د. محمد عثمان عبدالله
يعكس الواقع السوداني المعقد اليوم فصولاً مأساوية من المعاناة التي يعيشها إنسان الهامش، وتحديداً في منطقتي دارفور وكردفان، حيث يبدو أن الحسابات السياسية والعسكرية لبعض القيادات في الدعم السريع وحكومة التأسيس قد تخلت تماماً عن هموم المواطن البسيط لصالح توازنات مشبوهة. فبينما تُدار المعارك على الأرض، يتملك الكثيرين شعور عميق بأن قيادة الدعم السريع تعاني من عقدة نقص دفينة تجاه النخب المركزية، مما يجعلها تبخس دماء أبنائها في الهامش وتراها رخيصة في سوق المقايضات، بينما تتعامل مع دماء الطرف الآخر بحرص ومهابة مبالغ فيهما. هذا الخلل النفسي والسياسي انعكس بوضوح على إدارة المعركة؛ فحصر الحرب في نطاق كردفان ودارفور لعام كامل بعد الانسحاب من الخرطوم يثير علامات استفهام كبرى حول غياب الإرادة السياسية. فالقوات التي استطاعت السيطرة على الفاشر قادرة بلا شك عسكرياً على إنهاء الوضع في الأبيض والرهد وأم روابة وغيرها من مدن كردفان، لكن غياب الرؤية والقرار الفوقي يحول دون ذلك، مما يجعل أي حديث عن العودة إلى الخرطوم أو حسم المعركة مجرد أوهام لا تسندها المعطيات على الأرض. ويتزامن هذا الصراع مع انشقاقات مستمرة داخل صفوف الدعم السريع، تأتي كمحصلة طبيعية لفساد القيادات العسكرية وغياب العدالة بين القوات؛ وهي انشقاقات ستستمر وتزداد معدلاتها مع تصاعد المغريات التي تدفع القادة للانشقاق، مما يمهد الطريق لتفكك هذه القوات بالكامل وخسارة مناطق شمال وغرب كردفان بالكامل، وحصر الصراع في دارفور وحدها.
إن النتيجة الحتمية لهذا الانغلاق العسكري هي نجاح النخب المركزية في عزل الحرب وحصرها داخل إقليم دارفور لسنوات قادمة، مما يحكم على أهلها بمزيد من التخلف الاقتصادي والتنموي والتعليمي، وهو الثمن الباهظ الذي يدفعه الأبرياء نتيجة سوء تقدير وتهور سلطة التأسيس. هذه القيادة أثبتت بالدليل القاطع أنها لا تضع مستقبل أبناء الهامش ضمن أولوياتها، فقد تركت الطلاب لأربع سنوات كاملة دون أن يجلسوا للامتحانات، في وقت يستمر فيه أقرانهم في مناطق سيطرة المركز في دراستهم الجامعية بانتظام. ولو كانت هذه القيادة صادقة في ادعاءاتها بتمثيل الهامش, لفرضت قيام الامتحانات على حكومة المركز رغماً عنها أو لعملت على تعطيلها في كل أنحاء السودان تحقيقاً للعدالة، بدلاً من اللجوء الآن إلى خطوة بائسة وفاشلة تتمثل في إقامة امتحانات محلية صورية تفتقر لأي أفق حقيقي، وتعمق من حالة التهميش. لقد أفقدت سلطة التأسيس بقرارها هذا طلاب دارفور وكردفان فرص الالتحاق بالجامعات السودانية في المركز، والتي تُعد الأكثر تأهيلاً وكفاءة، ذلك أن هذه الامتحانات المحلية العشوائية لن تؤهلهم لدخول تلك المؤسسات العريقة، تماماً كما لن تفتح لهم أبواب أي جامعات عالمية أخرى، في ظل مخاوف واسعة وسط الأسر والطلاب بشأن الاعتراف الدولي بهذه الشهادات نتيجة لغياب الاعتراف الدولي بحكومة التأسيس الموازية.
وتتجلى الخديعة الكبرى في هذا الطرح التعليمي الهش عند التساول عن مصير هؤلاء الطلاب بعد نجاحهم المفترض؛ فأين هي الجامعات التي سيلتحقون بها بعد أن تحولت جامعات دارفور وكردفان إلى خرابات وأطلال، وهجرها أساتذتها وطلابها ليمارسوا أعمالهم ودراستهم في مناطق سيطرة الجيش؟ إن سلطة التأسيس مطالبة اليوم، إن كانت تملك ذرة من الشجاعة، بأن يخرج رئيس وزرائها ليصارح شعب الهامش عن مصير هؤلاء الطلاب بعد امتحانات الشهر المقبل، بدلاً من بيع الأوهام والتغطية على الفشل الإداري والعسكري.
هذا السؤال المهم لا يجد حتى الآن إجابة واضحة من سلطة التأسيس، التي تبدو منشغلة بالدفاع عن وجودها السياسي أكثر من انشغالها بمصير جيل كامل مهدد بالضياع. وكان الأولى بقياداتها، خاصة الذين تلقوا تعليماً وخبرات في دول غربية متقدمة، وتشرّبوا من نظمها المتقدمة، أن يقدموا مشاريع علمية واقعية واضحة تنتشل شعبهم من الانهيار وتنهض به نحو آفاق أفضل، لا أن ليمارسوا صمت القبور، الذي يقود مجتمعاتهم إلى مزيد من التدهور والفشل والتخلف، من أجل الاستوزار والسلطة الزائفة التي لم نر لها أي أثر إيجابي في حياة المواطنين داخلياً، ولا حضوراً في المحافل الدولية خارجياً.
كل هذه المؤشرات المتلاحقة تؤكد أن سلطة التأسيس الحالية غير صادقة مع شعبها، وغير مؤهلة لقيادة هذه المرحلة الحساسة، وأن مآلها سيكون الفشل المبين، خاصة بعد فشل وزرائها في تقديم هذه الحكومة وتسويقها عالمياً، وهي النتيجة التي تعززت دولياً وإقليمياً بعد إعلان الولايات المتحدة الصريح بعدم الاعتراف بأي حكومة موازية في السودان، وكذلك فعل الاتحاد الإفريقي الذي أوصد الأبواب أمام أي شرعية لهذه الخطوات الأحادية. لقد نجحت حكومة التأسيس في أمر واحد فقط، وهو إدخال شعب الهامش في نفق مظلم من الفقر والجهل وانعدام الأمن، وإرجاع الأقاليم أكثر من ثلاثين سنة إلى الوراء، دون أن تملك في حقيبتها أي رؤية واضحة للحل أو مخرج ينقذ ما تبقى من كرامة وحياة إنسان الهامش المطحون.
dr.jao.albawadi@gmail.com
