بقلم: أمين الجاك عامر – المحامي
أثناء مشاهدتي يوم الجمعة الماضية للمباراة التي جمعت بين منتخب الولايات المتحدة الأمريكية ونظيره المنتخب الأسترالي في كأس العالم 2026م، والتي أقيمت على ملعب “لومن فيلد”،لفت انتباهي المشهد الذي أصيب فيه حكم الساحة فيليكس تسفاير خلال الوقت بدل الضائع، وسقط أرضاً.
ولأجل إسعافه سريعاً حتى يتمكن من إكمال المباراة، تدخلت إحدى المسعفات وقدمت له مشروب الطاقة، وبعد أن تناول جرعة من هذا المشروب السحري عاد لمواصلة ما تبقى من زمن المباراة، ثم أطلق من منتصف الملعب صافرة النهاية معلناً فوز المنتخب الأمريكي، الذي تصدر مجموعته.
وأمام هذه المشاهد الخلابة التي نقلتها الطائرات المسيّرة (الدرون) وأحدث الكاميرات، عادت بي الذاكرة إلى أيام زمان، إلى روعة وجمال الكرة السودانية حتى منتصف السبعينات، وإلى تلك المباريات واللاعبين الذين لم يجدوا حظهم من التصوير والتوثيق، ولم يعرفوا مشروبات الطاقة، واكتفوا بعد المباريات بشراب موية الليمون الباردة.
تذكرت في تلك اللحظات دافوري العصر الذي كان يُلعب طوال أيام السنة؛ صيفاً وشتاءً وخريفاً، وبعد توقف الأمطار وجفاف الأرض بالقدر الذي يسمح بممارسة اللعب.
كانت الكرة آنذاك كُرَب شراب مصنوعة من أجود أنواع الشروابات التي تنتجها المصانع الإنجليزية، وكنا نفضل تلك الشروابات التي كانت تُمنح مجاناً لطلاب المدارس الثانوية أثناء فترة الكديت، وهو التدريب العسكري الذي كان جزءاً من حياة المدارس الثانوية في ذلك الزمن.
وفي ميدان نادي الرابطة الترابي بمدني كان هناك واحد من أجمل وأقوى دافوريات العصر. كان نجومه من العاملين في المنطقة الصناعية بمدني، وفي نهاية الدوام، وبدلاً من الذهاب إلى منازلهم، كانوا يأتون راجلين من المنطقة الصناعية إلى الملعب مباشرة، وبذات ملابس العمل، يدخلون الملعب ليقدموا أروع وأقوى فنون كرة القدم.
لم تكن تلك المباريات بحثاً عن شهرة أو مال،وإنما كانت للنشاط،وتجديد الدم، واكتساب اللياقة والقوة البدنية.
ومع بداية حلول الظلام تنتهي المباراة، ويذهب اللاعبون إلى منازلهم للاستحمام وتناول الطعام وأخذ قسط من الراحة، ثم قد يخرجون بعد ذلك في مجموعات سيراً على الأقدام لحضور الدور الثاني في سينما الخواجة، وتناول الباسطة والحليب من محلات سنترال أو بساس.
وقد يمتد الليل بعد ذلك بحضور حفل غنائي في مناسبة عرس بالمدينة حتى الساعات الأخيرة من الليل، وفي الصباح الباكر يعودون إلى أعمالهم الشاقة بكل جد ونشاط.
كانت لنا أيام… كما قال الشاعر حسين بازرعة في أغنية الوكر المهجور التي تغنى بها الفنان عثمان حسين:
كانت لنا أيام… في قلبي ذكراها
ما زلت أطرها… يا ليتنا عدنا
أو عادت الأيام
نعم… كانت أياماً مضت، لكنها بقيت في الذاكرة أجمل من كل صور العصر الحديث
aminoo.1961@gmail.com
