في عشية الذكرى 57 لانقلاب مايو 1969
في الرد على الدكتورة ناهد محمد الحسن (1)
منصور خالد والعسكريتاريا
أكرمتني ناهد محمد الحسن بنقاش حفي حول آرائي عن منصور خالد التي جاءت في كتابي “. . . ومنصور خالد” (2018) من فوق قناعة أني صاحب مشروع يؤبه بها كما لم أجده عند كثير غيرها في محيط ثقافي مرتبك. فخرجت في مقالات تواترت تنتقد مقالي “وخرج انقلاب مايو 1969 من رحم منصور خالد” الذي أخذ على منصور “عسكريتاريا”ه. وهو مصطلح زمانه “شف” الناس فيه عن “البروليتاريا” التي يعدها الشيوعيون طليعة القوى الاجتماعية الناهضة بالتغيير الاجتماعي في الوجهة التي أرادوها. ويقوم المفهوم على دعامتين أولهما الزهادة في الديمقراطية الغربية لأنها مما لا يلائم مثل بلدنا حتى وصفها من قال إنها مثل من ارتدى بدلة بثلاث قطع في جونا الحار. واتصلت بدعوة استدبار الديمقراطية الغربية خطة بناء الامة على حد الحزب الواحد. أما الدعامة الثانية فهي دعوة مفتوحة للجيش بأن يكون طليعة هذه الديمقراطية الجديدة التي “من واقعنا ما من أكتر”.
ومع ذلك لا أريد أن يقتصر ردي على ما أثارته ناهد حول أفكاري عن منصور خالد. فرغبت أن يكون طرقها باب الموضوع مناسبة لفتح باب النقاش حول الانقلاب في دولتنا الذي قلت مع ذلك معرفتنا بديناميكيته السياسة والاقتصادية والاجتماعية والثقافية برغم أننا انحكمنا لثلاث وخمسين عاماً بنظم جاءت في أثره. وسيكون هذه التجديد للنقاش حول الانقلاب من أجزاء ثلاثة:
1-الرد على ما تفق لناهد من نقد لأفكاري حول مشروع منصور خالد،
2-بيان ما جد على فكر منصور وممارسته عن الديمقراطية الغربية بعد زهادته في نظام 25 مايو وخروجه عليه حتى انضمامه للحركة الشعبية لتحرير السودان في 1986،
3-عرض لفكرة الحزب الشيوعي عن الديمقراطية الليبرالية وممارسته فيها للقول بإن الزهادة فيها في الستينات والسبعينات لم تكن بالشيوع الذي قالت به ناهد. فتمسك الحزب الشيوعي، بل تشبثه، بالديمقراطية الليبرالية قبيل انقلاب مايو 1969 من صفحات التاريخ المجهولة التي لا يكتمل فهمنا للانقلاب، الذي ارتكبه هو نفسه، بدونها.
ما اتفقت فيه مع ناهد قبل أن تلقي لمنصور المعاذير
مع تمييزي لنقد ناهد لكتاباتي دون غيرها لم أسعد بردها موضوعنا هنا لأنه جاء عن بكرة أبيه بمثابة دفاع عن منصور فيما رأته ظلما وقع مني عليه. فقالت إنها لم ترد بمقالها الدفاع عنه بقدر ما هو “دفاع عن حق التاريخ في ألا يُختزل، وحق الوقائع في ألا تُساق إلى محكمة أيديولوجية تُدين رجلًا واحدًا بجريرة أزمة وطن كامل”. فساق نهج ناهد في المحاماة عنه إلى إلقاء المعاذير له القاء ضؤل به عن المقام الذي انزلته فيه أنا ك”فانوس” طبقة البرجوازية الصغيرة في خوضها الشاق الشقي الطويل في السياسة السودانية. أردته مثقفاً عضوياً أو “مفكر أزمة”، في عبارة ناهد، لطبقته كما سيرد في حين لم تمانع هي في الدفاع عنه كمفكر تكنوقراطي متى ساغ لها ذلك.
وقبل الخوض في النهج المعاذيري لناهد أعرض خلاصة ما جاء في مقالي موضوع نقد ناهد وما اتفقت مع إجمالي رأيها فيه.
فأبدأ بالاتفاق مع ناهد بأن نقد منصور خالد للديمقراطية الليبرالية مما شغل الفكر السياسي في الدول التي تحررت لوقتها من الاستعمار. ودار ذلك الخطاب كما قالت هي حول: “هل تعمل الديمقراطية الليبرالية خارج شروطها التاريخية؟” أي الغرب، حاضنتها التاريخية. فمنصور في نقده للديمقراطية الليبرالية، في قولها، “لم يكن يتحرك في فراغ، ولا في سياق سوداني معزول. لكنه كان جزءًا من لحظة فكرية عالمية في دول ما بعد الاستعمار، حيث لم يكن السؤال يدور فقط عن “شكل النظام” بقدر ما كان عن شروط إمكانه.”
ولكن ما لا اتفق معها فيه قولها إني من صح أن أراجع أخذي له “أحياناً” كخصم للديمقراطية الليبرالية أو منظراً مبكراً للانقلاب. ولا احتاج للمراجعة الأولى لأن خصومته للديمقراطية (وربما عنت الليبرالية هنا) بإطلاق ليست مما خرجت لمؤاخذته عليها. بل لمنصور نفسه ديمقراطيته المعروفة ب”الديمقراطية الاجتماعية” التي يتعادل فيها حق الحرية مع الحق في العدالة كما سنرى. فما خرجت لمؤاخذة منصور عليه حقاً هو تجنيب السودان والعالم الثالث من تطبيق الديمقراطية الليبرالية فيها. فأنا حسن الظن جداً لا بالديمقراطية الليبرالية فحسب، بل لا أرى بلداً صلحت له مثل السودان. تمناها طويلاً بثمن فادح وعوجل فيها ولم يخلق بعد النظام الذي يلهيه عنها.
وعرضت ناهد لموقف منصور من الديمقراطية (الليبرالية) بصيغة لا خلاف لي معها. فقالت: السؤال الجذري مع منصور لم يعد عن: هل الديمقراطية جيدة؟ ولكنه “هل تعمل الديمقراطية الليبرالية خارج شروطها التاريخية؟ وعليه، في قولها، لم يكن بالوسع ان يكون السؤال الذي واجه منصور هو نقد الديمقراطية “بقدر ما كان عن الديمقراطية غير المتجذرة اجتماعياً”. وأنا مسلم بما قالت. فهو لم يخرج لنقد الديمقراطية الليبرالية حيث هي قائمة في الغرب، بل في شتلها في مجتمع لم يتهيأ لها بعد. وهنا اختلفنا. فنقدي انصب لا على ضيقه ذرعاً بها مفهوماً وممارسة على العموم، بل على رفضه تبنيها في شرط بلدنا التي ما تهيأت لها. فخلافاً عن منصور ظل رائي أن الديمقراطية الليبرالية صالحة للسودان حتى بما زعم من نواقص لها عندنا أو نواقص كما مر. فالخلاف بيننا دائر حول إمكانية أن تكون فينا الديمقراطية الليبرالية. فاتفقت لي هذه الإمكانية بينما استبعدها منصور بالمرة إلا بعد مران انتقالي بالحزب الواحد كما في دولة مايو 1969 نستكمل به عدة الديمقراطية الليبرالية.
كما لا احتاج للمراجعة الثانية عن خروج الانقلاب من رحم منصور. ففي الحق كان منصور أول من خرج علينا بدعوة للجيش ليأخذ بزمام الحكم من فوق حيثيات غاية في الوضوخ والقوة. فاختط منصور للجيش في “حوار مع الصفوة” (مقالات نشرت في النصف الثاني من الستينات ونشرت في كتاب في 1979) دوراً طليعياً، عرف كما قلنا ب”العسكريتاريا” في مقابل “البروليتاريا” للشيوعيين، لا سبيل للجيش القيام به إلا بالاستيلاء على الحكم بانقلاب أو بغيره. وبدأ خطته برفض عقيدة الغرب الديمقراطي الليبرالي في اعتزال الجيش السياسة لأنه مما لا يناسب أوضاعنا كما مر. فجيوش العالم الثالث في فهمه معززة بعناصر تجعل لها اليد العليا فوق مؤسسات السياسة والدولة الأخرى. فهي منظمة، وتتحلى بالضبط والربط، ومتحدة. وهي حديثة بما تحمل من سلاح وما خضعت له من مهنية. وهي الميزات التي يعول عليها حين تنشأ الحاجة لتغيير جذري للنظام القديم في مجتمع متصف بالشقاق السياسي الغائر، وبالنزاعات القبلية والطائفية، وجمهرة محافظة.
أما في محاضراته في الولايات المتحدة في 1967 فدعا الجيش بغير لبس أن “يقلبها” كما نقول. فتجده آخى بين صفوة الجيش والصفوة الملكية كشركاء أنداد في دولة حديثة استولت على قيادها صفوة تقليدية حظية أو إرثية بوسيط الديمقراطية الليبرالية المستجلبة. فأفرغت هذه الطبقة الوارثة الحقوق الديمقراطية الليبرالية، التي في أصل الدولة الحديثة، من مغزاها وجدواها. وزكى منصور للجيش أن ينقلب ثائراً على هذا الوضع الحداثي الشاذ: بلد تديره تقنياً الصفوة الحديثة (التكنوقراط) وتحكمه الصفوة التقليدية سياسياً. وتلك وصفة للانقلاب.
ومما أغناني عن مراجعة نفسي عن نقد منصور أني كنت مع الديمقراطية الليبرالية في الوقت نفسه الذي خرج هو فيها ليبطلها في شرط دولتنا. فأخذ عليها حل الحزب الشيوعي كواحد من الخطايا التي ترتكب في مثلها طالما جاءت منقولة لا أصل لها فينا. والمفارقة أن نفس هذا الحزب الذي كانت الجناية عليه سبباً في الزهد في الديمقراطية الليبرالية هو من تمسك بأهدابها من فوق طريق وعر كما سنرى.
المثقف العضوي حمال ثقيلة
في معرض القاء المعاذير لمنصور من الانقلابية التي رميته بها أخذت ناهد علىّ ميلي إلى ردّ ظاهرة سياسية مركبة مثل انقلاب 25 مايو 1969 إلى “رحم فكري” واحد، وكأن التاريخ يُصنع من مقالة، كتاب، أو من نزعة فردية معزولة عن بنية السياسة والمجتمع والدولة. ثم عادت لتقول إن مايو إنما خرجت من رحم “أزمة النظام السياسي السوداني”، لا من رحم منصور خالد. ومن فرط إعادة ناهد لهذه الصيغة في تبرئة منصور تساءلت عما فهمت مني حين قلت إن الانقلاب خرج من رحم منصور.
فالانقلاب ليس تهمة إلا حين يفشل. وما عدا ذلك فهو تكتيك سياسي مخدوم بنظرية من ورائها عقل مثل منصور هو فانوسها يُحسنها للناس بتعزيز منطقها في التعريف السائر للمثقف العضوي:
فالمثقف العضوي حسب انطونيو قرامشي هو من يخرج من وسط طبقة اجتماعية بذاتها أو جماعة فيلحن بمصالحها وتطلعاتها ورؤياها للعالم. وهو غير معتزل للمجتمع فحسب، بل هو في صميمه. وليس مراقباً من بعد أو معلق من الخارج لكنه مشارك نشط في النضالات الاجتماعية والسياسية. ومن أخص ميزات هذه المثقف هو قدرته على تجسير الفجوة بين النظرية والممارسة. فلا يكتفي بالأفكار المجردة أو الفلسفات الشماء لأنه يطلب بدلاً عن ذلك جميعاً تطبيق معارفه على مشاكل العالم الواقعية وتحدياته. وتوجه المثقف للممارسة العملية هو ما يفرق بينه وبين المثقف التقليدي. فبينما قد يكتفي المثقف التقليدي بنشر أوراق علمية أو المحاضرة، تجد المثقف العضوي غارقاً حتى أذنيه في الحركة الاجتماعية ومنظمات مجتمعه والنضال السياسي.
ونواصل
د.عبدالله
ibrahima@missouri.edu
