لبنى أحمد حسين
يبدو أن مفهوم “العودة الآمنة” في السودان قد تطور كثيرًا. ففي السابق كان المواطن يقلق من الرصاص والقصف والنهب، أما اليوم فقد أضيفت للعائدين باقة جديدة من المخاطر: الثعابين والعقارب… أي والله. وذلك بعد أن تعايش الناس أصلًا مع حمى الضنك والملاريا ونقص الغذاء والدواء وانقطاع الكهرباء وشح المياه.
فقد أصدر مركز أبحاث الكائنات السامة بكلية العلوم بجامعة الخرطوم — مع خالص الشكر والتقدير لجهدهم العلمي والتوعوي — دليلًا إرشاديًا يشرح للمواطنين كيفية التعامل مع الزواحف السامة داخل المنازل المهجورة، ضمن حملة للتوعية بالعودة “الآمنة”. والحق يُقال، إن القائمين على الدليل اجتهدوا علميًا وعمليًا، وشرحوا للناس كيف يجففون المستنقعات ويغلقون الشقوق ويتعاملون مع اللدغات ويوفرون الأمصال… لكن المشكلة ليست في الدليل، بل في الواقع الذي جعل مثل هذا الدليل ضروريًا أصلًا.
أي إن المواطن، بعد سنوات الحرب والانهيار، صار مطالبًا، قبل العودة إلى بيته، بأن يتأكد ليس فقط من وجود الكهرباء والمياه والسقف… بل أيضًا من عدم وجود كوبرا تحت السرير أو عقرب داخل دولاب المطبخ!
والأطرف أن الدليل حاول طمأنة الناس بالقول إن “ليست كل الثعابين سامة”. شكرًا جزيلًا على هذه المعلومة المريحة نفسيًا.
الحقيقة أن البوستر التوعوي — دون قصد — قدّم أوضح وصف لحجم الكارثة التي عاشتها المدن السودانية. مدنٌ غادرها البشر طويلًا حتى بدأت الطبيعة نفسها تستعيدها، بالزواحف والفئران والمستنقعات.
ويبقى السؤال المؤلم:
أهي حقًا “عودة آمنة”، أم إلى أي مدى يمكن وصفها بذلك، حين يحتاج المواطنون إلى دليل للتعامل مع الثعابين والعقارب، بعد أن نجا بعضهم أصلًا من الرصاص والمسيّرات والجوع والمرض والنزوح؟
منشن:
العائدون طوعًا..
