في الأزمنة المضطربة، لا تكون المأساة دائماً وليدة الكراهية، بل كثيراً ما تولد من الأحلام حين تكبر أكثر مما يحتمله الواقع، وحين يظن أصحابها أن الأوطان خُلقت لتكون جسوراً لعبور طموحاتهم الشخصية. هناك، عند تلك النقطة الفاصلة بين الحلم والوهم، يبدأ الخراب في ارتداء بزته العسكرية، وتبدأ البلاد في دفع فاتورة أوهام رجل واحد لم يورثه أباه سوى الفكرة التي ستقتله يوماً.
لقد كتب غابرييل غارسيا ماركيز في روايته الجنرال في متاهته عن الجنرال الذي أنهكته السلطة وأضاعته الطرق، حتى صار تائهاً بين أمجاد يتوهمها وواقع يتداعى من حوله. لم يكن الجنرال هناك مجرد رجل، بل كان استعارة كاملة لوهم القائد الذي يظن أن التاريخ لا يتحرك إلا بإشارته، وأن الشعوب خُلقت لتكون صدى لصوته.
وما أشبه الليلة بالبارحة. ففي السودان دولة الصراعات والحروب، يبدو المشهد وكأن الرواية خرجت من صفحات الأدب إلى خرائط المدن والقرى المحترقة، ومن المجاز والوهم إلى الدم الحقيقي. جنرال يمضي في متاهته الخاصة، متكئاً على حلم تضخم حتى صار وحشاً يلتهم البلاد. وحين يكتسب الحلم أسناناً، لا يعود حلماً، بل يصبح آلة للقتل.
أيّ حلم هذا الذي يحتاج إلى كل هذا الخراب والدمار كي يعيش؟
وأيّ مجد ذاك الذي يُبنى فوق دموع النساء وصرخات الأطفال وجماجم الشيوخ، وعلى أنقاض البيوت، وفي طوابير النزوح الطويلة ومذلة اللجوء الجارحة؟
لقد تعبت البلاد من الجنرالات الذين يتحدثون باسم الوطن بينما الوطن ينزف تحت أقدامهم. تعبت من أولئك الذين يرون السلطة قدراً شخصياً، لا مسؤولية أخلاقية. وكأن السودان لم يعد شعباً من البشر، بل رقعة شطرنج لتحريك الطموحات المؤجلة، وكوابيس الأحلام المرعبة وتصفية الحسابات القديمة مع طفولتهم المعذبة، وإشباع نزعات الهيمنة التي لا ترتوي ولا تشبع.
ما الذي يتعلمه الابن من أبيه حين يكبر في ظلال القوة؟
أيتعلم الحكمة أم القسوة؟
أيتعلم أن الرجال يُعرفون بما يبنون، أم بما يهدمون؟
فالآباء الحقيقيون يورثون أبناءهم الرحمة والكرامة وعزة النفس، ويتركون لهم إرث المروءة وحسن السيرة. أما حين تصبح الوصية هي الدم، فإن الأوطان تتحول إلى مقابر مفتوحة، ويكبر الأبناء وهم يظنون أن السلطة تُنتزع بالسلاح وحده، وأن الشعوب مجرد تفاصيل صغيرة في سيرة القائد الملهم.
لكن التاريخ، في نهاية الأمر، لا يخلّد الذين أشعلوا الحرائق، بل الذين أطفأوها.
وكم هو مؤلم أن يظل بعض القادة أسرى صورة متخيلة لأنفسهم صورة البطل المنقذ، بينما الواقع يراهم سبباً مباشراً في اتساع المأساة وضخامة الكارثة. إن أخطر ما يصيب الجنرال ليس جنون العظمة وحده، بل اقتناعه بأن العالم كله ينبغي أن يدور حول رغبته، وأن البلاد يجب أن تُكسر كي لا يُكسر حلمه.
غير أن الأوطان ليست حقول تجارب لأحلام الجنرالات.
السودان ليس إرثاً عائلياً، ولا جائزة حرب، ولا قصيدة مجد شخصية. السودان شعب يريد أن يعيش فقط أن ينام دون صوت قذيفة أو طنين مسيرة تائهة، أو أصوات تكبير وتهليل يعقبها ذبح وبقر بطون وشرب دماء، وأن يصحو دون خبر مجزرة هنا أو مقتلة هناك، وأن يربي أبناءه بعيداً عن الخوف والجوع والمرض والشتات.
لقد صار السؤال الأخلاقي أكبر من السياسة نفسها، كم روحاً ينبغي أن تُزهق حتى يقتنع الطامحون أن الكرسي لا يساوي وطناً؟
وكم مدينة يجب أن تحترق حتى يدرك الجنرال أن النصر فوق الرماد هزيمة مؤجلة؟
إن أكثر ما يخيف في الحروب ليس الرصاص، بل اعتياد القتلة على صدى الرصاص. حين يصبح الموت رقماً، والنزوح خبراً يومياً، والدم مجرد تفصيل عابر في نشرات الأخبار، تكون الإنسانية نفسها قد دخلت المتاهة.
وربما كانت مأساة الجنرال، في السودان كما في رواية ماركيز، أنه لا يرى النهاية التي يراها الجميع. يواصل السير داخل متاهته، بينما البلاد كلها تصرخ من خلفه:
كفى خوفاً.
كفي تنزيحاً.
كفى تشريداً.
كفى قتلاً.
كفى دماء تُراق باسم الأحلام والأوهام الكبيرة.
فالأوطان لا تُبنى بأحلام تلتهم أصحابها، بل بأحلام تتسع للناس جميعاً. أما آن لك أيها الجنرال التائه في تفاصيل أحلامه أن تصحو من غفوتك الطويلة وتسمع صراخ طفل أضعت وطنه ولقمته وأمانه. أو كما قال الشاعر العراقي المصادم أحمد مطر:
“وانتهى الحلم هنا
أيقظتني طرقاتٌ فوق بابي
افتح الباب لنا يا ابن (…..)
افتح الباب لنا إن في بيتك حلما خائنا”.
umniaissa@hotmail.com
الصادق
