زهير عثمان
مأزق “المفتاح الوحيد”
ليس السودان لغزاً يستعصي على الفهم، بل هو واقع يستعصي على الاختزال. يعاني العقل السياسي السوداني منذ عقود من تشرذم معرفي عميق؛ إذ يميل كل تيار إلى امتلاك “مفتاح وحيد” يظن أنه يفتح جميع الأبواب المغلقة
فالخطاب الماركسي يختزل الأزمة في الصراع الطبقي وتنازع الموارد، بينما يردّ الخطاب الإسلامي جذور الانهيار إلى البعد العقدي والهوياتي
أما خطاب الهامش فيرى أن كل شيء محكوم بإرث تاريخي من الإقصاء البنيوي
هذا “العمى الاختياري” حوّل الفكر السوداني من فضاء للبحث عن الحلول إلى ساحة صراع أيديولوجي مغلق
كل طرف يحمل جزءاً من الحقيقة، لكنه يعجز عن رؤية الكل. والنتيجة دولة على حافة التفكك، ومجتمع ينهك تحت ضغط أزمات لا يكفي أي تفسير أحادي لإدراكها
مرايا الحقيقة وتشوهاتها
مرآة الهوية – كشفت بعمق عن الإقصاء الثقافي والديني الذي مارسته الدولة المركزية تجاه تنوع السودان
لكنها في المقابل حبست النقاش داخل دوامة البحث عن “الأصل” و“الأصالة”، فتحوّل الماضي إلى ساحة صراع بدل أن يكون أرضية لبناء مستقبل مشترك
مرآة المركز والهامش- أضاءت اختلال توزيع السلطة والثروة، لكنها أنتجت في بعض الحالات قداسة سياسية للهامش، حوّلت الضحية إلى موقع قابل لإعادة إنتاج الاستبداد، حيث يُمارس العنف أحياناً باسم العدالة التاريخية
مرآة النخبة – قدمت تفسيراً لظاهرة “إدمان الفشل” لدى النخب السودانية، لكنها أغفلت أن هذه النخب ليست كيانات منفصلة، بل نتاج لبنى اجتماعية واقتصادية وثقافية عميقة، ما يجعل استبدالها دون تفكيك تلك البنى مجرد إعادة إنتاج للفشل بأشكال مختلفة
مرآة المأزق الحضاري (محمد أبو القاسم حاج حمد ومن سار على نهجه) -قدمت رؤية كلية للسودان ككيان حضاري متداخل، لكنها بقيت في مستوى تجريدي مرتفع، ما حدّ من قدرتها على تفسير العنف اليومي وتعقيدات الصراع السياسي والمسلح
الفكر كاستراتيجية إعفاء ذاتي
تكمن الإشكالية في أن هذه المرايا لم تبق أدوات تحليل فحسب، بل تحولت إلى أقفاص فكرية واستراتيجيات إعفاء من المسؤولية
فعندما تُختزل الأزمة في الهوية وحدها، يُعفى الفاعل السياسي من مسؤولية بناء الدولة
وعندما يُردّ الانهيار إلى الاستعمار والمؤامرات الخارجية، تُطمس مسؤولية الداخل
وحتى خطاب التهميش، حين يتحول إلى قداسة سياسية، قد يبرر الفساد أو العنف باسم العدالة التاريخية
بهذا المعنى، لم يعد الفكر السوداني أداة للفهم، بل صار في كثير من الأحيان آلية لتسكين الألم وإعادة إنتاج العجز
نحو “الجمهورية الثالثة” – عقد جديد بعد الحطام
إن التفكير في “الجمهورية الثالثة” لم يعد ترفاً نظرياً، بل ضرورة وجودية نشأت من تحت أنقاض الدولة المنهارة
غير أن هذه الجمهورية لا يمكن أن تُبنى على الوعود الأيديولوجية الكبرى، بل على تحولات مفاهيمية تتجاوز الأقفاص التقليدية
المواطنة التعاقدية – مواطنة تقوم على العقد القانوني والمساواة في الحقوق، لا على الانتماء الإثني أو الهوياتي
اللامركزية الجذرية- ليست مجرد تفويض إداري، بل إعادة توزيع حقيقية للسلطة والثروة بما ينهي احتكار المركز ويمنح الأطراف قدرة فعلية على إدارة مواردها
الدولة المدنية الروحانية – دولة تفصل بين التوظيف السياسي للدين وبين احترامه كمكوّن ثقافي وروحي، دون إقصاء أو توظيف سلطوي
العدالة الجامعة – مسار للاعتراف بالمظالم التاريخية يهدف إلى المصالحة لا الانتقام، ويعيد تعريف الآخر كشريك في الوطن لا كتهديد وجودي
نحو فكر مركّب وتواضعي
السودان ليس نصاً مغلقاً ولا معادلة بسيطة، بل بنية معقدة تتقاطع فيها أزمات الهوية مع الاقتصاد الريعي، وضعف المؤسسات، وإرث الاستعمار، وتناقضات الاجتماع السياسي
الخروج من هذه الدائرة لا يتحقق بإلغاء أي من “المرايا”، بل بتفكيك قدسيتها. المطلوب فكر مركّب يعترف بتعدد الحقيقة السودانية، ويعيد تركيبها بدلاً من تجزئتها إلى معارك أيديولوجية
يبقى السؤال مفتوحاً هو كيف يمكن إنتاج مثقف سوداني جديد لا يتعامل مع نظريته كـ“نص مقدس”، بل كأداة قابلة للنقد والتعديل والتجاوز؟
من يجرؤ على التفكير خارج هذه الأقفاص، قد يكون أول من يفتح باب الخروج من دائرة الفشل المتكرر.
zuhair.osman@aol.com
