rw3ams@gmail.com
محمد سليمان علي
حين يخرج وزير المالية الدكتور جبريل إبراهيم ليقول إنه كان يتوقع وصول الدولار إلى عشرة آلاف جنيه، فإن المشكلة ليست في الرقم، وإنما في الرسالة التي يحملها التصريح. فالمواطن لا ينتظر من وزير المالية أن يثبت دقة توقعاته، بل أن يشرح ما هي الرؤية والسياسات التي اتبعتها الدولة حتى لا يتحول هذا السيناريو إلى واقع.
لا أحد ينكر أن السودان يمر بحرب وظروف استثنائية، لكن الأزمات لا تُدار بالتوقعات، وإنما بالرؤية. وما يثير القلق اليوم ليس ضيق الموارد وحده، بل غياب مشروع اقتصادي واضح يعيد الثقة إلى السوق ويمنح الاقتصاد مقومات الصمود.
ويتجلى هذا الغياب بوضوح في بقاء التزامات المحاصصة السياسية الناتجة عن اتفاقيات السلام السابقة؛ حيث ما زالت بنودها تفرض أعباءً مالية ومناصب سيادية تستهلك نصيباً مقدراً من الميزانية، وكأن الاقتصاد يعيش ظروف طبيعية لا تستدعي توجيه كل قرش نحو الطوارئ الإنسانية والعسكرية.
لم يكن المستثمر السوداني بحاجة إلى من يقنعه بالمغادرة؛ فقد سبق الجميع إلى ذلك. حمل رأس ماله إلى دول الجوار، التي أحسنت استقباله وقدمت له ما عجزت بلاده عن توفيره: بيئة أكثر استقراراً، وقواعد أكثر وضوحا. بل إن بعضهم طاب له المقام، وربما لم يعد يرى سببا للعودة.
أما من بقي، فقد وجد نفسه بين مطرقة الضرائب والرسوم والجبايات، وسندان الإعفاءات والاستثناءات. هذه الإعفاءات توسعت تحت مظلات فرضتها الحرب، وهنا تحديدا تبرز سلطة “النفوذ”؛ حيث أدى غياب الميزانية الموحدة وتعدد مراكز القرار إلى نشوء فئات ومجموعات نافذة داخل الدولة وخارجها، يلعب كل منها لحسابه مستغلا ضبابية المشهد، ومهما كانت مبررات هذه الإعفاءات، فإن غياب الشفافية والرقابة الكافية يضعف ثقة المستثمرين بعدالة المنافسة داخل السوق.
في سوق كهذه، تميل المنافسة لمصلحة أصحاب الامتيازات لا أصحاب الكفاءة، ولا يحتاج رأس المال إلى دعوة للمغادرة؛ يكفي أن يدرك أن القرب من مراكز القرار والتكسب من ثغرات السياسات أصبح استثماراً أكثر ربحاً من الإنتاج والتجارة الحرة نفسها.
هذه ليست آثاراً جانبية للحرب، بل نتيجة طبيعية لاقتصاد بلا بوصلة. فدولة ترهق المستثمرين بالضرائب والجبايات، ثم تطالبهم بالصبر، بينما تكافئ أصحاب الامتيازات، لا يمكنها أن تتوقع انتعاشاً اقتصادياً أو عودةً لرؤوس الأموال.
وفي ظل هذا المشهد، يصبح من الإجحاف لوم التجار أو المواطنين على يأسهم أو خياراتهم في البحث عن الأمان المالي خارج الحدود. فالشارع السوداني اليوم يمتلك من الوعي ما يكفي ليدرك جيداً الفارق الشاسع بين “الاستعداد الحقيقي للمعركة” وبين “الاستثمار في ثمنها”، ويميز بوضوح بين مجتمع يقدم التضحيات لحماية الوطن، وبيئة موازية تمتطي الأزمات وتقتات على الامتيازات المعفاة من الرسوم والمساءلة.
ولهذا فإن المشكلة في تصريح وزير المالية ليست أنه توقع ارتفاع الدولار، بل أنه لم يحدثنا عمّا يمنع هذا الارتفاع. فالتوقعات ليست سياسة، والتشخيص ليس علاجاً، والخوف من الكارثة لا يُعد إنجازاً إذا كانت أسبابها ما تزال قائمة.
وكأن مهمة إدارة المال لم تعد منع العاصفة، بل إقناع الناس بأنها كان يمكن أن تكون أشد. وهكذا يُدار الاقتصاد اليوم؛ لا بمنع الانهيار، بل بالاحتفاء بأنه لم يكتمل بعد.
وإذا استمرت الرؤية على هذا النحو، فقد لا يبقى أمامنا سوى متابعة تصريحات وزارة المالية كما نتابع نشرات الطقس: نتمنى أن تخطئ التوقعات… لا أن تنجح. فلا أحد يريد من وزير المالية أن يكون أفضل متنبئ بالأزمة، بل آخر من يسمح بوقوعها.
rw3ams@gmail.com
