوسطها له عند الرئيس الأمريكي ترامب
لا يكون ذلك إلا بطرح فكر جديد و طرح عزيمة جديدة تتجاوز فشل الدول العربية في الوصول الى قيم الجمهورية ها هي الأغلبية من الدول العربية ترزح تحت ظل دكتاتوريات تقليدية أو ملكيات تقليدية و سبب إزدهارها المادي ليس بسبب فكر نخبها بل بسبب أنها تنتج سلعة الطلب عليها عالمي أقصد البترول من هنا نقول للنخب السودانية أنكم تمتلكون عقول إذا تم إعمالها لتحققت تنمية إقتصادية بمعدلات نمو إقتصادي يتفوق على تنمية الدول المنتجة للبترول
على أي حال هذه الحرب العبثية بين الجيش الكيزاني و صنيعته الدعم السريع هي نتيجة فشل النخب السودانية في إدراك ديناميكية الكنزية و قد إستمرت لمدة أربعة عقود حقق فيها العالم إستقرار سياسي و نمو إقتصادي غير مسبوق الى لحظة أزمة الطاقة في عام 1973 و قد أنهت آخر أنفاس الكنزية و بعدها سار العالم لما يقارب العقد الى لحظة ظهور النيو ليبرالية مع كل من تاتشر و ريغان و أستمرت لثلاثة عقود حتى لحظات الازمة الإقتصادية 2008 و قد أنهت ديناميكية الليبرالية و أنتهت معها زوبعة العولمة و الآن العالم يتجه الى الحماية الإقتصادية و ليس بشكلها القديم الصارم و لكنها الآن قد وضعت حد لتدفق السلع مع تعريفة ترامب الجمركية و كذلك حدت من حركة رؤوس الأموال و لم يتبقى غير إمكانية ترويج تقنية الإتصالات
هذه الحقبة الجديدة أي الحماية الإقتصادية ليست معطى مطروح كما كانت الكنزية معطى فكري لجون ماينرد كينز أو النيو ليبراليه لفردريك حايك إلا أنها أي الحماية الإقتصادية تحتاج لعقل النخب المدركة لفكرة الشرط الإنساني لكي تفهم حالة العالم الآن من أجل إعادة السودان الى مساره الذي يربطه بالعالم الحديث و لا يكون ذلك بغير مفارقة فكر المثقف التقليدي و مفارقة فكر المؤرخ السوداني التقليدي كذلك مفارقة فكر القانوني السوداني التقليدي
و يكون ذلك بكل السهولة و اليسر عندما يظهر في ساحة الفكر السودانية المثقف الذي تجتمع عنده خطوط تماس العلوم الإنسانية نضرب مثلا بعالم الإجتماع ماكس فيبر كان بجانب علم الإجتماع مؤرخ غير تقليدي و إقتصادي و قانوني و ملم بالفلسفة و إلا لما إرتكز على فكر النيو كانطية
و من هنا نقول للنخب السوداني وا شوق ساحتنا السودانية للفيلسوف عالم الإجتماع الملم بأدب النظريات الإقتصادية و ملم بتاريخ الفكر الإقتصادي الذي يخلصنا من المؤرخ التقليدي و القانوني التقليدي اللاحقان للأحداث و اللاحق للأحداث يتحدث الى ما لا نهاية فيما لا ينفع الناس
في ختام هذا المقال نرجع الى عنوان المقال و هو أن السودان حاله كحال أوروبا بين الحربين العالميتين رغم أنف من يعتقد في خصوصية السودان و يصر أن تاريخه ليس جزء من تاريخ أوروبا لمثل هؤلاء نقول بعد الثورة الصناعية قد أصبح تاريخ العالم واحد للبشرية كافة ليست هناك خصوصية للسودان كذلك ليس هناك مكان لأوهام مثقفي العالم العربي الإسلامي التقليدي المتشنج من صدمة الحداثة و نقول كذلك أن العالم يرتب أحواله لمجتمعات ما بعد الثورة الصناعية
صدق عميد الأدب العربي طه حسين عندما أكد بأن مصر لن تتعافى من تخلفها و ركود عقلها المزمن بغير رجوع عقلها الإغريقي الروماني طه حسين لم يقل قوله هذا إلا لأنه كان يدرك بأن العالم بعد الثورة الصناعية قد أصبح تحت ظل حضارة واحدة و هي الحضارة الغربية و لا خصوصية لمصر تحت ظل ثقافتها الإسلامية العربية التقليدية
أن السودان حاله كحال أوروبا بين الحربين لأن أوروبا بين الحربين العالمتين شهدت نهاية صراع بين فلسفة التاريخ التقليدية و بداية فلسفة التاريخ الحديثة أحتاج العالم كذلك إحتاجت أوروبا لثلاثة عقود حتى يقدمان تفسير لفكرة لماذا لم يعد عقل العالم القديم لم يعمل؟ و من هناك ظهرت النظرية الكنزية تفسر لماذا حدث الكساد الإقتصادي العظيم و قدمت فكرة التدخل الحكومي عبر فكرة خلق الطلب كان حينها كأنها مؤامرة لتحطيم الرأسمالية من الداخل من هنا جاءت فكرة أن يتقدم السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني المستطيع قيادة علماء الإجتماع و الإقتصاديين و الأنثروبولوجيين و الفلاسفة
هذه الفكرة لم تكن معطى من معادلة بل كانت نتيجة فكر يقدم فكرة القرار و الإختيار من منظور أن كل فرد في المجتمع عقلاني و أخلاقي و كل معادلاته السلوكية تسير بإتجاه تحقيق معادلة الحرية و العدالة و للأسف عندنا في السودان يظهر السياسي السوداني بقامة أقصر بكثير من قامة السياسي المدرك لفكرة الشرط الإنساني و بسببه ها هو السودان يسقط في حرب عبثية لأن العالم الحديث لم يسمح بعد الآن للعقل القديم السائد في السودان أن يسير بسيره
الخروج من هذه المتاهة لا تكون بغير مغادرة النخب السودانية لعقل الحيرة و الإستحالة كما يقول عالم الإجتماع الفلسطيني هشام شرابي يحتاج لجهد فكري هادف و واعي يرفض المعطى و يبحث عن القرار و الإختيار المفارق لمعطى السعودية ومصر فيما يتعلق بالسودان لأن فكر كل من السعودية و مصر فكر رغبوي هدفه بأن يظل السودان متغير تابع لهما كمتغيرين مستقلين و يستدلان على إستقرارهما السياسي و الإقتصادي بالفشل الذي يسود في السودان
و عليه ستكون وصيتي للنخب السودان بأن تفك إرتباطها بمحيطها العربي الإسلامي التقليدي و ترتبط بإرث العالم و تراثه لأنه وحده القادر على تفسير سير الحضارة البشرية و قد حققت إنتصارها للحياة متجسدا في فكرة أن الفعل الإنساني هو المفسر لمعادلة الحرية و العدالة التي تسوق ظاهرة المجتمع البشري في سيره نحو مجد العقلانية كنتيجة للنزعة الإنسانية
على ذكر سيادة الفكر العابر و المؤقت في السودان خلال السبعة عقود التي عقبت الإستقلال فكرته إستلفتها من ريموند أرون و هو بالمناسبة كانت فكرته عن فلسفة التاريخ الحديثة متزامنة مع فترة تقديم كينز لنظريته و كانتا تسيران في إتجاه هدف واحد أي فكرة و مفهوم الدولة الحديثة عند كينز من ناحية إقتصادية في فكرة التدخل الحكومي و عند ريموند أرون فكرة تحقيق مفهوم الدولة الحديثة عبر فكرة مفارقة المعطى و كان في حينه ظهور الشيوعية و النازية و الفاشية و إتخاذ القرار من أجل إختيار الفكر الليبرالي بشقيه السياسي و الإقتصادي
فالفكر العابر و المؤقت في السودان هو هيمنة فكر الكيزان و الشيوعيين السودانيين و تجاوزه لا يكون بغير إتخاذ القرار و الإختيار في تقديم أدب الحريات و بعيدا عن أدب الهويات كما أختار نهرو للهند الديمقراطية و التقنية و الحداثة و كما إختارت الصين في عام 1978 إدخال نمط الإنتاج الرأسمالي على إقتصادها و فتح على إزدهار الصين الإقتصادي الآن
فهل تستطيع النخب السودانية تجاوز المعطى من تاريخ فشلها و تجيد القرار و الإختيار لفكر حر يفتح على الإزدهار و يخرج النخب السودانية الى حيث الإستشراف للمستقبل بدلا من أن تكون لاحقة للأحداث؟
taheromer86@yahoo.com
