السفير: عادل إبراهيم مصطفي
في إنجازٍ سودانيٍّ جديد يُضاف إلى الإنجاز الذي حققه الخبير والمستشار في مجال سياسات وقوانين المياه البروفيسور سلمان محمد أحمد سلمان، بحصوله على الجائزة العالمية للتميّز في قوانين المياه، المقدَّمة من الجمعية الدولية لقانون المياه (AIDA) في أبريل الماضي، أوردت صحيفة “مدنية نيوز” الإلكترونية أن وكالة الفضاء الأمريكية ناسا قامت بتكريم البروفيسور السوداني الهادي محمد إبراهيم، المنحدر من قرية شيكان بولاية النيل الأبيض، وذلك ضمن جائزة الإنجاز الجماعي الممنوحة لفريقٍ علميٍّ متخصص في رصد الاستشعار عن بُعد، تقديرًا لإسهاماته في أبحاث تتعلق بفهم بنية النظم البيئية ووظائفها وتغيراتها عبر الزمن.
كما نقلت الصحيفة أن التكريم جاء في إطار مشروع علمي نُفِّذ في جنوب إفريقيا، ركّز على دراسة التنوع البيولوجي ورصد خصائص الأنظمة البيئية باستخدام تقنيات متقدمة، بمشاركة أكثر من (150) عالمًا يمثلون عشرات المؤسسات العلمية والبحثية.
ومنحت وكالة “ناسا” الجائزة للفريق تقديرًا لما وصفته بالإنجازات الاستثنائية في دعم الأبحاث العلمية وتعزيز جهود مراقبة التنوع البيولوجي، وتُعد هذه الجائزة من أعلى أوسمة التقدير التي تمنحها الوكالة للفرق البحثية ذات الإسهامات البارزة.
ولا شك أن هذا التكريم المستحق للبروفيسور الهادي، وقبله التكريم الذي حظي به البروفيسور سلمان، يُعد مفخرةً حقيقيةً للسودان، ويؤكد أن هذا البلد، رغم ما يمر به من أزمات وانهيارات، لا يزال زاخرًا بالكفاءات الرفيعة والعقول المبدعة القادرة على المنافسة عالميًا وتحقيق الإنجازات في أرقى المؤسسات العلمية الدولية.
وقد جاء هذا التكريم في وقتٍ بلغت فيه سقطات سلطة بورتسودان الانقلابية مستوى غير مسبوق من الخيبة والرداءة والعشوائية والاضطراب؛ من سفر رئيس وزرائها إلى المملكة المتحدة دون دعوة رسمية، وبجواز سفر غير سوداني، إلى أن يتمثل “إنجاز” الرحلة في تناول وجبة غداء تحت قبة البرلمان البريطاني، فضلًا عن اعتراف وزير الإعلام، على الملأ، بقيام الجيش برشوة بعض الإعلاميين من أجل دعمه في الحرب العبثية التي ابتليت بها البلاد.
وفي خضم هذه الفوضى السياسية والأخلاقية، جاءت إنجازات أبناء السودان، البروفيسور سلمان والبروفيسور الهادي، لتؤكد أن أزمة السودان ليست في شعبه، ولا في قدراته البشرية، وإنما في طبيعة السلطة التي تتصدر المشهد، وتعادي الكفاءة، وتُقصي أصحاب العقول والخبرات، بينما تحتفي بالسفهاء وأصحاب الخطاب الهابط والابتذال الرخيص.
ولعل ذلك يذكّرنا بالمقولة الشهيرة للاستاذ محمود محمد طه:
“شعب السودان شعبٌ عملاق، تقوده الأقزام”.
ومن الطبيعي، في ظل هذا الواقع المختل، ألّا تهتم الدولة بإنجازات أبنائها العلماء، ولا بحصولهم على أرفع الجوائز العالمية في مجالات قانون المياه، ودراسات البيئة والتنوع البيولوجي، والتقنيات المتقدمة، بينما يسارع رأس السلطة، بكل أسف، إلى تكريم أصحاب السفه والانحدار اللغوي والأخلاقي، في مشهد يكشف حجم التدهور الذي أصاب معايير الدولة ومؤسساتها.
إن التكريم الحقيقي الذي ناله هؤلاء العلماء لا يخصهم وحدهم، بل يخص السودان كله، ويمنح شعبه بصيص أمل وسط هذا الظلام الكثيف. فالدول تُبنى بالعلم والكفاءة المهنية والاخلاقية، لا بترويج الرداءة، ولا بالانقلابات، وسيظل السودان، رغم كل ما يحيط به من خراب، قادرًا على إنجاب العلماء والمبدعين الذين يرفعون اسمه عاليًا في المحافل الدولية، حتى وإن تجاهلتهم سلطةٌ لا ترى في الوطن سوى غنيمةٍ للسلطة والبقاء.
