الصادق حمدين
“سامعين”!
كلمة تصلح لراوية “شمارات” في سوق “حرٌ” مزدحم، أو لجليس “قهاوي” يتداول الشائعات عند كل رشفة شاي، أو “لقعدة جبنة” نسائية تحت شجرة ظليلة في وقت الظهيرة يعاتبن بعضهن بقولهن “سمعتي ولا جابو ليك”، لكنها لا تليق برجل دولة يجلس على رأس مؤسسة قتالية يفترض أنها تمتلك العيون والعسس والآذان والسلاح والقرار. فالدول تعرف، والجيوش بواسطة استخباراتها ترصد، والقيادات تتابع، أما العاجزون وحدهم هم الذين يسمعون “من بعيد لبعيد” أو بلغة عوام الناس الدارجة سمع “طرطشة كلام”.
ليست المشكلة في التصريح الذي أدلى به خائر الرُكبتين الجنرال البرهان وحده، بل في ما كشفه من عطب عميق في معنى القيادة نفسها. فحين يُقتل أبناء الوطن، ويتم انتهاك حرمة الأرض، وتُراق الدماء، ثم يخرج من يفترض أنه حارس السيادة، وحامل لواء القيادة ليقول هاذياً: “سامعين إنو في ناس قطعوا بيغادي ضربوهم وما ضربوهم وضربو”، فإن المأساة لا تعود في عدد الضحايا فحسب، بل في حجم الانهيار و “الرجفان”، الذي أصاب موقع المسؤولية والقيادة ممثلة في رجل لا يدري إلى أين يسير.
ثم لم يكتف الرجل ببرودة العبارة، بل مضى إلى ما هو أفدح؛ إذ انصرف من الحديث عن الدم والموت إلى الحديث عن الضحايا، ومن مساءلة الفاعل إلى مساءلة المقتول، ومن واجب الحماية إلى خطاب التحذير واللوم. وكأن المواطن السوداني أصبح مطالباً بأن يحمي نفسه من الأخطار التي وجدت الدولة أصلاً لتمنعها عنه.
كان المنتظر أن نسمع لغة السيادة، فإذا بنا نسمع لغة التبرير والانكسار وذل التبعية المطلقة. وكان المنتظر أن نسمع غضب الدولة وسطوتها، فإذا بنا نسمع ارتباك السلطة ورجفتها. وكان المنتظر أن نسمع صوت القائد الذي تعود يرفع قبضته ملوحاً بمناسبة أو بدونها وكأنه فاتح منتصر، فإذا بنا أمام همس موظف صغير خائفاً مرتعشاً في بلاط الخديوية يبحث عن مخرج من الحرج السياسي الذي سببه “الدهابة الضهابة”، الذين بقدرة قادر تواجدوا في مكانين في زمن واحد، أرضهم، والأرض المصرية.
أي جيش هذا الذي يُقتل شعبه ثم ينشغل بتحذير الناجين؟ وأي قيادة هذه التي تتحدث عن سلوك الضحية قبل أن تتحدث عن الجريمة نفسها؟ وأي منطق مقلوب يجعل المواطن مطالباً بالاعتذار عن وجوده في أرضه، بينما يتوارى الحديث عن حقه في الأمن والحماية والكرامة؟
إن القادة الحقيقيين يعرف الشعب معادنهم عند اشتداد الخطوب. هناك من يرتفع صوته في وجه المعتدي، وهناك من ينخفض صوته حتى يكاد يختفي. هناك من يحمل القضية إلى مستوى الكرامة الوطنية، وهناك من يهبط بها إلى مستوى التماس الأعذار للمعتدي والبحث عن المخارج.
ولذلك يحضر بيت المتنبي هنا لا بوصفه زخرفة لغوية، بل بوصفه حكماً سياسياً كاملاً:
“وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلبَ الطعن وحدَه والنزالا”
فما أكثر الذين يملأون الفضاء ضجيجاً حين يغيب الخصوم، فإذا حضرت لحظة المواجهة انكمشت الكلمات، وذبلت النبرات، وتحوّل الصخب إلى صمت، والوعيد إلى تردد، والبطولة المعلنة إلى حسابات الخوف المخفية. وانتصبت الأذنان، وطارت العينان، وجف اللسان وزاد الخفقان واصطكت الركبتان، يا عيب الشوم عليك يا برهان، وهل تظن إنك خالداً مخلدا؟ إنها حياة واحدة، قلها ومت.
إن الشعوب لا تهزمها الأخطار الخارجية بقدر ما يهزمها أن تجد نفسها أمام قيادة تخشى تسمية الأشياء بأسمائها. فالمواطن الذي فقد حياته لا يحتاج إلى محاضرة، وأسرته لا تحتاج إلى موعظة، والوطن لا يحتاج إلى بيانات مرتبكة. أو حديث ترتعش حروفه وهي فاقدة للنقاط، ما يحتاجه هو موقف بحجم الدم الذي سُفك، وبحجم الكرامة التي مُسّت، وبحجم المسؤولية التي أقسم أصحابها على حمايتها ثم تركوها نهباً للعجز والتردد والانكسار والخوار والخنوع.
وعندما يصبح الحديث عن الجريمة أخفّ من الحديث عن الضحية، وعندما يصبح الخوف على علاقات التبعية السياسية المطلقة أكبر من الخوف على دماء المواطنين، فاعلم أن الأزمة لم تعد على مقتلة الحدود وحدها، بل وصلت إلى قلب مفهوم الدولة ذاته. إرحل يا برهان غير مأسوف عليك، بسببك قد انخفض سعر السوداني في بورصة الإنسانية فلم يعد يساوي شيئاً أمام الأمم….
umniaissa@hotmail.com
