إبراهيم البدوي عبد الساتر
المقدمة
يمثل الانهيار الأخير للجنيه السوداني واحدة من أكثر حالات تدهور العملة حدةً في التاريخ الاقتصادي الحديث للسودان. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ارتفع سعر الصرف في السوق الموازية من نحو 600 جنيه سوداني للدولار الأمريكي إلى أكثر من 5000 جنيه للدولار فى يونيو 2026، في الوقت الذي تسارعت فيه معدلات التضخم، وتعطلت الأنشطة المصرفية، وتدهورت الثقة في العملة الوطنية بصورة حادة.
ويماثل هذا التدهور الحاد تجارب عدد من الدول التي شهدت حروباً أهلية أو انهيارات سياسية ممتدة. ففي سوريا، تراجع سعر صرف الليرة السورية من نحو 47 – 50 ليرة للدولار قبل اندلاع الحرب عام 2011 إلى أكثر من 10,000 ليرة للدولار بعد أكثر من عقد من الصراع. وقد ارتبط هذا الانهيار بفقدان عائدات النفط، والعقوبات الاقتصادية، وتراجع الصادرات، وتآكل الثقة في المؤسسات المالية والنقدية. وفي لبنان، الذي شهد انهياراً اقتصادياً عميقاً وإن لم يكن حرباً أهلية شاملة، تدهورت الليرة اللبنانية من السعر الرسمي البالغ 1,507 ليرات للدولار إلى أكثر من 100 ألف ليرة للدولار في السوق الموازية خلال الأزمة المالية التي بدأت عام 2019، نتيجة فقدان الثقة في النظام المصرفي وتوقف تدفقات رؤوس الأموال. أما في جنوب السودان، فقد أدت الحرب الأهلية والصراعات السياسية المتكررة منذ الاستقلال إلى انهيارات متعاقبة في قيمة الجنيه الجنوب سوداني وارتفاع معدلات التضخم، في ظل الاعتماد المفرط على النفط وضعف المؤسسات الاقتصادية.
توفر تجربة جمهورية الكونغو الديمقراطية مثالاً أكثر قرباً للحالة السودانية. فمع اندلاع الحرب الكونغولية الثانية عام 1998، دخل الاقتصاد في دوامة من الانهيار النقدي والمالي. وكانت الحكومة تمول جانباً كبيراً من الإنفاق العسكري عبر الإصدار النقدي، بينما تعطلت الأنشطة الإنتاجية وتدهورت الإيرادات العامة وازدادت حالة عدم اليقين السياسي. وقد أدى ذلك إلى تسارع التضخم وانهيار قيمة الفرنك الكونغولي بصورة حادة. وتشير التقديرات إلى أن العملة التي أُعيد إصدارها عام 1998 فقدت معظم قيمتها خلال السنوات الأولى للحرب، حيث ارتفع سعر الدولار من نحو 1.4 فرنك كونغولي في منتصف عام 1998 إلى أكثر من 300 فرنك للدولار بحلول عام 2001، ثم إلى نحو 375 فرنكاً في عام 2003. كما بلغ التضخم نحو 511% في عام 2000 قبل أن يبدأ الاستقرار التدريجي بعد تبني إصلاحات اقتصادية ونقدية واسعة في عام 2001. وقد ارتبط هذا الانهيار أيضاً بانتشار الدولرة، حيث أصبح الدولار الأمريكي وسيلة الادخار والتسعير الرئيسية في أجزاء واسعة من الاقتصاد الكونغولي.
رغماً عن أن الحرب تمثل الجزء الأبرز فى تفسير هذه الأزمة. إلا أنه يجب النظر إلى انهيار سعر الصرف باعتباره المحصلة النهائية لسلسلة من الصدمات السياسية والاقتصادية المترابطة. فقد بدأت المرحلة الأولى بالاختلالات الحادة في الاقتصاد الكلي التي تراكمت نتيجة عقود من سوء الإدارة الاقتصادية فى عهد نظام الإنقاذ المباد، خاصة بعد تقسيم البلاد وفقدان معظم الثروة النفطية فى ظل تدهور الصادرات الزراعة، الأمر الذى شكل اقصى أنواع صدمات ما يسمى فى أدبيات الاقتصاد الدولى ب “التوقوف المفاجئ”، رغماً عن أن تبعات تقسيم البلاد الاقتصادية لم تكن مفاجئة بأى حال من الأحوال لولا استهتار وجهل ذلك النظام الكليبتوقراطى الفاسد(1). أما المرحلة الثانية، فقد تميزت بجهود تحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي التي نفذتها حكومة الفترة الانتقالية المنبثقة عن ثورة ديسمبر (سبتمبر 2019 – أكتوبر 2021)، والتي نجحت في نهاية المطاف في القضاء على السوق الموازية للنقد الأجنبي وتوحيد سعر الصرف.
وجاءت المرحلة الثالثة عقب الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021، الذي أوقف مسار الإصلاح الاقتصادي، وأدى إلى تعليق الدعم الخارجي، وأحدث تدهوراً حاداً في ثقة الجمهور والمستثمرين. أما المرحلة الرابعة والأكثر تدميراً، فقد بدأت مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، والتي أدت إلى انهيار الإنتاج، وتعطيل الصادرات، وتدمير البنية التحتية المالية، وتسارع الجمهور إلى التخلص من الجنيه وإقتناء العملات الأجنبية الصعبة – أى تسارع وتيرة “دولرة” الاقتصاد السودانى.
وكانت النتيجة ما يمكن وصفه بـ”العاصفة الكاملة” (perfect storm)، حيث تحركت تقريباً جميع محددات سعر الصرف في الاتجاه الخاطئ وبصورة متزامنة.
لماذا يصعب فهم اقتصاد سعر الصرف؟
يمكن القول إن سعر الصرف هو أهم سعر نسبي في أي اقتصاد. فهو يؤثر في معدلات التضخم، والصادرات، والواردات، والاستثمار، والمالية العامة، ومستويات رفاه الأسر. ومع ذلك، كثيراً ما يُساء فهم اقتصاديات سعر الصرف، لأن هذا السعر يتحدد في آنٍ واحد من خلال أوضاع الأسواق المالية وأسواق التجارة الخارجية. ويميز الاقتصاديون بين سعر الصرف الاسمي وسعر الصرف الحقيقي.
سعر الصرف الاسمي: يشير سعر الصرف الاسمي إلى سعر العملة الأجنبية مقوماً بالعملة المحلية، مثل عدد الجنيهات السودانية اللازمة لشراء دولار أمريكي واحد.
سعر الصرف الحقيقي: أما سعر الصرف الحقيقي (Real Exchange Rate – RER)، فيقيس السعر النسبي للسلع والخدمات المحلية مقارنةً بنظيراتها في الدول الشريكة تجارياً، بعد أخذ الفروق في مستويات الأسعار (التضخم) في الاعتبار. ولذلك فإنه يمثل مؤشراً على القدرة التنافسية الدولية للاقتصاد، وليس مجرد سعر للعملة الأجنبية. ويجيب سعر الصرف الحقيقي عن سؤال بسيط: إلى أي مدى تكون السلع والخدمات المحلية مرتفعة أو منخفضة السعر مقارنةً بالسلع والخدمات الأجنبية؟
• إذا ارتفع سعر الصرف الحقيقي (أي حدث انخفاض حقيقي في قيمة العملة)، تصبح السلع المحلية أرخص نسبياً مقارنة بالسلع الأجنبية، مما يعزز القدرة التنافسية للصادرات ويشجع على إحلال الواردات.
• وإذا انخفض سعر الصرف الحقيقي (أي حدث ارتفاع حقيقي في قيمة العملة)، تصبح السلع المحلية أكثر تكلفة مقارنة بالسلع الأجنبية، مما يضعف القدرة التنافسية ويشجع على زيادة الواردات.
سعر الصرف الحقيقي مقابل سعر الصرف الاسمي: من الأفكار الأساسية في اقتصاديات سعر الصرف أن الانخفاض الكبير في سعر الصرف الاسمي لا يعني بالضرورة تحسناً مماثلاً في القدرة التنافسية. فإذا افترضنا مثلاً أن:
• سعر الصرف الاسمي انخفض بنسبة 50%؛
• وفي الوقت نفسه ارتفعت الأسعار المحلية بنسبة 50%؛
فإن جزءاً كبيراً من المكاسب التنافسية الناتجة عن انخفاض العملة سوف يتلاشى، لأن التضخم المحلي يعوض أثر انخفاض سعر الصرف الاسمي. وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة في الحالة السودانية، حيث ترافقت فترات الانخفاض الحاد في سعر الصرف الاسمي مع معدلات تضخم مرتفعة للغاية. ونتيجة لذلك، كان الانخفاض الحقيقي في قيمة العملة أقل بكثير من الانخفاض الاسمي في كثير من الأحيان، الأمر الذى يجعل سياسة تخفيض سعر الصرف الإسمى غير ذات جدوى بالنظر إلى عدم شمول تجارب الإصلاح الاقتصادى بحيث يتم إحتواء الضغوط التضخمية المصاحبة لتصحيح السعر الإسمى.
نظم أسعار الصرف: كذلك تختلف نظم أسعار الصرف بين: نظام سعر الصرف الثابت؛ نظام سعر الصرف المُدار؛ نظام سعر الصرف العائم الحر. ويفرض كل نظام من هذه النظم متطلبات مختلفة على السياسة المالية والسياسة النقدية وإدارة الاحتياطيات الأجنبية. تختلف نظم أسعار الصرف في درجة المرونة التي تمنحها للسوق وفي المتطلبات التي تفرضها على السياسات الاقتصادية الكلية، ولا سيما السياسة المالية والسياسة النقدية وإدارة الاحتياطيات الأجنبية. فنجاح أي نظام لسعر الصرف لا يعتمد فقط على القواعد التي تحكم تحديد السعر، وإنما أيضاً على مدى اتساقه مع الأسس الاقتصادية والمؤسسية للدولة. ولهذا السبب لا تعتبر الأدبيات الاقتصادية أن هناك نظاماً مثالياً يصلح لجميع البلدان والظروف، بل ترى أن ملاءمة النظام تتوقف على طبيعة الاقتصاد ودرجة انفتاحه ومستوى تطور مؤسساته النقدية والمالية.
في ظل نظام سعر الصرف الثابت، تلتزم السلطات النقدية بالحفاظ على قيمة العملة المحلية عند مستوى محدد أو ضمن هامش ضيق مقابل عملة أجنبية أو سلة من العملات. ويتطلب هذا النظام انضباطاً مالياً صارماً، لأن العجز المالي المرتفع الممول عن طريق الإصدار النقدي يؤدي إلى زيادة الطلب على الواردات والنقد الأجنبي ويضع ضغوطاً مستمرة على سعر الصرف. كما يتطلب سياسة نقدية مقيدة نسبياً، إذ يفقد البنك المركزي جزءاً مهماً من استقلاليته لأن هدفه الرئيسي يصبح الدفاع عن سعر الصرف المعلن. ويحتاج هذا النظام كذلك إلى احتياطيات كبيرة من النقد الأجنبي تسمح للسلطات بالتدخل في السوق وبيع العملات الأجنبية عند ارتفاع الطلب عليها. ولهذا السبب نجحت نظم الربط الثابت في دول تتمتع باحتياطيات وفوائض خارجية كبيرة، مثل دول مجلس التعاون الخليجي، بينما واجهت صعوبات كبيرة في بلدان تعاني من عجز مالي وضعف في الاحتياطيات.
أما نظام سعر الصرف المُدار، وهو الأكثر انتشاراً في الاقتصادات النامية والناشئة، فيقوم على ترك سعر الصرف يتحدد في السوق بصورة عامة مع احتفاظ البنك المركزي بحق التدخل للحد من التقلبات الحادة أو المضاربات المفرطة. ويمنح هذا النظام السلطات قدراً أكبر من المرونة مقارنة بالنظام الثابت، كما يسمح للبنك المركزي بالاحتفاظ بدرجة معقولة من الاستقلال في إدارة السياسة النقدية ومكافحة التضخم. ومع ذلك، فإنه لا يعفي الدولة من ضرورة المحافظة على أوضاع مالية مستقرة واحتياطيات أجنبية معقولة تمكنها من التدخل عند الضرورة. وتعتبر الأدبيات الحديثة هذا النظام أكثر قدرة على استيعاب الصدمات الخارجية، مثل تقلب أسعار الصادرات أو خروج رؤوس الأموال، لأنه يسمح لسعر الصرف بالتكيف تدريجياً مع المتغيرات الاقتصادية.
أما نظام سعر الصرف العائم الحر، فيترك تحديد سعر الصرف بالكامل تقريباً لقوى العرض والطلب في سوق النقد الأجنبي، مع الحد الأدنى من تدخل السلطات النقدية. وفي هذا النظام يصبح سعر الفائدة الأداة الرئيسية للسياسة النقدية، ويكتسب البنك المركزي قدراً كبيراً من الاستقلال في إدارة التضخم وتحقيق الاستقرار الاقتصادي. غير أن نجاح هذا النظام يتطلب وجود مؤسسات نقدية ذات مصداقية عالية وأسواق مالية متطورة واقتصاداً قادراً على تحمل تقلبات سعر الصرف. كما يفترض قدراً كبيراً من الانضباط المالي، لأن الأسواق المالية تستجيب بسرعة لأي اختلالات مالية أو نقدية من خلال تخفيض قيمة العملة. ولهذا السبب ينتشر نظام التعويم الحر بصورة رئيسية في الاقتصادات المتقدمة مثل الولايات المتحدة وكندا والمملكة المتحدة وأستراليا.
وتؤكد الأدبيات الحديثة في الاقتصاد الدولي أن الاختيار بين هذه النظم يخضع لما يعرف بمبدأ “الثالوث المستحيل” أو “المعضلة الثلاثية”، والذي يفيد بأن الدولة لا تستطيع في الوقت نفسه أن تجمع بين سعر صرف ثابت، وحرية كاملة لحركة رؤوس الأموال، واستقلال كامل للسياسة النقدية. فإذا اختارت تثبيت سعر الصرف وسمحت بحرية حركة رؤوس الأموال، فإنها تفقد قدرتها على إدارة السياسة النقدية بصورة مستقلة. وإذا أرادت الحفاظ على استقلال السياسة النقدية مع حرية حركة رؤوس الأموال، فإنها تضطر إلى قبول قدر أكبر من مرونة سعر الصرف.
وفي حالة السودان، تشير التجربة التاريخية إلى أن المشكلة لم تكن في اختيار نظام سعر الصرف بحد ذاته بقدر ما كانت في غياب الشروط الأساسية اللازمة لنجاح أي نظام. فقد أدت العجوزات المالية المزمنة، والاعتماد على التمويل بالعجز، وضعف الاحتياطيات الأجنبية، والحروب المتكررة، وتآكل الثقة في المؤسسات، وضعف القاعدة التصديرية، إلى تقويض فعالية مختلف نظم أسعار الصرف التي جُربت خلال العقود الماضية. ولذلك فإن الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة السودانية هو أن استقرار سعر الصرف لا يمكن تحقيقه من خلال السياسة النقدية وحدها، وإنما يتطلب مزيجاً من الانضباط المالي، والسياسات النقدية الرشيدة، وتعزيز الصادرات، واستعادة الثقة في الاقتصاد ومؤسسات الدولة. وفي ضوء هذه الاعتبارات، أرى أن نظام سعر الصرف المُدار المرن قد يكون الخيار الأكثر ملاءمة للسودان في مرحلة ما بعد الحرب، لأنه يوازن بين الحاجة إلى المرونة في مواجهة الصدمات الخارجية والحاجة إلى الحد من التقلبات الحادة في سوق النقد الأجنبي.
بغض النظر عن نظام سعر الصرف المعتمد، تندرج محددات سعر الصرف فى مجموعتين رئيسيتين من العوامل:
أولاً: محددات حساب التجارة الخارجية: وتشمل العوامل الأساسية طويلة الأجل المرتبطة بالتجارة الخارجية، مثل: الصادرات؛ الواردات؛ الإنتاجية؛ والقدرة التنافسية الدولية.
ثانياً: محددات حساب المحافظ الاستثمارية: وتتمثل في القرارات التي تتخذها الأسر والشركات والمستثمرون بشأن كيفية الاحتفاظ بثرواتهم: هل يحتفظون بها في أصول مقومة بالعملة المحلية أم في أصول أجنبية؟
وبالتالي، فإن فهم أزمة سعر الصرف في السودان يتطلب تحليل هذين البعدين معاً: بعد التجارة الخارجية، وبعد المحافظ الاستثمارية(2).
حساب التجارة الخارجية: الحرب والصادرات وانهيار عرض النقد الأجنبي
كان الأثر الأكثر وضوحاً للحرب هو الانهيار الحاد في حصيلة النقد الأجنبي. فحتى قبل اندلاع الحرب، كان السودان يعاني من عجز هيكلي في الميزان التجاري. إذ كانت البلاد تستورد كميات كبيرة من الغذاء والوقود والأدوية والآلات والمدخلات الوسيطة، بينما تعتمد بصورة كبيرة على قاعدة تصديرية ضيقة تتركز في الذهب والثروة الحيوانية والسمسم والصمغ العربي ومجموعة محدودة من المنتجات الزراعية الأخرى والتى تأثرت كثيراً بتداعيات السياسات الريعية التى أنتهجها نظام الإنقاذ على مدى أكثر من ثلاثة عقود. وقد بدد الإنقلاب والحرب ما تبقى من القاعدة التصديرية التى بدأت تتعافى جراء توحيد سعر الصرف والاصلاح الاقتصادى لحكومة الثورة الانتقالية بصورة عامة. فتضرر الإنتاج الزراعي في معظم المناطق الرئيسة المنتجة، وانكمش النشاط الصناعي بشكل حاد، وأصبحت سلاسل النقل والامداد أقل أمناً، كما ازدادت صعوبة إجراء المعاملات المالية(3). وبذات الوقت، تراجعت الصادرات الرسمية بينما توسعت أنشطة التهريب.
وفي المقابل، ظلت احتياجات الاستيراد مرتفعة. فقد ازدادت المتطلبات الإنسانية، واستمرت الحاجة إلى استيراد الوقود، كما أدت النفقات العسكرية إلى توليد طلب إضافي على النقد الأجنبي. وكانت النتيجة اتساع الفجوة بين عرض النقد الأجنبي والطلب عليه. ومن منظور حساب التجارة الخارجية، فإن تراجع قيمة الجنيه السوداني يعكس حالة تقليدية من شح النقد الأجنبي.
غير أن هذا التفسير، على أهميته، لا يكفي وحده لفهم الأزمة.
حساب المحافظ الاستثمارية: المحرك الذي يستعصى على الفهم وكثيراً ما يتم تجاهله
على الرغم من أهمية العجز التجاري، فإنه لا يمثل سوى جزء من إشكالية سياسات سعر الصرف. فالنظرية الحديثة لسعر الصرف تؤكد أن أسعار الصرف لا تتحدد فقط في أسواق السلع والتجارة الخارجية، وإنما تتحدد أيضاً في أسواق الأصول المالية. فالأسر والشركات تتخذ باستمرار قرارات بشأن كيفية توزيع ثرواتها بين الأصول المقومة بالعملة المحلية والأصول الأجنبية. وعندما تكون الثقة في المؤسسات الوطنية مرتفعة، يحتفظ المواطنون طواعية بالنقد المحلي، والسندات الحكومية، والودائع المصرفية. أما عندما تنهار الثقة، فإن تفضيلات المحافظ الاستثمارية تتحول نحو الأصول الأجنبية.
وفي الحالة السودانية، دفعت معظم المتغيرات الاقتصادية والسياسية في هذا الاتجاه، ومن أبرزها:
• استمرار معدلات التضخم عند مستويات مرتفعة للغاية؛
• تصاعد حالة عدم اليقين السياسي إلى مستويات غير مسبوقة؛
• تعرض الجهاز المصرفي لاضطرابات واختلالات حادة؛
• استمرار الضغوط الشديدة على المالية العامة للدولة؛
• الغموض الكبير الذي يكتنف آفاق الاستقرار النقدي في المستقبل.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح الاحتفاظ بالجنيه السوداني أقل جاذبية بصورة متزايدة. وقد أدى هذا التحول في تفضيلات المحافظ الاستثمارية إلى انتشار واسع لظاهرة الدولرة وتراكم الأصول الأجنبية. فأصبحت الأسر والتجار والشركات يسعون بصورة متزايدة إلى حماية مدخراتهم وثرواتهم من خلال الاحتفاظ بالدولار الأمريكي أو الريال السعودي أو الدرهم الإماراتي أو الذهب أو الأراضي والعقارات.
وعليه، فإن أزمة سعر الصرف لا تعكس فقط نقصاً في عرض النقد الأجنبي، وإنما تعكس أيضاً انهياراً في الطلب على الجنيه السوداني نفسه. وبعبارة أخرى، فإن جانباً مهماً من أزمة سعر الصرف الراهنة لا يرتبط فقط بعجز البلاد عن كسب ما يكفي من العملات الأجنبية، بل أيضاً بفقدان الثقة في العملة الوطنية بوصفها مخزناً للقيمة وأداةً موثوقةً للاحتفاظ بالثروة.
ما وراء العجز التجاري وهروب رؤوس الأموال: علاوة السوق الموازية كمؤشر للاختلال الاقتصادي الكلي
غير أن الفصل بين حساب التجارة الخارجية وحساب المحافظ الاستثمارية يظل، في نهاية المطاف، تحليلاً تجريدياً. ففي الواقع العملي تتفاعل جميع هذه العوامل في آنٍ واحد، وغالباً ما تنعكس آثارها في مؤشر واحد بالغ الأهمية هو الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف في السوق الموازية، أو ما يعرف بعلاوة السوق الموازية. وقد جادلنا في أعمال سابقة حول الاقتصاد السوداني بأن هذه العلاوة لا تمثل مجرد ظاهرة نقدية أو فرقاً بين سعرين، بل تشكل مؤشراً مركباً لمدى الاتساق بين السياسات الاقتصادية الكلية ونظام سعر الصرف. فعندما تكون السياسات المالية والنقدية والتجارية وسياسات سعر الصرف منسجمة مع الأساسيات الاقتصادية، تميل هذه العلاوة إلى الانكماش. أما عندما تتفاقم الاختلالات الاقتصادية الكلية، فإنها تتسع بصورة تعكس تراجع الثقة في استدامة السياسات القائمة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في الحالة السودانية، حيث لم تكن السوق الموازية مجرد سوق هامشية للمضاربة، بل أصبحت في كثير من الفترات المصدر الرئيسي لتحديد السعر الحدي للنقد الأجنبي. ففي ظل شح العملات الأجنبية والقيود المفروضة على الحصول عليها عبر القنوات الرسمية، أصبحت قرارات الاستيراد والتسعير والاستثمار تعتمد بصورة متزايدة على سعر السوق الموازية أكثر من اعتمادها على السعر الرسمي. ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى علاوة السوق الموازية باعتبارها مقياساً لثقة المتعاملين في الاقتصاد والسياسات العامة. فكلما اتسعت هذه العلاوة، دل ذلك على تنامي التوقعات بانخفاض قيمة العملة مستقبلاً، أو بارتفاع التضخم، أو بتراجع مصداقية السياسات الاقتصادية. كما تعكس اعتقاد المتعاملين بأن السعر الرسمي لم يعد قابلاً للاستمرار.
وتفسر هذه الرؤية أيضاً محدودية فعالية التدخلات الإدارية التقليدية، مثل حظر بعض الواردات أو فرض قيود على النقد الأجنبي أو تشديد إجراءات الترخيص. فمثل هذه الإجراءات قد تقلص حجم التعاملات الرسمية مؤقتاً، لكنها لا تعالج جذور الاختلال الاقتصادي، بل تدفع عملية التكيف إلى السوق الموازية حيث تظهر الاختلالات في صورة اتساع أكبر للعلاوة. وتؤكد الخبرة الدولية هذه النتيجة. ففي العديد من البلدان التي واجهت أزمات حادة في النقد الأجنبي، مثل غانا في أواخر السبعينيات ونيجيريا خلال فترات مختلفة من الرقابة المشددة على الصرف الأجنبي، لم تؤدِّ قيود الاستيراد والضوابط الإدارية إلى استقرار مستدام لسعر الصرف، بل أسهمت في اتساع الأسواق الموازية، وارتفاع معدلات التهريب، وتنامي فرص الفساد والريع الاقتصادي. ويعود ذلك إلى أن هذه السياسات تستهدف مظاهر الأزمة أكثر مما تستهدف أسبابها الأساسية. فالطلب على العملات الأجنبية لا ينشأ فقط من الواردات الكمالية أو غير الضرورية، بل يرتبط أيضاً باستيراد السلع الأساسية ومدخلات الإنتاج التي يعتمد عليها النشاط الاقتصادي.
وتكتسب هذه الملاحظة أهمية خاصة في الحالة السودانية. فقد أشارت تقديرات القطاع الخاص إلى أن السلع التي شملتها قرارات الحظر الأخيرة لم تكن تمثل سوى نسبة محدودة من إجمالي الواردات، لكنها كانت تساهم بنصيب معتبر من الإيرادات الجمركية والضريبية. وحتى قبل الحرب، فإن تخفيضاً ذو معنى للواردات، غير ممكن، فبحسب بيانات التجارة الخارجية الواردة في إصدارات بنك السودان المركزى للعام 2019 فإن أقصى ما يمكن تحقيقه في هذا المجال هو تخفيض الواردات بحوالي 13.3%، أي ما يعادل 1.3 مليار دولاراً من أصل إجمالى فاتورة الواردات البالغة 9 مليار دولاراً في ذلك العام. لذلك فإن تقليص هذه الواردات قد يؤدي إلى إضعاف الإيرادات العامة في وقت تعاني فيه المالية العامة أصلاً من ضغوط شديدة، الأمر الذي قد يفاقم العجز المالي ويزيد الاعتماد على التمويل التضخمي. كما أن نقص السلع الناتج عن القيود الإدارية قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار المحلية، ومن ثم تعزيز الطلب على العملات الأجنبية والذهب والعقارات بوصفها مخازن بديلة للقيمة. ومن ثم، فإن معالجة أزمة سعر الصرف تقتضي التركيز على محدداتها الأساسية المتمثلة في القدرة التصديرية للاقتصاد، وتدفقات رؤوس الأموال، ومستوى الاحتياطيات الدولية، والانضباط المالي والنقدي، واستعادة الثقة في السياسات الاقتصادية، بدلاً من الاعتماد على إجراءات إدارية مؤقتة كثيراً ما تنتهي إلى توسيع الفجوة بين السوق الرسمية والسوق الموازية.
وعليه، فإن علاوة السوق الموازية لا تعكس الأزمة فحسب، بل تساهم أيضاً في تعميقها. فكلما اتسعت الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي ازدادت الحوافز للتهريب، وتراجعت الصادرات الرسمية، وتحولت التحويلات إلى القنوات غير الرسمية، وتسارعت وتيرة هروب رؤوس الأموال. وهكذا تتحول العلاوة من مجرد عرض للاختلالات الاقتصادية إلى إحدى الآليات التي تنقل هذه الاختلالات إلى بقية الاقتصاد وتفاقم آثارها.
“ليس بعد الحرب ذنب”: ماذ حدث لمحددات سعر الصرف جراء الحرب
قبل الانقلاب، مثّل توحيد سعر الصرف في فبراير 2021 أهم محطة للاستقرار الاقتصادي الكلي في التاريخ السوداني الحديث. فقد نجحت السلطات في توحيد معظم أسعار الصرف عند مستوى يقارب 375 جنيهاً سودانياً للدولار الأمريكي، حيث أن معظم المعاملات كانت تتم داخل نطاق ضيق حول السعر الاسترشادي الذي حدده البنك المركزي. كما انعكست الإصلاحات بصورة إيجابية على أداء القطاع الخارجي؛ إذ ارتفعت الصادرات بنسبة 54% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2021، وانخفضت الواردات بنسبة 17%، وارتفعت التحويلات الرسمية للمغتربين بنحو خمسة أضعاف، كما انتقل الحساب الجاري من عجز كبير في عام 2020 إلى وضع قريب من التوازن أو الفائض في مطلع عام 2021. وتوضح هذه التطورات أن تحسن سعر الصرف قد كان مواكباً لتحسن المصداقية الاقتصادية، وعودة التعاملات إلى القنوات الرسمية، وتوقعات استمرار برنامج الإصلاح.
ومع ذلك، ظلت هذه الإصلاحات هشة بسبب ضعف الاحتياطيات الأجنبية واستمرار الضغوط التضخمية القوية. فقد بلغت الاحتياطيات القابلة للاستخدام نحو 327 مليون دولار فقط بنهاية مارس 2021، وهو ما يعادل 0.4 شهر فقط من الواردات. كما ظل معدل التضخم يتجاوز 300% في مطلع عام 2021. كذلك فإن إستدامة الاستقرار تتطلب تعزيز الإيرادات المحلية، والحد من التمويل بالعجز عبر الإصدار النقدي، إضافة إلى توفير التمويل الخارجي. وبعبارة أخرى، فإن توحيد سعر الصرف نجح في تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، لكنه لم ينجح في استكمال الأسس الهيكلية اللازمة لاستدامة الاستقرار.
وقد أدى انقلاب أكتوبر 2021 إلى تغيير محددات سعر الصرف المرتبطة بحساب المحافظ الاستثمارية. فقد عطل برنامج الإصلاح المدعوم من صندوق النقد الدولي، وأوقف التقدم في مسار مبادرة إعفاء ديون الدول الفقيرة المثقلة بالديون (HIPC)، وأدى إلى تعليق التمويل الخارجي، كما أضعف التوقعات المتعلقة بمصداقية السياسات الاقتصادية مستقبلاً. وعليه، تعرض السودان مرة أخرى بعد إنفصال الجنوب إلى ظاهرة “التوقف المفاجئ” لتدفقات رأس المال. ورغم أن سعر الصرف لم ينهر مباشرة بالحجم الذي شهده لاحقاً أثناء الحرب، فإن توازن المحافظ الاستثمارية تحول بصورة حاسمة ضد الجنيه السوداني، حيث بدأت الأسر والشركات والمستثمرون يفضلون الاحتفاظ بالأصول الأجنبية، بينما تراجعت التحويلات الرسمية والاستثمارات الوافدة.
ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتحول أزمة المصداقية إلى أزمة شاملة في ميزان المدفوعات والنظام النقدي. فعلى صعيد التجارة الخارجية، ألحقت الحرب أضراراً جسيمة بالقطاع الزراعي، وأوقفت جزءاً كبيراً من النشاط الصناعي، وعطلت ممرات النقل، وأدت إلى زيادة تهريب الذهب وإضعاف الصادرات الرسمية. أما الصدمة المرتبطة بحساب المحافظ الاستثمارية فقد كانت بالقدر نفسه من الحدة. فقد أدى تدمير أجزاء واسعة من الجهاز المصرفي وتفككه إلى تشجيع الأسر والشركات على الاحتفاظ بثرواتها بالدولار الأمريكي أو الذهب أو العقارات أو الأصول الموجودة خارج البلاد. وأصبحت الفجوة المتزايدة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازية تعكس ليس فقط شح النقد الأجنبي، وإنما أيضاً الانهيار المتواصل في الطلب على الجنيه السوداني.
وتعزز المؤشرات المالية والنقدية هذا التفسير. فقبل إصلاحات عام 2021، كان التمويل بالعجز عبر الإصدار النقدي أحد أهم أسباب التضخم وتدهور سعر الصرف. فقد بلغ العجز المالي 10.8% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2019، وتم تمويل جانب كبير منه عن طريق التوسع النقدي، الأمر الذي أسهم في ارتفاع سعر الدولار في السوق الموازية من 27 جنيهاً في نهاية عام 2017 إلى 85 جنيهاً بحلول ديسمبر 2019. وكان الهدف الرئيسي للإصلاحات الاقتصادية خلال الفترة الانتقالية هو كسر هذه الحلقة المفرغة. غير أن الحرب أعادت إنتاج الظروف نفسها، حيث أدى انهيار الإيرادات العامة وارتفاع الإنفاق العسكري وتزايد الاحتياجات الطارئة إلى تجدد الاعتماد على التمويل النقدي للعجز. كما أشار البنك الإفريقي للتنمية إلى اتساع العجز المالي مرة أخرى خلال عام 2025 نتيجة ضعف الإيرادات وارتفاع الإنفاق، وما صاحبه من استمرار الضغوط النقدية.
وتكشف هذه الأدلة التجريبية نمطاً واضحاً. فقبل الانقلاب، كان استقرار سعر الصرف ممكناً بفضل تحسن مصداقية السياسات الاقتصادية، وتقلص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي، وعودة التجارة والتحويلات إلى القنوات الرسمية. وبعد الانقلاب، تراجعت المصداقية وتحول توازن المحافظ الاستثمارية ضد الأصول المحلية. أما بعد الحرب، فقد انهارت الركيزتان معاً: انكمش عرض النقد الأجنبي نتيجة تراجع الصادرات وتعطل التحويلات، بينما ارتفع الطلب على العملات الأجنبية بسبب هروب رؤوس الأموال، وانتشار الدولرة، وتمويل الحرب، واللجوء إلى الأصول الأجنبية كملاذ وقائي.
لذلك، لم ينهر الجنيه السوداني لمجرد ارتفاع الواردات. بل انهار لأن الاقتصاد فقد في الوقت نفسه الصادرات والاحتياطيات والتمويل الخارجي والثقة في الجهاز المصرفي والانضباط المالي والمصداقية النقدية. ولهذا السبب، فمن غير المرجح أن تنجح القيود الإدارية على الواردات في تحقيق استقرار مستدام للعملة، لأنها تتعامل مع جانب واحد فقط من الطلب على النقد الأجنبي، بينما تكمن جذور الأزمة في الانهيار المتزامن لحساب التجارة الخارجية، وحساب المحافظ الاستثمارية، والمرتكز المالي-النقدي للاقتصاد.
الخاتمة والتوصيات السياساتية
لعل أهم درس يستخلص من التجربة السودانية خلال السنوات الأخيرة هو أن استقرار سعر الصرف لا يمكن فصله عن استقرار الدولة نفسها. فالتحليل السابق يبين أن الانهيار الحالي للجنيه السوداني لم يكن مجرد نتيجة لارتفاع الواردات أو تراجع الصادرات، بل جاء نتيجة انهيار متزامن في ركائز الاقتصاد الكلي الثلاث: القطاع الخارجي، وحساب المحافظ الاستثمارية، والمرتكز المالي-النقدي. وقد أدى انقلاب أكتوبر 2021 إلى إضعاف مصداقية السياسات الاقتصادية ووقف تدفقات التمويل الخارجي، ثم جاءت الحرب لتقضي على ما تبقى من مقومات الاستقرار عبر تدمير الإنتاج، وتعطيل التجارة والصادرات، وإضعاف الجهاز المصرفي، وتفاقم العجز المالي، وتسريع وتيرة الدولرة وهروب رؤوس الأموال.
ومن ثم، فإن الاستنتاج المركزي للمقال يتمثل في أن إنهاء الحرب ليس مجرد أحد شروط الإصلاح الاقتصادي، بل هو الشرط التأسيسي الذي تتوقف عليه إمكانية أي إصلاح اقتصادي ذي معنى. فطالما استمرت الحرب، ستظل الصادرات مقيدة، والاستثمارات غائبة، والاحتياطيات الأجنبية مستنزفة، والثقة في العملة الوطنية ضعيفة، وسيظل التضخم وسعر الصرف عرضة لضغوط مستمرة. ولذلك فإن الرهان على تحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف، أو كبح جماح التضخم، أو استعادة القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني في ظل استمرار الحرب، يظل رهاناً محدود الواقعية الاقتصادية. بل إن الترويج لإمكانية تحقيق هذه الأهداف دون معالجة السبب الجوهري للأزمة، والمتمثل في استمرار الحرب، ينطوي على قدر كبير من التهافت التحليلي، وقد يسهم في إطالة أمد أوهامٍ سياساتية تصرف الانتباه عن الأولوية الوطنية القصوى المتمثلة في وقف الحرب واستعادة السلام.
ويكتسب هذا الأمر أهمية خاصة لأن تحقيق سعر صرف حقيقي تنافسي ومستدام لا يعتمد فقط على تخفيض قيمة العملة الاسمية، بل يتطلب بيئة اقتصادية مستقرة تسمح بزيادة الإنتاجية وتوسيع الصادرات وجذب الاستثمارات. فالحروب لا تؤدي فقط إلى انخفاض قيمة العملة، بل تقوض أيضاً قدرة الاقتصاد على الاستفادة من أي انخفاض في سعر الصرف من خلال تعطيل الإنتاج والتجارة والاستثمار. ولذلك فإن إنهاء الحرب يمثل شرطاً أساسياً ليس فقط لتحقيق الاستقرار النقدي، وإنما أيضاً لاستعادة القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني وتنويع صادراته على المدى الطويل.
وعليه، فإن استعادة الاستقرار النقدي وسعر الصرف تتطلب حزمة متكاملة من السياسات والإصلاحات يمكن تلخيصها فى التوصيات التالية:
أولاً، إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية مستدامة، باعتبار أن السلام يمثل الشرط الضروري لأي تعافٍ اقتصادي أو نقدي. فبدون استعادة الأمن والاستقرار لن يكون بالإمكان إعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية أو جذب الاستثمارات أو استعادة الثقة في النظام المالي.
ثانياً، إعادة بناء مؤسسات الدولة الاقتصادية والنقدية، بما في ذلك استعادة استقلالية البنك المركزي وتعزيز قدراته الفنية والتنظيمية، وإعادة بناء الجهاز المصرفي وتوحيد أنظمته بعد ما تعرض له من تفكك واضطراب خلال الحرب.
ثالثاًًً، استعادة الانضباط المالي من خلال توسيع القاعدة الضريبية، وتحسين كفاءة الإنفاق العام، والحد من الاعتماد على التمويل بالعجز عبر الإصدار النقدي، باعتبار أن التوسع النقدي غير المغطى كان أحد أهم أسباب التضخم وتدهور سعر الصرف في السودان عبر العقود.
رابعاً، استعادة علاقة البلاد مع المؤسسات المالية والتنموية الدولية، بما في ذلك استئناف مسار إعفاء الديون الخارجية، واستقطاب التمويل الميسر لإعادة الإعمار، واستعادة ثقة المستثمرين والشركاء الدوليين.
خامساً، الانتقال تدريجياً نحو نظام سعر صرف أكثر مرونة وشفافية، مع تجنب العودة إلى نظم أسعار الصرف المتعددة أو تثبيت سعر الصرف عند مستويات لا تعكس الأساسيات الاقتصادية، وهي السياسات التي أثبتت التجربة السودانية فشلها المتكرر:
• اعتماد نظام سعر صرف مُدار بمرونة محسوبة خلال المرحلة الانتقالية لما بعد الحرب، بحيث يسمح بتكيّف سعر الصرف مع المتغيرات الاقتصادية الأساسية مع الحد من التقلبات المفرطة. فالتجربة السودانية تشير إلى صعوبة الدفاع عن نظم الربط الثابت في ظل ضعف الاحتياطيات وتعرض الاقتصاد لصدمات متكررة، كما أن الانتقال المباشر إلى التعويم الحر الكامل قد يكون سابقاً لأوانه في ظل هشاشة المؤسسات النقدية والمالية. ولذلك فإن الخيار الأكثر ملاءمة يتمثل في نظام سعر صرف مُدار يستند إلى قواعد واضحة وشفافة، ويُدعم بسياسات مالية ونقدية منضبطة.
• على المدى المتوسط، ومع استعادة الاستقرار السياسي وتعزيز استقلالية البنك المركزي وتطوير الأسواق المالية، يمكن أن يمهد هذا النهج الطريق نحو تبني إطار حديث للسياسة النقدية قائم على استهداف التضخم مباشرة، على غرار التجارب الناجحة لبعض الاقتصادات الناشئة ذات المؤسسات القوية مثل دولة التشيلي، حيث أصبحت المحافظة على استقرار الأسعار هي المرساة الرئيسية للسياسة النقدية بدلاً من استهداف مستوى معين لسعر الصرف.
سادساً، تبني استراتيجية قومية لزيادة الصادرات وتنويعها، تقوم على إعادة تأهيل القطاع الزراعي والثروة الحيوانية والتعدين، والانتقال من تصدير المواد الخام إلى تشجيع التصنيع الزراعي والصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة، بما يسهم في زيادة حصائل النقد الأجنبي بصورة مستدامة.
سابعاً، مأسسة قطاع التعدين وهيكلته فى إطار شركات عامة أو شبه عامة حديثة، مما يمكن معه مكافحة التهريب وتعزيز القنوات الرسمية لتصدير الذهب، الأمر الذى سيعزز الرصيد الرأسمالى من العملات الصعبة.
ثامناً، تعزيز تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية، من خلال توفير حوافز سعرية ومؤسسية مناسبة تسمح بعودة التدفقات إلى الجهاز المصرفي الرسمي بدلاً من الأسواق الموازية.
وأخيراً، فإن تظاهر سلطة الأمر الواقع بقدرتها على تحقيق استقرار مستدام لسعر الصرف أو كبح جماح التضخم أو استعادة القدرة التنافسية للاقتصاد السوداني في ظل استمرار الحرب يتجاوز عدم الكفاءة العلمية إلى الإستهتار بمصالح الوطن وشعبه المكلوم. إن استقرار سعر الصرف في السودان لن يتحقق من دون إعادة بناء الاقتصاد المنتج والدولة القادرة والمؤسسات الموثوقة. فكما كان انهيار الجنيه انعكاساً لأزمة أعمق في الاقتصاد السياسي السوداني، فإن تعافيه سيكون بدوره مؤشراً على نجاح مشروع أوسع لإعادة بناء الدولة وتحقيق السلام والتنمية الشاملة في مرحلة ما بعد الحرب.
حواشى:
(1) راجع مقالى عن الصدمة المزدوجة بعد إنفصال الجنوب:
https://www.medameek.com/?p=180908&utm_source=chatgpt.com
(2) للمهتمين بأدبيات الاقتصاد الدولي واقتصاديات سعر الصرف، يتضمن الرابط أدناه قائمة لمجموعة من أبحاثي المنشورة التي تتناول السودان والبلدان النامية بصورة عامة:
https://docs.google.com/document/d/1jBsntfdybDiC9OhAK5mJ9jeVffbUcHRZ/edit#heading=h.1vwesxjc7fs7
(3) راجع مقالى عن الإنهيار الاقتصادى وتقديرات فقدان حوالى 50% من الناتج المحلى لعام 2022 بسبب الحرب:
Elbadawi, Ibrahim (2025). “Sudan at the Edge: What Did Go Wrong?”: https://dev-front.org/sudan-at-the-edge-what-went-wrong/
