غاب عنا إثر حادث حركة مؤلم الفنان المميز صاحب الصوت الشجي مجذوب إبراهيم أونسة. وقد استوقفتني العبارة البليغة التي استخدمها الإعلامي الأستاذ صلاح شعيب وهو ينعي الراحل، حين شبّه رحيله بتساقط أوراق خريف الأغنية السودانية، في تسجيل صوتي حزين عبّر فيه عن عميق الفقد والأسى.
كانت أول مرة أستمع فيها إلى صوت الراحل أثناء مروري ليلاً بأحد شوارع حي السوق بمدينة عطبرة، حيث كان يغني وسط جلسة ودية لبعض أصدقائه أمام منزل أحد الجيران. ثم شاهدته لاحقاً في حلقة تلفزيونية أقيمت بنادي خريجي المدارس الصناعية بالسكة الحديد بعطبرة، وكان ذلك في العام 1978م.
امتلك الفنان الراحل صوتاً عذباً ومميزاً، ظل قادراً على الوصول إلى القلوب ببساطة وصدق. وأذكر أنني أثناء إحدى الإجازات الصيفية بمدينة بورتسودان، كنت أجلس مع جدي وجدتي حين انطلق صوته عبر المذياع في أغنيته الشهيرة: “يا ريت بريدكم جاب كلمات تواسي الغاب” فإذا بدموع جدتي تنهمر بغزارة، رغم ما عُرفت به من صلابة وجدية. وربما كانت الأغنية قد أيقظت بداخلها مشاعر الشوق والحنين، خاصة وأن والدي كان قد غادر حينها إلى حلفاية الملوك بالخرطوم بحري.
لم تجمعني معرفة شخصية بالفنان، لكنني على يقين بأنه كان إضافة جميلة ومضيئة لعالمنا ووجدان جيل كامل. كما أعرف أهل نقزو، وأعرف ما يميزهم من طيبة وصفاء وروح صوفية أصيلة، ولي بينهم عدد من الأصدقاء الأعزاء.
أترك للقارئ والقارئة التأمل في السؤال الذي حمله عنوان المقال: هل تتساقط بالفعل أوراق خريف الأغنية السودانية برحيل هؤلاء المبدعين الذين شكّلوا وجدان الناس وذاكرتهم الجميلة؟
رحم الله مجذوب إبراهيم أونسة بقدر ما أسعد الناس بفنه وإبداعه، وخالص التعازي لمحبيه، ولأهله من أبناء وبنات نقزو بمدينة بربر، ولأسرة الأونساب خاصة، مع صادق الدعوات لهم بالصبر والسلوان.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
