في عشية الذكرى 57 لانقلاب مايو 1969
في الرد على الدكتور ناهد محمد الحسن (2)
منصور خالد والعسكريتاريا
كان منصور في دعوته للانقلاب من غزية إن غزت
كانت حجة ناهد العظمى حيال قولي بخروج انقلاب 25 مايو من رحم منصور خالد هي شيوع الفكر الانقلابي في أفريقيا والعالم العربي في الستينات والسبعينات بعد زهادة خلق كثير في الديمقراطية الليبرالية لغربتها عن تربتنا. فلم يكن منصور في دعوته لهجر هذه الليبرالية وتسلم الجيش مقاليد التغيير، العسكريتاريا في مصطلح الزمن، نسيج وحده. كان من غزية إن غزت.
فقولي إن انقلاب مايو 1969 “خرج من رحم”، العبارة الشائعة في ادبنا السياسي ليومنا، منصور عند ناهد تحصيل حاصل. فذاعت العسكريتاريا السياسة عند غيرنا وعندنا. وقالت بأن رحم منصور كان أصغر مما يخرج منه انقلاب مايو. فانتمت مايو للقومية العربية الحقين بالاشتراكية، ونموذجها التجربة الناصرية، وقاعدتها الاجتماعية الجيش والفئات الحضرية. فهذه الصياغة وحدها، في قولها، تكفي لإخراجها من النسبة الحصرية إلى منصور خالد. فالحدث كان، منذ لحظته الأولى، ناتجًا عن تداخل القومية العربية والاشتراكية العسكرية، وعن حضور الضباط الأحرار، وعن علاقة شديدة التعقيد بالحزب الشيوعي، لا عن نصوص منصور أو مزاجه الفكري.
ولا يدري المرء كيف تعفي الفكرة الانقلابية بحيثياتها النافية للديمقراطية الليبرالية على الشيوع منصور من تنظيره للانقلاب، كما فعل، مخرجاً من الديمقراطية الليبرالية. فلم يكن الانقلاب هو المخرج الذي لا غيره من أزمة الدولة التي خرج للتنظير لها لنقول إنه كان مكرهاً لا بطلاً. ومن جهة أخرى، ليس من مفكر إلا كان تفكيره في سياق تاريخي بذاته لا يجمل بنا سوقه في معرض التهوين من دوره فيه. ولا يصح هذا التهوين كما أرادت له ناهد إلا إذا كان منصور مجرد “كت آند بيست” لا المفكر الذي زكى نفسه لنا قبل تزكيتها له.
17نوفمبر 1958: الانقلاب المضاد لانقلاب منصور
ومن باب معاذير ناهد لمنصور قولها إنه وانقلابه في 25 مايو مسبوقان بانقلاب 17 نوفمبر 1958 المتهم به حزب الأمة من “أحزاب الطائفية والاقطاع السياسي”. فعليه فالانقلاب كخطة سياسية لم يولد من رحم منصور لأنه “”أكبر عمراً منه وأرسخ ولحاجة لرحم أعمق اسمه الأزمة السودانية”. فالانقلاب، في قولها، ليس اختراعاً صفوياً حداثياً أو “جريمة نظرية ارتكبها مفكر بعينه؟” أي منصور خالد. فالانقلاب عندها متاح للصفوي وغير الصفوي طالما لم يكن الجيش خارج السياسة و”إنما أحد ساحاتها يُستدعى حين تفشل آليات السياسة المدنية في تحويل الديمقراطية من قشرة دستورية إلى مؤسسات قادرة على الحكم”.
وقولها صحيح هنا. فالجيش مبذول للسياسي الطامع في الحكم وقد سبق انقلاب 17 نوفمبر انقلاب مايو. غير أنهما اختلفا في أن لم يكن استدعاء الجيش في 17 نوفمبر، والخلاف فيمن استدعاه قائم إن كان رئيس الوزراء في صلاحية طوارئ خرجت من يده أم أنه حزب الأمة الذي مثله رئيساً للوزراء، جراء فشل آليات السياسة الديمقراطية في تحويل الديمقراطية من قشرة دستورية إلى مؤسسات قادرة على الحكم. وبين الانقلابيين خلاف صح أن يؤخذ في الاعتبار. فلم يكن من وراء 17 نوفمبر المشروع الفكري الصفوي الحداثي الذي بوب فقهه منصور خالد في “حوار مع الصفوة” وفي غيره. فبقي فينا نظاماً عسكرياً حاول الديمقراطية للزينة بالمجلس المركزي بينما هو إلى مفهوم “الضبط والربط” أقرب منه إلى إحقاق أي تغيير انتظرناه من انقلاب منصور. كان 17 نوفمبر عداء للديمقراطية ليبرالية كانت أو اجتماعية.
علاوة على أن انقلاب 17 نوفمبر، إذا جاز تحليلي له في كتابي “. . . ومنصور خالد”، هو “الانقلاب المضاد” لانقلاب البرجوازية الصغيرة مما أزعم أنه انقلاب منصور ورهطه. فشهد الجيش قبل 17 نوفمبر في آخر الخمسينات محاولات انقلابية من صغار الضباط ملهمة بالناصرية ليتفق لكبار الضباط في إطار خلافات الأحزاب المعروفة في الديمقراطية. فقال الفريق إبراهيم عبود في تزكية انقلابه أن الخير أن يأتي الانقلاب من كبار الضباط من عرفوا عن السودان وأهله الكثير لا من صغارهم فيسيئون.
انقلاب منصور الذي لن يترك من الصفوة دياراً: سقم من الجميع
وفي معرض الدفاع عن منصور أيضاً قالت ناهد إننا عانينا ولا زلنا كسودانيين من مغامرات اليمين واليسار الانقلابية ومن غير الانصاف ان نعلقها في رقبة رجل وحيد هو منها براء. ولا خلاف أن منصور وغيره كثير عالمياً وقارياً وإقليمياً وقطرياً كانوا على عقيدته وماز منهم بفصاحته في التعبير عن مشروعهم فصار فيهم مثقفهم العضوي. فهو منظر الانقلاب من صلاحيته كمثقف عضوي والقاء المعاذير له كما فعلت ناهد ليس سوى اعتراض لمثقف خلال أداء واجبه الرسمي.
ولناهد رأي في عسكريتاريا منصور غير أنها الخطة المثلي للخلاص من الطبقة الطائفية الإرثية. فخطته كانت أيضاً نوعاً من السقم من طبقته البرجوازية الصغيرة نفسها، الصفوة في الشائع. فلم تر ناهد في كتاب “حوار مع الصفوة” ما ذهبت إليه من أنه مانيفستو صريح ضد الديمقراطية الليبرالية. فقالت إنه بالأحرى حوار مؤلم وطويل مع النخبة السودانية”. فلم ينقد فيه الشعب، بل نقد الصفوة ممن حملهم مسؤولية الفشل. فهو “لم يهاجم الديمقراطية كقيمة لكنه هاجم صورتها السودانية كما مورست من قبل أحزاب متنازعة”. ولا يعرف المرء إن كان استنقاذ الشعب من أميته، التي تسوقه سوقاً للخضوع للأعيان، بتجريده من حق الاقتراع في ديمقراطية ليبرالية شيئاً سوى “نقداً للشعب” بالوصاية عليه.
بل هونت ناهد علينا نحن معشر نقاده بأن قالت إنه جاء إلى خطة الانقلاب ودولة الحزب الواحد عن سقم. فنظر في أزمة السودان فساءه لا طغيان الطائفية التي كره الديمقراطية الليبرالية لأجلها، بل إدمان صفوته الحداثية نفسها للفشل حين “حولت الانتخابات إلى امتداد للولاءات التقليدية، والدولة إلى غنيمة، والديمقراطية إلى لافتة أكثر منها مؤسسات”. فرد الأزمة إلى فشل فكري، بل أخلاقي. فمشروعه الذي رأيناه كان احتجاجاً على الجميع ” وعلى كل من توهم أنه يملك السودان من غير أن يبني له دولة قابلة للحياة”.
وسوغت ناهد لمنصور خدمته لدولة مايو لأنه كان قد سقم من الجميع. فقالت إنه إذا ما سألنا عن سبب التحاقه بمايو ” فهنا ينبغي أن نكون منصفين فكريًا، لا محامين أو مدعين. فخدم مايو لأنه “صاحب مشروع”. ورد أزمة السودان في مشروعه إلى إخفاقات فكرية، إن لم تكن أخلاقية وسمت هذه النخبة قبل الاستقلال وبعده. وهو لا يتحدث هنا عن العسكر وحدهم، لكن عن الصفوة كلها: الطائفية، والبيروقراطية، والليبراليين، واليسار، وكل من توهم أنه يملك السودان من غير أن يبني له دولة قابلة للحياة. هذا هو قلب مشروعه: ليس تنظيرًا للعسكر، بقدر ما هو احتجاجًا على إدمان الفشل الذي مارسته النخبة حين حولت الانتخابات إلى امتداد للولاءات التقليدية، والدولة إلى غنيمة، والديمقراطية إلى لافتة أكثر منها مؤسسات.
فعسكريتاريا منصور كما صورتها ناهد هي “غضبة مضرية” على الجميع لا تستثني أحداً. لم تعد قاصرة على لجم الطائفية والإرثيين.
ونواصل
ibrahima@missouri.edu
