الحال من بعضه، ومكونات الدولة السودانية كأحجار الدومينو تتساقط تباعا، فكما تضعضعت الحكومات وأوشكت أن تصل إلى الحضيض، فإن التنظيمات السياسية المعارضة، هي الأخرى، خارت ووهنت، وفقدت المنطق والبوصلة، وأصبحت ليس بمقدورها التفكير خارج الصندوق السياسي المهترئ. لذا تجدها جميعا تقرأ من ذات الكتاب القديم، وتكرر أخطائها. النادي السياسي القديم، والذي خرجت عضويته من نادي الخريجين، قد شاخت وتكلّست، لذا وجدت الحركة الإسلامية الماكرة، الفرصة مواتية لتلعب بها، لعبة “شليل” في وضح النهار.
هل يعقل، أن تتسامح المعارضة السودانية مع جرائم نظام الإنقاذ، وموبقات الحركة الإسلامية، تلك الجرائم التي يشيب لها الولدان؟ كيف يهزم الزمن، عزيمة التنظيمات السياسية، ويجعلها تسقط مبدأ المحاسبة مع تقادم الزمن؟ من ضعف الشيخوخة التنظيمية، أم أن معظمها، تفتقر طهر الصحائف السياسة، الذي يجردها أخلاقياً من المطالبة بكرسي العدالة وسيف المحاسبة؟
إبتداءً من مؤامرة الثلاثين من يونيو 89 التي قوّضت الحياة النيابية، وأجهضت الديمقراطية الثالثة، والموافقة على المؤامرة الدولية بفصل الجنوب، والتفريط في الأراضي السودانية في حلايب وشلاتين أبو رماد والفشقة، مرورأً بإرتكاب الإبادة الجماعية في دارفور، وارتكاب مجزرة القيادة العامة، والانقلاب على حكومة ثورة ديسمبر في 25 أكتوبر 2021م، كافة تلك الجرائم، كوم، وأم الكبائر إشعال حرب 15 أبريل كوم آخر، فقد أقتنع الشعب السوداني، والمجتمع الدولي، أن كتائب الحركة الإسلامية هي من أطلقت الطلقة الأولى.
دعك عن الجرائم الأخرى، التي تنوء بحملها الجبال الرواسي، هل مثل هذه الجرائم الجنائية في حق الوطن والمواطن، يمكن المساومة فيها، أو اسقاطها من الخطاب السياسي، وكأن شيئاً لم يكن، لتنحصر المماحقة في مشاركة المؤتمر الوطني من عدمها، في أي تسوية سياسية مستقبلية؟
أي غباء سياسي، أكبر من هذا؟ وأي خواء أخلاقي أفضح من هكذا تصرف؟ أكثر من ثلاثة عقود، والمعارضة لم تستوعب كيف تفكر الحركة الإسلامية، وحتى الآن غير متأكدة ما إن كانت تؤمن بتعدد المشاركة في السلطة، إم أنها تراوغ لا أكثر، وهل تؤمن بالممارسة الديمقراطية أم أنها تشتري الوقت، لحبك المزيد من المؤامرات والخيانة؟
تعطش المعارضة السياسية للسلطة، تدفعها إلى القبول بأنصاف الحلول، وترتضي بأنصاف الثورات، وتقديم التنازلات المميتة، لتسرق أعمار الأجيال، جيلاً بعد جيل. رحم الله الشريف يوسف الهندي، وحيا الله الرفيق عبدالواحد محمد نور، رغم بعض المآخذ على الأخير. فقد رفضا المساومة بالمبادئ في إباء، مات الشريف الهندي بكرامة، ولا يزال الرفيق عبدالواحد، شامخاً كجبل مرة، لم يهزه ريح.
بالله عليكم، كيف لخالد سلك ود. حمدوك ورفاقهم في صمود، أن يجلسوا مع أمثال مبارك أردوك، المتآمر الأكبر ضد ثورة ديسمبر، زعيم “تكتل الموز”، الذين هتفوا على رؤوس الأشهاد: “الليلة لن نرجع، حتى البيان يطلع”، وعندما طلع بيان إنقلاب الخامس والعشرين من أكتوبر 2021م المشؤوم، قال أردول على رؤوس الأشهاد “بعد دا، بإمكاننا تشكيل حكومتنا”؟
أردوك الخائن لثورة ديسمير، التي أتت به في حين غفلة، فسخّر أموال المعادن، لإجهاض الثورة في نذالة قميئة، وغدر مشين، تجلس معه المعارضة الخائبة، ذليلة منكسرة، بل يتجرأ السيد أردول بتحديد من جلس على طاولة المفاوضات، بكل صلف وعنجهية!
يا للعار، ويا للخيبة من معارضة السواد والرماد!!
تقول المعارضة، “عدى المؤتمر الوطني وواجهاته” أي واجهة تمثل الحركة الإسلامية، أكثر من الكتلة الديمقرايطة؟ التي شكلت حاضنة للانقلاب على ثورة ديمسير، واصطفت مع الجيش الكيزاني في حرب 15 أبريل؟ من من تخشى المعارضة، لتطعن في ظل الفيل، بدلاً عن جسده؟ وبأي مصوغ تقبل صمود بالدكتور على الحاج، أحد دهاقنة إنقلاب الثلاثين من يونيو 89 وربيب الحركة الإسلامية البارز؟ على حساب من، وباسم من تجامل تكتل صمود. نظن في السياسية، لا مجال للعواطف، والمبادئ لا تتجزء.
دشّنت أحدى ناشطات السوشل ميديا، هاشتاغ، # عدى المؤتمر الوطني، فانتشر عبر الوسائط إنتشار النار في الهشيم الجاف!
والأجدر بالشعب السوداني، أن تحتف بهاشتاغ # الكيزان إلى المشانق # #محاكمة الحركة الإسلامية، مطلب شعبي.
أما مشاركة حركة إجرامية، موصومة بالإرهاب، مثقلة بالتجاوزات الجنائية وقياداتها مطلوبة لدى العدالة الدولية، في السلطة، فهذا لا ينبغ مجرد الحديث عنها، إلا في سبيل وضع التدابير المناسبة للقبض عليهم، وتكييف آليات المحاكمات، وإن أرادوا التخفيف، علي قيادات هذه الحركة، الإسراع في المبادرة وإبداء الندم، والاعتذار للشعب السوداني، والتماس اللطف في الإحكام، وتخفيف التجريم، والتواري عن الحياة السياسية.
كم ألف شخص قتل بسبب إنقلاب 30 يونيو 89، الذي كان د. على الحاج ثاني إثنين من مدبريه؟ وكم نفس أزهقت بسبب إنقلاب 25 أكتوبر وإشغال حرب 15 والذي كان بتحريض سافر من الكتلة الديمقراطية بزعامة مبارك أردول؟ د. على الحاج ومجموعة أردول، مكانهم السجن، ورؤوسهم إلى المقصلة، جزاءً وفاقا، وليس لهم موضع في كراسي التفاوض على تقاسم السلطة.
يجب أن تكون نبرة المحاكمات حادة للغاية في الخطاب السياسي للمعارضة الحقة، وحاضرة في كافة المناسبات، وشاملة لجميع أطياف التنظيمات المدنية المناهضة للحكم العسكري والايديولوجي.
يقول المثل: “ركّبوه، دخّل يده في الجراب” ومتى ما ركبت الحركة الإسلامية ردفياً، في أية دابة سياسية، أدخلت يدها الآثمة، في جراب الرادف بخسة، وعبثت بالمحتوى، وخلطت الأوراق، فهي لا تستحق الشفقة، وليست جديرة بالإحسان.
كيف تغافلت المعارضة السودانية عن تجربة الحركة الاسلامية مع نظام النميري بعد مصالحة بورتسودان 77، وماذا فعلت خلال مشاركتها في الأيام الأخيرة لحكومة الديمقراطية الثالثة، وأخيراً ما هي نتيجة السماح بمشاركة اللجنة الأمنية لنظام البشير في حكومة ثورة ديسمبر؟ تلك المخازي المتكررة من الكيزان الخونة والمراوغيين، كفيلة بتقديم العظة والعبرة لمن يعتبر.
وصلنا إلى قناعة، أن المعارضة الحالية، ليست جديرة بتمثيل الشعب السوداني، وعلى ثوار ديسمبر المجيدة، البحث على قيادات بديلة، نظيفة وجريئة، صلبة في مواقفها من الإسلاميين، لا تساوم بدماء الشهداء، ولا تداهن من عتاة المجرمين، على غرار ما فعل بهم الرئيس قيس السعيد في تونس الخضراء.
//إبراهيم سليمان//
أقلام متحّدة
ebraheemsu@gmail.com
