باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 6 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
محمد حامد الحاج
محمد حامد الحاج عرض كل المقالات

السودان بلد مُستعمَر من وراء ستار: هذا هو مكْمن دائه ومِفتاح فهم تاريخه الغارق في الدماء

اخر تحديث: 5 يوليو, 2026 10:42 مساءً
شارك

كفى بِنا توهُّماً وتهرُّباً من تسمية الأشياء بأسمائها، فالسودان لم ينْل استقلاله بأيِّ صورة ذات معنى حقيقي كبقية الدول التي كانت خاضعة للاستعمار. خرج منه المُستعمِر الإنجليزي في تلك الصيغة الغرائبية الشاذة من الاستعمار المُسمَّاة بالحكم الثنائي والتي لا سابقة لها على الأرجح في تاريخ هذا العالم، وترك وراءه المُستعمِر المصري مُتخفّياً في فترة البداية وحاضراً في غيرها بخطوطه الحمراء المُعلنة وما يقول إنَّه يسمَح به أو لا يسمَح بحدوثه في السودان. وإذا كان الاعتراف بهذه الحقيقة المُحزنة يجرح كبرياء بعض السودانيين ويدفعهم إلى البحث عن مُبرِّرات واهية لإنكارها، مثل أنّ مصر كانت هي الأخرى مُستعمَرة، فقد حذَّر منها المُفكِّر السوداني السابق لعصره الأستاذ محمود محد طه الذي اغتاله نظام النميري. شخَّص الراحل بالوضوح المعروف عنه في حديث له مُسجَّل ومُتاح طبيعة العلاقة مع مصر، وسأكتفي باقتباس فقرة قصيرة منه هذا نصَّها:
” في نفوذ مصري كبير والنفوذ المصري ده ماشي في تغلغُل وأنا أعتقد مهّدوا ليه الناس اللي كانوا صنايع لمصر.”
إن استمرار السكوت على هذه الحقيقة من قِبل السودانيين هو ما سيؤدِّي إلى تفتيت البلد، وتشريد معظم أهله في البقاع التي ترضى بقبولهم، وهو ثمن باهظ يتجاوز بما لا يقاس اعتبارات جرح المشاعر والأحاسيس.
هذا ليس قولاً مُلقىً على عواهنه أو دعوة تحريض، وإنّما يستند إلى مقارنة صريحة لما ظلّ يجري في السودان بطبيعة وعناصر التجربة الاستعمارية، خاصة تلك التي تمّت في القرن التاسع عشر. وهو أيضاً ليس رأياً مُستحدثاً أملاه العدوان المصري الأخير الشنيع على المُعدِّنين السودانيين البُسطاء الذين يبحثون عن رِزق الله داخل حدود بلدهم، أو حتى أملته تداعيات الحرب التي اندلعت في السودان، فقد أوضحته في مقالٍ لي بعنوان “علاقات أزليَّة أم مطامع أزليَّة” نشرته في” سودا نايل” قبل نشوب الحرب. وما كتبته في ذلك المقال وما سأورده فيما يلي، نابع من اهتمامٍ لديَّ قديم بمحاولة الوصول إلى لُبِّ المُعضِلة السودانية التي جعلت منه وحده تقريباً بلداً غارقاً في النزاعات والحروب الداخلية قُرابة السبعين عاماً مُنذ استقلاله المزعوم. هذا هو البلد الذي قام فيه أهله بثلاث ثورات عظمي خلال الأعوام الخمسين الماضية، وهو أمرٌ استثنائي في حدِّ ذاته، ولكِنّها أُجهِضت جميعها لأنّها رغم نبل وجسامة التضحيات أخفقت في تشخيص مكْمن الداء، مُعتقدة أنّ تغيير الجنرالات الحكام الانقلابيين دون محاسبة صارمة لهم، ودون إبطالٍ لدور مؤسسة الجيش كمعبر للهيمنة المصرية، كفيل بإخراج السودان من مأزقه.
نعم، لقد شهد عدد من دول العالم الثالث التي كانت أيضاً مُستعمَرة حروباً أهلية ودماراً كبيراً عقب حصولها على الاستقلال، ولكِنّ تلك النزاعات الدموية توقّفت في نهاية المطاف وانصرف أهلها إلى عيشهم الطبيعي، إلا السودان الذي اتَّخذ فيه الاقتتال الداخلي وما يقترن به من عُنف وحشي منحىً تصاعدياً. نحن هُنا أمام احتمالين: إمّا أن يكون السودانيون بشراً غير سويّين مُصابين بلوثة مأساوية سببها رُبّما شمس بلادهم الحارقة، أو أنّ هناك سبباً هيكليا يُفسِّر العُنف الدامي الذي استوطن ديارهم.
خُلاصة هذا المقال إنّ السودان لم يفشل في إقامة دولة المواطنة والحقوق المُتساوية لعجزه عن إدارة التنوُّع الاثني والثقافي الواسع في البلد، وإنَّما لأنّ إقامة مثل هذه الدولة وإدارة التنوُّع أمر مستحيل في ظروف التبعية الاستعمارية التي تربطه بمصر والآخذة في التفاقم، لأنّ علاقات التبعية في الأصل علاقات تراتُبية غير مُتكافئة، ومن المُحتَّم أن تتناسل عنها علاقات تراتُبية تمييزية في داخل البلد التابع، تصبح منبعاً لا ينضب للصراعات والمنازعات الداخلية. هذا ليس تبرِئة للسودانيين من وِزر ما حدث في بلادهم، وإنّما مسعىً لتسليط الضوء على المدخل السليم لفهم جذور حروبهم وأزماتهم، ومناشدتهم بأن لا يسمحوا للخلافات القائمة بينهم بأن تُعميهم عن الخطر الوجودي الذي يُنذر بتفتيت مسقِط رأس جدودهم وإضاعة حقوق أجيالهم القادمة -جميعها.
ولكِن قبل أن نبدأ: ما هو الاستعمار؟
عرف العالمان، القديم والحديث الاستعمار بأشكال مُتنوِّعة تنوُّع العلاقات التي كانت قائمة والظروف التي أنتجتها وطبيعة الأقوام المُستعمِرة والمُستعمَرة. ومع ذلك، يُمكِن القول إنّ الطبيعة الجوهرية للاستعمار عبَّرت عنها معظم القواميس بالصيغة التالية:” الاستعمار هو عملية السيطرة على بلد آخر أو منطقة أخرى بهدف استغلال أهلها ومواردها”.
أكبر مُمارسات الاستعمار في العصر الحديث، والتي تستحقّ أن نتّخذها مرجعاً ونقيس على مِنوالها نوع العلاقة القائمة بين السودان ومصر، هي تلك هي التي نفّذتها الدول الأوروبية خاصة في القرن التاسع عشر، شاملة ما عُرِف بالتكالُب على افريقيا وتقاسمها بين القوى الاستعمارية. تنطوي التركيبة الكلاسيكية لهذه المُمارسات على العناصر التالية: استغلال المُستعمَرات والأيدي العاملة فيها لإنتاج مواد خام أولية زراعية أو تعدينية وتصديرها للبلد المُستعمِر لتصنيعها هناك، وتحويل المُستعمَرة إلى سوق للمُنتجات المُصنَّعة المُنتجة في البلد المُستعمِر، وإجراء مُعاملات التصدير والاستيراد بعُملة ذلك البلد، وأخيراً ترسيخ منظور ثقافي يسعى إلى دمغ أهل البلد المُستعمَر بالتخلُّف والهمجية وإلصاق أحطّ الصفات بهم، ليس فقط كمُبرِّر لاستغلالهم ونهبهم وإنّما أيضاً لهدفٍ أكثر مكْراً هو دفعهم لقبول هذه الصورة المعِيبة عن أنفسهم مما يُضعِف من مقاومتهم للمُستعمِر.
ويكفي في هذا السياق النظر إلى تجربة الاستعمار البريطاني للهند. كان يُطلق على الهند “جوهرة التاج البريطاني”. وتشير إحدى الدراسات إلى أنّ بريطانيا استولت من الهند، خلال فترة استعمارِها لها التي قاربت القرنيين، على ثروة تُقدَّر بخمس وأربعين ترليون (ترليون وليس مليار) دولار. كما دمّرت صناعة النسيج الهندية العريقة التي كانت من أهمِّ مثيلاتها على مستوى العالم. وجعلت الهند سوقاً لمنتجاتها من المنسوجات والملابس المصنوعة من القطن الهندي، والذي عملت على توسع انتاجه ليشمل مساحات شاسعة كانت تخُصّص لإنتاج الغذاء، مِمّا تسبّب في حدوث مجاعات في مناطق كانت مُكتفية زراعياً، أشهرها مجاعة البنغال العظمي التي راح ضحيتها الملايين (كلُّ هذه المعلومات مُتاحة من المصادر المفتوحة ويُمكِن الحصول عليها بضغط زر).
بالطبع ليس من أغراضي هُنا عقد مُقارنة، خاصة من حيث الحجم والنتائج بين حالتي السودان والهند، فلا مصر هي الإمبراطورية البريطانية التي لا تغرب عنها الشمس كما كان ُيقال عنها، لتمدّد أرجائها شرقاً وغرباً، ولا السودان هو الهند. كذلك فإنّه بينما لا يوجد خلاف حول واقع استعمار بريطانيا للهند، فإنّ السُلطات في مصر والسودان ستعترض بشِدّة على أيّ إشارة لعلاقة استعمارية بين البلدين. فعلى الورق يبدو السودان دولة مُستقلِّة بنشيدها الوطني وقصرها الجمهوري وبنكها المركزي وعضويتها في المنظمات الدولية. ولكِن ما على الورق شيء، وما يجري على أرض الواقع والمُمارسة شيء آخر. لقد أشرت في عنوان هذا المقال إلى أنّه استعمار من وراء ستار، وسأحاول البرهنة على ذلك باستخدام ما يماثل” اختبار البطّة المعروف”- إذا كانت تمشي كالبطّة وتعوم كالبطّة وتوقوق كالبطّة فعلى الأرجح هي بطّة.
لم تكُن العلاقة بين مصر والسودان بُعَيدَ استقلال السودان مُباشرة، علاقة استعمار بالمعنى الكامل، رغم أعراض التبعية الكامنة في مفاصلها، فقد كانت بمثابة علاقة بين الدولة ذات النفوذ وحلفائها الأوفياء وسط النُخب الحزبية والثقافية. وهي نُخب مُتماهية مع مصر وقابلة بدعاوى الحقوق والروابط التاريخية معها، مما جعل أفرادها يؤجِّلون انضمامهم لدُعاة استقلال السودان عن مصر حتى الساعة الحادية عشر، في ترجمة للعبارة المعروفة التي تعني إلى آخر لحظة مُمكِنة.
ولكِن، ومع حدوث أوّل انقلاب عسكري في السودان بقيادة الجنرال عبود، بدأت القبضة المصرية على السودان في الاشتداد. فقد وافق السودان في عهد ذلك الجنرال على اتفاقية إنشاء السّدّ العالي، التي تُعدّ من أعجب الاتفاقيات التي تُعقد بين دولة وأخرى يظنّ الناس أنّها مُستقِلّة، فقد حصلت فيها مصر على كلِّ ما تريده، ولم يحصل السودان على فائدة واحدة، بل وباء أهل السودان بحسرة إغراق مدينة حلفا الجميلة وما حولها وتهجير أهلها وضياع آثار لا يُمكِن أن تقدّر بثمن. وزاد الطين بلّة أنّ مبالغ تعويضات التهجير التي دفعتها مصر لم تكُن كافية حتى لتغطية تكاليف العملية. وقد أوضح الباحث والعالم القانوني الكبير د. سلمان محمد أحمد سلمان تفاصيل الاتفاقية المُجحِفة، والتي يُمكِن لمن يرغب الرجوع اليها.
يقودنا هذا إلى فاجعة الحكم العسكري الذي أطبق الخناق على السودان معظم سنوات “استقلاله” واستأثر بجلِّ إيرادات الدولة مُبدِّداً لها في حروب داخلية مُتتالية، بحيث لم يترك شيئاً للتنمية وتطوير مرافق وخدمات البنية الأساسية في البلد. هذا الحكم العسكري المُتطاوِل ليس فقط غولاً يلتهم الموارد، فهو فوق ذلك آليّة سيطرة مصر، العبقرية في الحقيقة، على السودان، التي ضمنت لها تحقيق هيمنة ترتقي إلى مرتبة الاستعمار بأقلِّ التكاليف، من خلال عقد حلف انتهازي ودموي مع بعض أبنائه الذين يقفزون إلى قيادة المؤسسة العسكرية. كلُّ ما يلزمها هو توفير المساندة لهم ضد شعبهم التوَّاق للحُرِّية الرافض للاستبداد العسكري -وصفة مُدهِشة في بساطتها وشديدة السُّمِّيّة في آن واحد، لأنّه رغم قيام الشعب السوداني برفض حكم العسكر في ثلاث انتفاضات كُبرى مَهرها الشهداء من أبنائه بدمائهم، فقد أُجهضت كلّها بل وتزايدت قبضة مصر الخانقة على السودان الآن كما هو معلوم” لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيد”. وفيما يلي بعض الأمثلة للتوضيح.
عندما قام جعفر نميري بانقلابه بمُساندة ضُبَّاط مُعظمهم من القوميين العرب، وفّرت له مصر الدعم ضد جماهير الأنصار التابعة لحزب الامة في مقتلة الجزيرة أبا، كما دعمته ضد انقلاب هاشم العطا اليساري حيث صدر عن الرئيس المصري السادات تصريحه الشهير:” الإتحاد الثلاثي ( ويقصد به ذلك الترتيب الذي اتّفق عليه الضُبَّاط الحكام الثلاثة لمصر وليبيا والسودان-السادات والقذافي والنميري تباعاً) وُلِد وله أسنان، وأهي بانت في السودان” في أوضح الدلائل على التدخّل في الأحداث والخيارات الداخلية لدولة يُفترض أنّها مُستقِلّة. لذلك كلِّه، عندما تم اغتيال السادات فوجئ العالم بمشهد غرائبي يقوم فيه النميري بالعويل في تشييع السادات في “شخصنة” مُدهشة لدور رؤساء الدول الذين يتوقّع منهم الوقار وإظهار التماسك.
ويُذكر في هذا السياق أنّ النميري وافق على حفر قناة جونقلي في جنوب السودان غير آبهٍ بآثارها البيئية خاصة على جنوب السودان. ووافق على تقاسم مياهها مُناصفة مع مصر، كأنّ القسمة الضِيزى بموجب اتفاقية مياه النيل بين مصر والسودان التي وافق عليها سلفه الجنرال عبود، التي حصلت فيها مصر على خمسة وخمسين مليار متر مكعب مقابل ثمانية عشر ملياراً للسودان رغم أنّ المساحات القابلة للريّ في السودان هي أضعاف ما في مصر، لم تكُن كافية. لذلك، كان تعطيل العمل بالقناة من أوائل ما قام به الجيش الشعبي لتحرير السودان بقيادة د. قرنق قبل أن ينأى الجنوب بنفسه عن السودان في مطلع العقد الثاني من هذا القرن.
وعند قيام انقلاب ما سُمِّي بالإنقاذ، قيل إنّ مصر سارعت للحصول على تأييد عربي للانقلابيين على أساس ” أن دوْل، أي الانقلابيين، بتوعنا”، وفات عليهم وقتها أنّه كان للترابي عراب الانقلاب المدني طموحه الخاص الذي يتعارض مع التبعيّة التقليدية لمصر. ولكِن، ما هي إلا سنوات معدودة حتى احتلَّت مصر منطقة حلايب وشلاتين السودانية، بعد فشل مُغامرة دبَّرها بعض أعوان الترابي لاغتيال الرئيس المصري حينها حسني مبارك. وشرعت في تمصيرها بالكامل بعد ذلك، دون أن ينبِس حكام السودان العسكر ببنت شفة، رغم العنف غير المسبوق الذي واجهوا به كلّ أنشطة المعارضة السودانية الداخلية.
من نافلة القول إنّ احتلال حلايب وشلاتين والسكوت عليه هو أمر ينتقص من السيادة، ويُنذر بفتح شهيّة مصر وشهيّة غيرها من الدول لاقتطاع أجزاء أخرى من هذا السودان ” الهامل”. ومع ذلك، فإنّ هذا التطور على خطورته لم يكُن الوحيد الذي يشير إلى تحوّل علاقة السودان بمصر من التبعيّة إلى شكل من أشكال الاستعمار الذي لا تستره إلا غلالة رقيقة من الأوهام. فقد شهدت السنوات الأخيرة من حكم الإنقاذ، تطوّراً لا يقِلّ خطراً هو تجريف الصناعة السودانية، وإرجاع السودان إلى مرحلة ما قبل عصر التصنيع وهو “Deindustrialization” ما يُعرف عند الاقتصاديين والمؤرخين بعملية ال
والتي للأسف لم أجد مُقابلاً يماثلها في الوضوح والإيجاز في اللغة العربية.
رُبَّما لا يعلم بعض شباب ثورة ديسمبر أنّ السودان كان يمتلك صناعات زراعية مُزدهِرة في مجالات المحالج والغزل والمنسوجات والملابس والمدابغ وصناعة الأحذية والجلود والزيوت والصابون والسكر والأغذية والمشروبات، بل أنّ مجموعة الشيخ مصطفى الأمين أقامت أحد أحدث مصانع التكرير المستمر للزيوت، والذي يستخلص معظم الزيوت المتبقية في الأمباز وهو ما لا تتمكّن من تحقيقه المصانع التقليدية.
الذي حدث في السنوات الأخيرة هو أنَّ بلادنا تقهقرت من التصنيع إلى تصدير المنتجات الزراعية التي تقوم عليها هذه الصناعات كمواد خام أوليّة، يذهب أغلبها إلى مصر لتُصنَّع هناك وتحصل مصر على قيمتها المضافة. ونحنُ نتحدّث هُنا عن صناعة المواد الزراعية والتي هي أولى عتبات التصنيع، ولا نتحدّث عن هندسة الصواريخ أو ما هو مُقارب لها في تعقيدها. لقد خرج على الناس وزير الصناعة المصري مُؤخَّراً بهذا التصريح المُذهِل والذي سأُورد أدناه بعض أجزائه بنصّها، كما هي مُتاحة في الوسائط صوتاً وصورة. وهو تصريح مُذهِل بالفعل لأنّ عُتاة المُستعمِرين البريطانيين في الهند لم يأتوا بمثله في زمن كان يمثل العصر الذهبي للاستعمار وسطوته. قال هذا الوزير:
“السودان تتميّز بوجود بعض الميزات التنافسية اللي أنا من مصلحتي كمُصنِّع مصري أن أعتمد عليها. على سبيل المثال الصناعات الزراعية، ونحن نعلم الآن محدودية الأراضي الزراعية في مصر ونعلم وفرة الأراضي الزراعية في السودان. يُمكِن أن نبني صناعات زراعية وبوفرة شديدة من خلال الاعتماد على المساحات الشاسعة الموجودة في السودان، وهذه تضيف إلى الأمن الغذائي المصري وهذا بُعد قومي هام جداً. أيضاً الصناعات التعدينية، ومن المعلوم أنّ السودان، يعني، غنية بمعادن كثيرة فيُمكِن أيضاً الاعتماد على هذه الصناعات التعدينية كمدخل إلى مصر، ويُمكِن أن يكون الاعتماد على الخام هناك بدلاً من أن يُصدَر، ونحن نضيف إليه قيمة مضافة. وكذلك دباغة الجلود. هناك محدودية في ثروتنا الجلدية في مصر نتيجة محدودية الثروة الحيوانية، وكما ذكر معالي وزير التموين، هناك الثروة الحيوانية الكبيرة 160 مليون رأس، وده بيضيف إلى الرصيد الخام من الجلود ونحن نأخدها ونعيد تصنيعها تاني في مصر، فهي يعني، مصدر للخامات الأولية التي يمكن أن نجري عليها بعض التصنيع المبدئي بحيث إن نحن نعوض أيّ نقص في الخامات اللي مصر مُحتاجاها”.
يُحمد للسيد د. عبد الله حمدوك أنّه أوّل مسؤول سوداني بارز يدعو إلى التوقّف عن تصدير المنتجات السودانية كمواد خام أولية، وتصنيعها والحصول على القيمة المضافة منها داخل السودان بأيدي عاملة سودانية. قد يختلف الناس حول أداء حكومة د. حمدوك، ولكِنّ مُقتضيات الاستقامة الفكرية والأخلاقية تستوجب أن يعترف المرء لصاحب الفضل بفضله. وسأتحدّث في ختام هذا المقال بإيجاز عن موضوع الاستثمار الأجنبي.

إذا كانت الفترة مُنذ “استقلال” السودان وحتى انقلاب قائد الجيش على ثورة ديسمبر هي فترة التبعيّة البائنة لمصر، فإنّ ما أعقبها هو بداية تحوّل هذه العلاقة إلى استعمار يتوارى خلف ستارة لا تُخفي شيئاً كبيراً. ولأنّ ما حدث في هذه الفترة ما زال حيَّاً في الأذهان ومعلوماً لكلِّ متابع، سأتحدث هنا بإيجاز عن أخطر جوانبها. ولنبدأ بوجود مجموعة من الجيش المصري في مطار مروي. ففي ظلِّ الاحتقان الذي كان قائماً قبل نشوب الحرب المُدمِّرة في السودان وتربّص الطرفين ببعضهما، فإنّه لم يكُن مُستغرباً أن يصبح مثل هذا الوجود الشرارة التي ستشعل الحريق.
أعقب قيام الحرب تقديم مصر العون للجيش السوداني مثلما قدمت دولة الإمارات العون للدعم السريع ليستمرّ الاقتتال والتدمير ونزوح وتشرُّد السودانيين ومعاناتهم المُفجِعة. ثم بدأت المحاولات الدولية لإيقاف الحرب، والتي كانت الأولوية المُعلنة فيها لمصر على الدوام هي دعم مؤسّسات الدولة السودانية، والمقصود بها تحديداً مؤّسسة الجيش، لا إيقاف الحرب وإنهاء مُعاناة السودانيين. ولا ينبغي أن يكون ذلك مُفاجئاً لمراقب، فكما أشرنا من قبل فإنّ مصر قد وجدت في هذه المؤسسة أداتها لضبط الأمور في السودان بما يخدم أمنها القومي المرفوع فوق كلّ اعتبار سوداني آخر. وفي هذا السياق، خرج وزير الخارجية المصري بتصريحاته الشهيرة، التي لم يكترث بتغليفها بعبارات دبلوماسية لتخفيف غلوائها في ازدراء سيادة السودان، حول خطوط مصر الحمراء في السودان التي لا تسمح لجهة حتى لو كانت سودانية تعمل وفقاً لمصالح بلدها بتجاوزها. وإذا لم يكُن هذا هو صلف الاستعمار ولغته القُحّة فلنبحث لنا عن شيء آخر في كوكب آخر لنتجادل حوله.
وأخيراً، لقد نجحت مصر في إيجاد موضعٍ دائمٍ لها في المُبادرة الرباعية لإيقاف الحرب في السودان بجانب أمريكا والسعودية والإمارات، وهي المبادرة التي لم تُسفر عن شيء حتى الآن. وفي هذا الخصوص، قد يجد البعض مُبرِّراً لوجود السعودية والإمارات من حيث إنّ هاتين الدولتين يُنتظر منهما المساهمة المالية الكبيرة في برامج الإغاثة وإعادة التوطين وإعمار ما دمرته الحرب، أما أمريكا فهي القوة العظمى في العالم، في حين أنّ مصر لا قُدرة مالية لديها وليست عضواً دائماً في مجلس الامن ولا هي من أقطاب الصناعة أو القوّة العسكرية الاستثنائية في العالم. وإذا قال أحد إنّها جارة للسودان، فللسودان جِيرة غيرها، فلماذا إذاً مصر وحدها من بين الجيران؟ السبب في وجود مصر في هذه المعادلة هو أنّها لم تخرج أبداً حقيقة من السودان.

بالطبع لا يوجد استعمار دون أن تصحبه ثقافة وايديولوجيا تعمل على ترسيخه في أذهان المُستعمَرين كقدر ومصير لا فِكاك منه، وفي وجدان أهل بلد الطرف المُستعمِر كحقّ أصيل لا مراء فيه. وتستحقّ لغة العلاقات الاستعمارية في السياق السوداني أن يفرد لها أحد المُختصين دراسة مُعمّقة، وقد تناولت جانباً منها في مقالي المشار إليه فيما تقدم.
واللغة الاستعمارية بشكلٍ عامّ تتراوح بين إبداء مشاعر الرعاية الأبوية على المُستعمَرين عندما يُظهرون الاستكانة، وإلصاق أحطّ الصفات بهم ووسمهم بأنّهم مجموعة من الرعاع الذين لا يستحقون ما عندهم إذا خرجوا عن الخط المرسوم لهم.
حقُّ الهيمنة على السودان فكرة مُتجذِّرة في أعماق عدد كبير من النُخب المصرية قد يكون معظمها، والأمثلة عليه مُتاحة بوفرة لمن يرغب في الكتابات وفي تصريحات المسؤولين المصريين. وهي أمر قديم. جاء في قصيدة أحمد شوقي المُعنونة ” وقى الأرض شرَّ مقاديره” والتي غنتها المُطرِبة المشهورة أم كلثوم من تلحين رياض السنباطي هذا البيت الشهير:
ولن نرتضي أن تقدَّ القناة ويُبتَرُ من مصر سودانها
ولا يوجد تعبير عن الملكية أبلغ من ذلك -فالسودان كالقناة في هذه النظرة. وعندما تترنَّم بذلك المُطرِبة أم كلثوم في حفلات يشهدها أفراد من النُخبة ويتابعها الألوف في المقاهي والبيوت، فلا غرابة في أن تتجذّر سردية السودان كمجال حيوي تابع لمصر في مُخيِّلة النُخب المصرية الحاكمة والمُتعاوِنة معها، وحتى لدى الكثيرين من أفراد الشعب المصري العاديين.
مثل هذه النظرة للعلاقة بين مصر والسودان، تجعل منها علاقة تراتبية غير متكافئة بين الحكام المصريين والحكام السودانيين المُتحالفين معهم. ومن الطبيعي أن يتمخّض عنها تراتبية ثانوية في الداخل السوداني تتحدّد بمدى القرب من القاهرة والسيطرة على زِمام الأمور في الخرطوم. وبهذا يصبح من المُستحيل قيام دولة المواطنة والفرص المُتساوية، دولة الديمقراطية والعدالة والقانون في مثل هذا النظام التمييزي. ولذلك استمرت الحروب مستعِرة في السودان، واستمر حصول الجنرالات السودانيين الحكام المُتحالفين مع مصر على نياشينهم وأوسمتهم وهم يخوضون حروباً لا تنتهي ضد مكونات سودانية معارضة لحكمهم.

وأخيراً، حديثٌ موجز عن موضوع الاستثمار الأجنبي في السودان. من المؤسف، أنّ معظم الاقتصاديين والخبراء الماليين السودانيين قد أحجموا إن لم يكُن قد صمتوا صمت القبور عن توضيح طبيعة الاستثمارات الأجنبية للرأي العامّ مما أسهم في بلورة وعي شعبوي مفاده أنّ الاستثمار الأجنبي كلّه خير وأنّ على المسؤولين فتح الباب على مصراعيه له.
الاستثمار الأجنبي قد يكون مُفيداً في حالات مُحدّدة وبشروط مُحدّدة، ولكِنّه يُمكِن أن يتحّول إلى سطو ونهب مُنظّم مُدمِّر إذا لم يتم وفقاً لمصلحة البلد. في البدء: ليست كلّ الاستثمارات من طبيعة واحدة، فالاستثمار في الزراعة وفي الصناعات التعدينية والاستخراجية يختلف جذريّاً عن الاستثمار الأجنبي الذي يقيم المصانع أو يطوِّر البنية الأساسية أو يُشِّيد الفنادق ومنشآت القطاع السياحي.
في مجال الزراعة على سبيل المثال، يمتلك السودان الأراضي الصالحة للزراعة والمُستوية التي لا تحتاج إلى إزالة العوائق، ويمتلك المياه وتتوفّر فيه الشمس التي “تُعانق الحقول والمراعي” كما أنشد الشاعر، وهذه العناصر تُمثل الجزء الأعظم وبما لا يقاس من قيمة المشروع. ما ينقص السودان هو التمويل لشراء المعدات وليس الأيدي العاملة، فنحن لا نتحدّث عن زراعة القرن التاسع عشر، فالزراعة الآن “مُمكننة” بدرجة عالية. وعليه، إذا كان للمشروع الزراعي جدوى اقتصادية فسيحصل على التمويل اللازم، فأصحاب الفوائض المالية يلهثون خلف فرص عائد مالي مجزٍ. وقد فعلها السودان من قبل حين إقامة امتداد المناقل ومشروع الرهد ومشاريع السكر وغيرها. لذلك، فإنّ منح بعض الدول مناطق زراعية بملايين الأفدنة وبعقود تأجير رمزية تبلغ فترتها المائة عام، أمر يستوجب المُحاسبة الصارمة في زمن قادم لمن سمح بحدوثه من المسؤولين. وهو أمر سينتج عنه إذا استمرّ فقدان ملايين المزارعين السودانيين لأرض جدودهم، ورُبَّما حدوث مجاعات كمجاعات البنغال المُشار إليها فيما تقدم.
وينطبق على الاستثمار الأجنبي في الصناعات التعدينية والاستخراجية، رُبّما بدرجة أقلّ نسبياً، ما ينطبق على الاستثمار الزراعي. وفي المقابل، فإنّ الاستثمار الأجنبي في إقامة المصانع والسياحة لا يكلف البلد شيئاً أكثر من قطع الأراضي المحدودة التي تُقام عليها المنشآت إضافة إلى توفير خدمات الطاقة والكهرباء والنقل، فضلاً عن أنّه يوفر فرص العمل للسودانيين. هذا هو نوع الاستثمار الأجنبي الذي تسعى الدول الراشدة لاستقطابه.
كانت تُدهشني على الدوام الأحاديث التي لا تنقطع عن الثروات الهائلة الموجودة في بلادنا وجذب انتباه الأجانب إليها، وقد اعتبرتها من قبيل المُباهاة المعروفة عند بعض السودانيين الذي لا يعملون بمبدأ” استعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان”. ولكن تبيّن لي لاحقاً أنّ الأمر قد يكون أبعد من ذلك، فمن بيننا أولئك الذين يسعون إلى فتح الباب أمام المستثمرين الأجانب لاستنزاف موارد السودان لقاء مصالح شخصية ضيقة، وضئيلة القيمة للمفارقة، وهذا يُعتبر واحداً من أقذر وجوه الخيانة لوطن الجدود وأهله البسطاء الطيبين.
ختاماً، لا بُدَّ من التنبيه إلى المخاطر الإضافية الأكثر ضررا للاستثمار الأجنبي، وهي منح الدول المجاورة أراضي زراعية أو تعدينية في المناطق التي تقع على حدودها. فمن الغَفْلة البالغة السماح لمصر بإقامة مشاريع زراعية أو تعدينية في شمال السودان، وكذلك السماح لإثيوبيا بمشاريع زراعية في منطقة الفشقة. فبعد جيل أو ثانٍ سيقولون هذه الأرض لنا. وللتذكير والاعتبار، فإنّ روسيا التي تمتلك ترسانة نووية يُمكِن أن تُدمِّر العالم كلّه، لا تسمح بالاستثمار في المناطق الحدودية فيها، وكذلك تفعل المكسيك.

محمد حامد الحاج

melhaj@gmail.com

الكاتب
محمد حامد الحاج

محمد حامد الحاج

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
محمود ومحمود – غريبان في عالمين .. بقلم: د. مجدي الجزولي
استعراض لترجمة رواية ساماهاني (SAMAHANI) للروائي عبد العزيز بركة ساكن
منطق الحرب !! .. بقلم: محمد عبد الرحمن الناير (بوتشر)
منبر الرأي
انتخابات السودان المقبلة: خطأٌ فادحٌ يُعاد .. بقلم: د. النور حمد
منبر الرأي
مرسال الشوق! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

ما جئتم به السحر …. علي يس الكنزي

علي يس الكنزي
منبر الرأي

ترحيل التلاميذ للمدارس .. بقلم: الصادق عبدالله عبدالله

طارق الجزولي
منبر الرأي

الاعباء المالية على مرضى غسيل الكلى .. بقلم: د. اميــــن شرق الدين بانــــقا

طارق الجزولي
منبر الرأي

شكرا لجنة إزالة التمكين .. بقلم: د. زاهد زايد

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss