أواب عزام البوشي
أعلن “تحالف تأسيس ” بدء امتحانات الشهادة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في خطوة أثارت جدلاً واسعاً بشأن مستقبل العملية التعليمية في السودان، ومخاطر انتقال الانقسام العسكري والسياسي إلى واحد من أهم القطاعات الوطنية وأكثرها حساسية : قطاع التعليم.
لكن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم ليس من نظم الامتحانات الموازية، وإنما من أوصل البلاد إلى مرحلة أصبح فيها آلاف الطلاب محرومين من حقهم الأساسي في الجلوس للامتحانات؟
منذ اندلاع الحرب ظلت حكومة بورتسودان تراهن على الخيار العسكري وتؤجل الوصول إلى تسوية سياسية شاملة يمكن أن تضع حداً لمعاناة السودانيين. كما ساهم ارتباط قراراتها بحسابات القوى المتشددة وفلول المؤتمر الوطني في تعقيد فرص السلام وإطالة أمد الأزمة، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على حياة المواطنين ومستقبل أبنائهم.
وفي خضم هذا الواقع، أصرت سلطات بورسودان رغم الرفض من لجنة المعلمين على إجراء الامتحانات في المناطق الواقعة تحت سيطرتها فقط، رغم وجود عشرات الآلاف من الطلاب في دارفور ومناطق أخرى خارج نطاق نفوذها. وبدلاً من البحث عن ترتيبات استثنائية تضمن حق جميع الطلاب في التعليم، جرى التعامل مع الامتحانات باعتبارها شأناً مرتبطاً بخريطة السيطرة العسكرية، وهو ما حرم آلاف الأسر من حق أبنائها في مواصلة مسيرتهم التعليمية.
ومن هنا جاءت خطوة “حكومة تأسيس” بإعلان امتحانات في مناطق سيطرتها. فهذه الخطوة، بغض النظر عن المواقف السياسية منها، لم تنشئ الأزمة من العدم، بل جاءت نتيجة مباشرة لفراغ تعليمي وسياسي قائم بالفعل. فعندما تعجز الدولة عن تقديم خدمة أساسية لمواطنيها، تظهر بدائل تحاول ملء ذلك الفراغ، سواء حظيت بالقبول أو أثارت الجدل.
غير أن الخطر الحقيقي لا يكمن في الامتحانات نفسها، بل في ما تعكسه من واقع جديد. فالتعليم ظل لعقود أحد أهم أدوات الحفاظ على وحدة الدولة والهوية الوطنية، وعندما يصبح لكل منطقة امتحانها الخاص ومؤسساتها التعليمية المختلفة، فإن البلاد تبدأ في السير نحو انقسام مؤسسي قد يكون من الصعب التراجع عنه مستقبلاً.
ويقدم التاريخ نماذج واضحة ينبغي التوقف عندها. ففي جنوب السودان لم يبدأ الانفصال باستفتاء عام 2011، بل سبقته سنوات طويلة من الحرب والاستقطاب والانقسام الإداري. وخلال تلك السنوات نشأت مؤسسات موازية في مناطق سيطرة الحركة الشعبية، شملت الإدارة والتعليم والخدمات العامة، حتى أصبح هناك واقع مختلف على الأرض انتهى لاحقاً إلى الانفصال الرسمي.
والأمر نفسه يمكن ملاحظته في تجربة صوماليلاند. فبعد انهيار الدولة الصومالية مطلع تسعينيات القرن الماضي، شرعت سلطات الإقليم في بناء مؤسساتها الخاصة، بما في ذلك النظام التعليمي والمناهج والامتحانات والشهادات المستقلة. ومع مرور الوقت تحول ذلك الواقع إلى كيان منفصل بحكم الأمر الواقع.
إن الدرس الذي تقدمه هاتان التجربتان واضح للغاية : الانفصال لا يبدأ بإعلان سياسي مفاجئ أو برفع علم جديد، وإنما يبدأ عندما تتوقف المؤسسات الوطنية عن خدمة جميع المواطنين بصورة متساوية، وعندما يشعر جزء من المواطنين بأن عليهم إنشاء مؤسسات بديلة للحصول على حقوقهم الأساسية.
واليوم يقف السودان أمام لحظة فارقة. فإما أن يتم التعامل مع التعليم باعتباره حقاً وطنياً لا يخضع لحسابات الحرب والسياسة، وإما أن تستمر حالة الانقسام التي تدفع البلاد نحو مزيد من التشظي. وما يحدث في دارفور اليوم ينبغي النظر إليه بوصفه جرس إنذار مبكراً، لأن الدول لا تتفكك دفعة واحدة، بل تبدأ بالتصدع في مؤسساتها، وغالباً ما تكون المدارس وقاعات الامتحانات من أولى الشقوق التي تظهر على جدار الدولة.
awabazzam456@gmail.com
