تأمُلات
كمال الهِدَي
أرى أن البعض يتعمدون إيهام الناس بروايات لا علاقة لها بالحقيقة، ومن ذلك التوسع في توزيع تهمة الخيانة الوطنية على نحو لا يستند إلى منطق أو واقع.
فحين تسمع ناشطاً أو شيخاً أو كاتباً يتحدث عن مطربين خانوا وطنهم فقط لأنهم أحيوا حفلاً في الإمارات، غالباً ما يكون الهدف إحداث الصدمة ودفع العاطفيين لاتخاذ موقفٍ معادٍ لهؤلاء المطربين أو المواطنين. فهم يراهنون على أن كثيرين يتعاملون مع ما يسمعونه أو يقرؤونه باعتباره من المسلمات.
لست من معجبي أي من المطربين الأربعة الذين نُتابع الضجيج المُثار حول مشاركتهم في حفل أُقيم بدولة الإمارات، كما أنني لست من أنصار أن “تطبل” لأي بلد بينه وبين وطنك الأصلي مشكلة.
لكن من يستمع إلى حديث الكثيرين عن خيانة الوطن والاستخفاف بدماء من رحلوا خلال الحرب الحالية، يظن أن حكومتنا أغلقت جميع قنوات التواصل مع الإمارات وقطعت علاقتها بها.
المُحير أن من يصدقون مثل هذا الكلام يعلمون جيداً أن ذلك لم يحدث، وأن جبريل، وزير المالية قال بملء فمه إنهم مستمرون في تصدير الذهب إلى الإمارات. كما أن أكبر مؤسسة مصرفية إماراتية لا تزال تعمل في السودان. كما لم تُسحب من الإمارات استثمارات كثيرين ممن يهاجمونها في العلن.
ويرى السودانيون كل يوم أفواج العائدين إلى “حضن الوطن” من قادة المليشيا التي صنعوها بأيديهم ليفسحوا المجال للإمارات أو غيرها لدعمها، وهم، أي هؤلاء القادة، كانوا حتى الأمس القريب ألد الأعداء – على الورق – فلماذا تحرضون المواطنين العاديين على مقاطعة دولة تحتفظ حكومتنا معها بعلاقات رسمية؟ أي دفن للرؤوس في الرمال هذا، يا قوم؟!
قبل أن ينجر أي عاقل وراء معاداة من غنوا في الإمارات، عليه أن يسأل: كيف تحافظ دولة على علاقات اقتصادية بهذا الحجم مع من يسمونها في الإعلام “دويلة الشر”، وفي الوقت ذاته يشن البعض هجوماً لا هوادة فيه على مواطنٍ يسافر إليها أو مطربٍ يغني فيها ويوصف بالخائن؟
اتقوا الله يا قوم، فإن خدعتم الناس بمثل هذه الخطب العاطفية، فلن تستطيعوا خداع خالقكم. فهو سبحانه يعلم ما تُخفون وما تُعلنون، ولا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء.
بدلاً من اتهام هؤلاء المطربين بخيانة الوطن، لو قيل لنا أن المشاركة في حفلات باذخة في توقيت يعاني فيه أهلهم ويلات الحرب ليس مقبولاً من مطربين يُفترض أن يحسوا بأوجاع الناس، لصفقنا لهم، ولو انصبّ النقد على حفلات طه سليمان وغنائه إلى جانب فتيات عاريات في مشهد ما كان فيما مضى يشبه قيمنا ولا صورتنا كسودانيين، لما اعترضنا، بل لقلنا له: اتق الله في نفسك يا طه، فالابتذال ليس فناً.
أما أن يُكثف الحديث عن “خيانة الوطن” وتوزع الاتهامات جزافاً ، فذلك ليس سوى تضليلٍ للبسطاء، واستدرارٍ للعواطف بصورة لا تخدم الحقيقة ولا القضية.
الحرب اللعينة شرٌ مستطير، ومع علمنا بأهدافها، نسأل المولى عز وجل أن يرينا قدرته في وقفها، وأن يعيد إلى بلدنا أمنه واستقراره.
وكلمة أخيرة، لابد لنا، كسودانيين من أن نستخدم عقولنا التي وهبنا الله إياها، لنفكر بها، لا أن ننجرف وراء ما يردده هذا الشخص أو تلك المجموعة لمجرد أن أصواتهم عالية، وأن نكف عن تقديم المبررات والأعذار الواهية لكل من يخطئ في حقنا كشعب.
فمن يناصر الحاكم يبحث له عن الأعذار، ومن يؤيد مجموعة معارضة يستند في دفاعه عنها إلى ما يسمعه من عبارات رنانة، أو يقرؤه في بيانات وإعلانات طالما طالعنا مثلها دون أن ينفذ منها شيء عندما تحين لحظة التنفيذ.
وعموماً، ليس هناك بلد تطور في عالمنا دون أن يكون لشعبه دورٌ فاعل، ولم نسمع بأمةٍ انطلقت إلى الأمام على أكتاف شخص أو مجموعة محددة، بينما الغالبية تعطل عقولها وتغط في سباتٍ ذهني تام.
kamalalhidai@hotmail.com
