في المسكوت عنه
( الي كل من عاني من التعنيف الأسري ولفظ رحم الأمومة )
محمد عبد المنعم صالح
mmoniem855@gmail.com
أجد عقوق الوالدين لأبنائهم أكثر بشاعة وأفدح جرما من عقوق الأبناء لوالديهم ! سواء كانت أمومة ( بايلوجية / ام غيرها) فما أبشع أن تلفظ الأرض ساكنيها وترمي بهم بعيدا عن ثراها الذي تكونوا داخله ونشأوا في حماه !! وما أقسى تحول خصوبة خواص الأمومة في الغالب وثرائها إلى تصحر وجفاف لا يعبأ بالبذور الصغيرة وهي تستجدي قطرة حب أو نفحة حنان ! وما أبشع سياط العنف وهي تجلد مراحل أعمارهم لتحيل حياتهم إلى جحيم لا يطاق وإلى كابوس ممض بلا نهاية ! وأي تشوه في الوجدان وخلل في النفوس من الممكن أن يتولد من قسوة أرحام الأقدار ، ومن جدب مشاعر الأمومة ؟! وهل يمكن لمن يجابه بكل هذه القسوة من منبع يفترض أنهن منبعا للحنان والحب أن يثق بالحياة أو يأمن جانبها ؟! وهل يمكن أن يستوي إنسانا متوازنا قادرا على مجابهة مصاعب الحياة وأنوائها من يجابه بهذا العنف والقسوة من الأم نفسها ؟!
أتوقف كثيرا أمام عقوق الوالدين لأبنائهم لأنه قبل كل شيء يخالف الفطرة البشرية التي جبلت على مشاعر وعواطف جياشة نحو الأبناء .. مشاعر تتدفق وتنهمر دون توقف للسؤال ودون انتظار لمقابل ، ليست ثمار للإحساس بالواجب بقدر ما هي بل هي نتاج لحب صاف عار من الأنانية ومتجرد من الذاتية يدفع الوالدين للحدب على أبنائهم ورعايتهم وإحاطتهم بجناحي الحب والرفق والرحمة ، وتتبع خطى مسيرتهم وتفاصيل حياتهم وتعهد شؤونهم الصغيرة منها والكبيرة ! وفي هذا السياق كلنا يعلم رد سيدنا عمر بن الخطاب لأم جاءت شاكية له عن إبنها فكان رده “(( لقد عققتيه فقاكِ”)) ..
بعد مقالي الاخير عن ذات السياق حاورني أحد القراء علي واتساب يستنكر فيها عرض هذه الحالات الفاجعة لوعيه الإنساني على حد تعبيره ، وقد اتهم الإعلام أنه يضخم من هذه الحالات الفردية طلبا للفرقعة والإثارة وحبا في الفضائحية! وأكد أن إظهار المخبوء وكشف المستور في حالات التعنيف الأسري الصادر من قبل الام أو أحد أفراد العائلة ، يسيء إلى سمعة مجتمعنا السوداني وينتهك قدسيته ويحول الحالات الفريدة إلى ظواهر ويساعد على انتشار هذه الحالات ؟! فالمجتمع السوداني على حد زعمه مجتمع بريء لم تصله بعد المفاسد الموجودة في المجتمعات الأخرى وأن تسليط الضوء على مشكلة ما سيساهم في انتشارها واستشرائها ! ولكن الحقيقة تقول أن مجتمعنا السوداني مجتمع بشري تعتريه الأمراض الاجتماعية والمفاسد الأخلاقية التي تعتري المجتمعات البشرية الأخرى، و لم يكن يوما مجتمعنا بريئا من هذه المشكلات خاصة الأسر التي صاهرت من الخارج !؟ ولكن التعتيم والسرية الشديدة التي كان يخضع لها الخطاب الاجتماعي والأخلاقي ساهمت في إحكام لجام الصمت والسقوط في بؤرة الإنكار والتعامي والسكوت المطبق !! وأنا هنا أتساءل هل إنكار وجود المرض رغم بشاعته سيقودنا للشفاء والقضاء على مسبباته ودواعي ظهوره ؟ ! وهل قضى الصمت والتعتيم الذي انتهجناه لفترة طويلة على تلك المشكلات أم أنه ساهم مع أسباب أخرى إلى زيادة انتشارها ؟!
نحتاج إلى دراسات اجتماعية وافية لهذه الحالات حتى لا تتحول إلى ظواهر تؤثر على النسيج الاجتماعي في بلادنا ، كما نحتاج إلى إحصائيات وأرقام ومعلومات موثقة تساعد الباحثين الاجتماعيين والكتاب عندما يتناولون هذه المشكلات بالدراسة والتحليل والتشريح كي يصلوا إلى حلول تساعد في القضاء عليها .
وقبل كل شيء نحتاج إلى تنصيص قانوني يحاسب ويساءل الأمهات ومن يليهم علي سلم التراتبية الأسرية عندما يسيئون استخدام سلطة الأمومة أو أخت كبيرة أو .. أو .. .
ففي ثقافة يخفت فيها صوت الفرد لحساب الجماعة ويتم تجريد المختلفين أو الذين يسعو علي الحفاظ علي أنواتهم من مصادرة حقوقهم ، نجد أن هنلك موازي لذلك تحاط فيها السلطة (ام،اخت ،أخ..) البطرياركية بجدار مانع من القداسة وعدم القدرة على مجرد المساءلة .. لا بد أن يشعر بعض مرضى النفوس من الأخوات أو أخوان علي وجهي الخصوص أن من يليهم ليسو عبيدا مملوكون لهم !!
ضحايا العنف الأسري الذين تلفظهم الأرحام وتتنكر لهم مشاعر الأمومة وإستغلال سلطة التراتبية الأسرية يستصرخوننا مطالبين بنزع القدسية في أقل تقدير عن تسلط التراتبية الاسرية من بعد أم & أب ويبحثون عن حماية قانونية من ظلم ذوي القربي .. فهل من مجيب ؟!
غدا نواصل ،،،،
mmoniem855@gmail.com
