الوطنية والعمل في السودان: تأثير الشيوعية (2)
Nationalism and labour in the Sudan: the influence of communism (2)
Abdel -Rahman E. Ali Taha عبد الرحمن علي طه
تقديم: هذا هو الجزء الثاني والأخير من ترجمة لغالب ما ورد في مقال صدر عام 1976م في المجلد رقم 57 من مجلة “السودان في رسائل ومدونات (SNR)”، ص.ص 81 – 89، بقلم دكتور عبد الرحمن علي طه. وهذه الورقة مستلة من رسالة دكتوراه كان الكاتب قد قدمها لجامعة كالفورنيا بلوس انجلس في عام 1970م تحت عنوان:
“On the Labor Movement in Sudan: A Study of Labor Unionism in a Developing Society”
عمل الكاتب أستاذاً مشاركاً في قسم إدارة الأعمال بكلية الاقتصاد بجامعة الخرطوم حتى عام 1975م، حين بدأ مسيرته المهنية في عالم مؤسسات تمويل التنمية الدولية والإقليمية، إلى أن تقاعد بالمعاش.
المترجم
*
الحركة العمالية والأحزاب الوطنية
لعل أحد أهم العوامل التي حددت دور حركات العمال الإفريقية في “السياسة الوطنية” كان هو طبيعة علاقتها مع الأحزاب الوطنية. فعلى سبيل المثال في غينيا، حيث كانت العلاقة بين “الحزب الديمقراطي الغيني” (PDG) و”الاتحاد العام للعمل” (CGT) – والهيئات التي خلفت الأخير- وثيقة للغاية طوال معظم فترة ما قبل الاستقلال، وكان الأمر أشبه بالعلاقة بين فرقتين في جيش واحد. أما في كينيا، حيث كانت الروابط بين “الحزب الوطني” و”اتحاد العمل الأفريقي” وثيقة للغاية، فقد أصبح من شبه المستحيل التمييز بين الأدوار التي أدتها كل من الحركة الوطنية والحركة العمالية؛ إذ كان ما يحققه الحزب الوطني يُعْتَبَرُ، في جوهره، إنجازاً للعمال أيضاً. وفي المقابل، نجد أنه في بعض البلدان التي انعدمت فيها الروابط تقريباً (بين الحزب والعمال) في غضون معظم فترة ما قبل الاستقلال (كما هو الحال في نيجيريا بعد عام 1950م) كانت مساهمة الحركة العمالية في النضال الوطني عبر العمل السياسي المباشر محدودةً نوعاً ما.
أما في السودان، فلم يبد أي من الحزبين الوطنيين الكبيرين (الأمة والاتحاديين) رغبةً تذكر في الحركة العمالية الناشئة. وفي الواقع، تمثلت مساهمتهما الرئيسية في نضال عمال السكك الحديدية في السودان عام 1947م (ذلك النضال الذي أثمر عن انتزاع الاعتراف بـ “هيئة شؤون العمال” بحسبانها نقابةً عمالية) في نجاحهما في التوسط لفض النزاع بين العمال والإدارة الكلولونيالية (1)، ومع ذلك، فحتى بعد أن أفلح عمال السكك الحديدية وغيرهم من العمال في تنظيم صفوفهم وأثبتوا قدرتهم على تحدي السلطة الكلولونيالية من خلال الإضرابات، لم يقم الحزبان الكبيران بأي محاولة لكسب تأييدهم للقضية الوطنية.
لقد حالت العلاقة الوثيقة بين الحزبين الرئيسيين والطائفتين الدينيتين الكبيرتين في السودان دون نشوء روابط وثيقة (أو حتى مجرد تعاون) بين هذين الحزبين والحركة العمالية. فقد ظل الحزبان الكبيران يعتمدان على الولاء المطلق الذي (كانت) تحظى به الطائفتان عند قطاعات واسعة من السكان، باعتباره مصدراً جاهزاً ومخلصاً لدعمهما سياسياً. وبالإضافة لذلك، فمن المرجح جداً – وإن لم يكن من المؤكد – أن ولاءات القواعد العريضة لأعضاء النقابات العمالية (الذين كانوا قد تحرروا حديثاً من الروابط القبلية) كانت لا تزال موجهة نحو الزعماء الدينيين والقبليين. ومما يعزز هذا التفسير ما ذكرته جوان ديفيز J. Davies (2) من أن “الأحزاب التي تقودها نخب، سواءً أكانت من زعماء القبائل أو من الطبقة الوسطى الميسورة، كانت تميل إلى استبعاد النقابات باعتبارها مصدراً مهماً للقوة؛ إذ استمدت أحزاب مثل “مؤتمر شعوب الشمال” في نيجيريا أو “كاباكا يكاKabaka Yokka ” في أوغندا قوتها من النظام القبلي الراسخ …”.
إضافة لما سبق ذكره، فإن الأيديولوجيا المحافظة عند الأحزاب التقليدية (وما اتسمت به من غياب ملحوظ للأفكار الاشتراكية) لم تساعد في توجيه اهتمامها نحو أهمية التنظيم العمالي بحسبانه أداةً سياسية محتملة. وربما تعزز هذا التوجه بفعل القيم الاجتماعية السائدة التي تقلل كثيراً من مكانة العمل اليدوي والعمال اليدويين. وفي المقابل، أبدت الحركة الشيوعية السودانية اهتماماً كبيراً بنشوء الحركة العمالية وتطورها، وأفلحت في إقامة علاقات متينة مع “اتحاد نقابات عمال السودان” منذ تأسيسه عام 1951م، مما مكنها من ممارسة تأثير كبير على سياساته، خاصةً فيما يتعلق بمشاركته في النضال الوطني. لقد كان من الطبيعي أن يبدي الشيوعيون السودانيون اهتماماً بالتنظيم العمالي وأن يسعوا للتأثير (إن لم يكن للسيطرة) عليه؛ إذ أنهم ينظرون إلى أنفسهم باعتبارهم “حزب الطبقة العاملة”، ويرون في النقابات العمالية أدوات لا غنى لهم عنها ضمن ترسانتهم النضالية. وجاء في صفحة 50 من دستور الحزب الشيوعي السوداني (الصادر باللغة العربية بالخرطوم عام 1967م) ما مضمونه التالي:
“كما يؤكد الحزب الشيوعي السوداني دوره باعتباره طليعة الطبقة العاملة ومعلّمها؛ إذ يرى الحزب نفسه كياناً يضم في صفوفه طليعة الجماهير الثورية، ويعمل – من خلال التدريب النظري والعملي والنشاط الثوري المتواصل – على إعداد قادة قادرين على إرشاد الطبقة العاملة لدورها التاريخي…”.
لم تتحدد بعد تفاصيل الدور الدقيق الذي أداه الشيوعيون في نشأة الحركة العالمية السودانية. غير أن غالب المصادر المتوفرة تشير إلى أنهم نشطوا في مجال التنظيم والنضال من أجل الاعتراف بـ “هيئة شؤون العمال”. ودرج الشيوعيون على المبالغة في القول بأن الحزب الشيوعي السوداني هو وحده من تولى تنظيم الحركة العمالية في السودان. غير أن هاشم السعيد السكرتير السابق لـ “هيئة شؤون العمال”(3) كان أكثر تواضعاً عندما ذكر التالي لكاتب هذا المقال (أثناء جمعه للمعلومات عن موضوع أطروحته. المترجم): أن الشيوعيين “قد ساعدوا في إرشاد العمال لسبب وطبيعة مشاكلهم. وساعدوهم بشدة في عمليات التنظيم والتعبئة، وقاموا بدراسات حول ظروفهم الاقتصادية، وأفلحوا في توجيه حركتهم نحو النضال ضد الكولونيالية”.
وأكد بعض قادة الحركة العمالية من غير الشيوعيين على دور الشيوعيين في قيام الحركة العمالية، غير أن بعضاً من أولئك القادة (مثل الطيب حسن إبراهيم، أول سكرتير لـ “هيئة شؤون العمال بالسكة حديد)”(4) كان قد ذكر للكاتب في مقابلة شخصية معه أن وجود الشيوعيين في قيادة الحركة كان يمثل مصدراً للإِلْهاء (distraction)، إن لم يكن الضرر.
في غياب أدلة أكثر وضوحاً، تظل الحقيقة الوحيدة الثابتة بشأن العلاقات الباكرة بين الحركة العمالية والشيوعيين هي أن الشيوعيين شاركوا بفاعلية في النضال من أجل تنظيم “هيئة شؤون العمال” وانتزاع الاعتراف بها. ونجحوا – على الأقل – في زرع بذور عمل نقابي له طابع سياسي، وفي تكوين كادر صغير من الشيوعيين المدربين داخل الحركة العمالية، وهو ما مهد الطريق دون ريب للتأثير في “اتحاد نقابات عمال السودان” عند تأسيسه في أواخر عام 1950م.
ولا تزال طبيعة العلاقة بين الشيوعيين و”اتحاد نقابات عمال السودان” تنتظر التحقيق والتدقيق. غير أنه هناك ما يكفي من الأدلة لتبيان أن الشيوعيين كانوا على صلة وثيقة بذلك الاتحاد. وربما كان انتخاب الشفيع أحمد الشيخ (وهو أحد القياديين الشيوعيين والمناضلين المخضرمين) من أجل تأسيس “هيئة شؤون العمال” يمثل أوضح دليل على قوة النفوذ الشيوعي داخل الاتحاد. وبالإضافة لذلك، كانت الإدارة الكلولونيالية تؤمن بأن “اتحاد نقابات عمال السودان” قد وقع بالفعل تحت هيمنة الشيوعيين. ووصف التقرير السنوي لمصلحة العمل لعامي (1952 -1953م) قادة “هيئة شؤون العمال” بأنهم “من الشيوعيون الذين لا يخفون انتمائهم”. وذكر الإداري البريطاني هندرسون K.D.D. Henderson في صفحة 99 من كتابه “جمهورية السودان Sudan Republic” الصادر عام 1965م أن الشيوعيين كانوا بنهاية عام 1951م قد هيمنوا على “هيئة شؤون العمال” تماماً. غير أن سعد الدين فوزي (في كتابه عن الحركة العمالية بالسودان) كان له رأي أكثر اعتدالاً وواقعية، يرفض فيه فكرة “هيمنة الشيوعيين” ويعتقد بأنه “كان هناك شكل من أشكال الاتصال بين بعض قادة اتحاد العمال والشيوعيين المحليين لتبادل الآراء والخطوط العريضة للسياسة المتفق عليها …”.
اتحاد نقابات عمال السودان والكيانات السياسية الوطنية
بغض النظر عن التَجَادُل المذكور آنفاً حول طبيعة العلاقة بين “اتحاد نقابات عمال السودان” والشيوعيين، فمن الجلي أن الشيوعيين أدوا دوراً حاسماً في تحديد دور الاتحاد في معترك السياسة الوطنية. ويظهر ذلك بوضوح في التشابه اللافت بين استراتيجية وتكتيكات التنظيمين؛ ففي مؤتمره السنوي الأول الذي انعقد في ديسمبر من عام 1951م، عدّل الاتحاد دستوره من أجل تحديد دوره السياسي بعبارات تكاد تتطابق تماماً مع الخط السياسي الشيوعي الذي أتينا على ذكره في الجزء الأول من هذه الورقة. وقد جاءت الأهداف الجديدة على النحو التالي:
1/ القضاء الفوري على الكلولونيالية في السودان بكافة أشكالها: الاقتصادية والسياسية والإدارية والعسكرية.
2/ انتزاع حق السودان في تقرير مصيره في أجواء تخلو من التأثيرات الأجنبية.
3/ عدم التعاون بتاتاً مع النظام الكلولونيالي.
4/ توحيد الشعب السوداني في جبهة موحدة تضم المجموعات السياسية وغيرها ممن تتقارب أهدافهم السياسية مع أهداف الاتحاد.
وبُرِّرَتْ إجازة تلك الأهداف السياسية في صفحتي 50 -51 في تقرير “اتحاد نقابات عمال السودان” الصادر في 1951 -1952م بناءً على الأسباب التالية:
“لقد أثبت نضال حركتنا العاملة بأن المطالبة بأوضاع اقتصادية واجتماعية أفضل، وأمل العيش في حياة يسودها السلم والازدهار، ليس أمامه من عائق سوى هذا النظام الامبريالي الذي يحكم بلادنا. لذا، فإننا نرى، في التحليل النهائي، بأن أهدافنا لن تتحقق حتى يُطْرَدُ هذا النظام الامبريالي من بلادنا”.
وكما ذكرنا سابقاً، نظّم الشيوعيون “جبهة موحدة لتحرير السودان” بهدف توحيد كافة القوى “التقدمية” في النضال ضد الكولونيالية. وقد كان “اتحاد نقابات عمال السودان” عضواً فاعلاً في هذه الجبهة، إذ قدّم عدداً من قادته البارزين وشارك في تنظيم مسيرات ومظاهرات. وبالإضافة لذلك، عمل الاتحاد على تشكيل “لجان عمالية وطنية” لتنظيم وحشد العمال على المستوى المحلي. غير أنه رغماً عن تأسيس عدد قليل من تلك اللجان، إلا أن المعلومات المتاحة شحيحة فيما يتعلق بمدى فَلاَحها في تحقيق أهدافها.
وكما ذكرنا آنِفاً، حُسِمَ مصير “الجبهة” بموجب الاتفاقية الإنجليزية – المصرية لعام 1953م (المعروفة باتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير. المترجم) التي وعدت بمنح السودانيين حق تقرير مصيرهم في غضون ثلاثة أعوام. أما من عارض تلك الاتفاقية من شيوعيين (وغيرهم) فقد كانوا – بتلك المعارضة – مخالفين للمشاعر الوطنية، إذ لم يظفروا بدعم من أي جهة سوى “اتحاد عمال السودان”، الذي حاول تنظيم إضراب عام لإبراز معارضته لتلك الاتفاقية. غير أن ذلك الإضراب لم يُنْفَذْ، بل اِضْطَرَّ الاتحاد إلى الإعلان عن أن لكل عامل الحق في تبني آرائه السياسية الخاصة.
وهكذا، فإن أي عمل سياسي مباشر ساهم به الاتحاد في النضال الوطني كان قد نُفِّذ في إطار الاستراتيجية والتكتيكات الشيوعية، مما يعني – في التحليل الأخير – أن تلك الجهود كانت قد بُذلت إلى حد كبير خارج التيار الرئيس للحركة الوطنية.
غير أن كل ما ذُكِرَ ينبغي ألا يُعَدُّ انتقاصاً من الدور الذي أدته الحركة العمالية ككل في المساهمة النضال الوطني عبر الإضرابات. وما من شك في أن الإضراب الذي نفذه عمال السكة حديد لنيل اعتراف السلطات بنقابتهم في يوليو من عام 1947م، وأضرابي يناير ومارس عام 1948م من أجل زيادة المرتبات قد ساهموا في الاضرار بهيبة الإدارة الكلولونيالية، وأَسْهَموا أيضاً بذلك في تقويض هالة “المنعة والشوكة التي لا تُقهر” التي كانت تُميّز النظام الكلولونيالي، مما منح القوى الوطنية ثقةً كانت هي في مَسِيسِ الحاجة إليها في تعاملها مع ذلك النظام الكلولونيالي. وبالإضافة لذلك، نظّم اتحاد عمال السودان عدداً من الإضرابات ذات الطابع السياسي في غضون عام 1951م، مثل ذلك إضراب “الحريات” الذي نُظِمَ احتجاجاً على تعديل دستوري منح الحاكم العام صلاحية إعلان حالة الطوارئ عند وقوع إضرابات أو طوارئ أخرى. وقد خلقت تلك الإضرابات مناخاً عاماً من الاضطراب السياسي، ساهم دون ريب في تعزيز القضية الوطنية ودفعها للأمام (5).
الخلاصة
كما ذكرنا في مقدمة هذه الورقة (في الجزء الأول من ترجمة هذا المقال المترجم)، فإن طبيعة مشاركة العمال في النضال الوطني قد تحمل أهمية بالغة نظراً للدور الذي أدته الحركة العمالية في مرحلة ما بعد الاستقلال. ففي دول مثل غينيا وتنزانيا، حيث كانت الحركة العمالية حليفاً وثيقاً للحزب الوطني الرئيسي – وإن لم تكن مندمجة معه تماماً – لم يكن من العسير (بل كان أمراً طبيعياً في بعض الأحيان) دمج الحركة العمالية في هياكل الحزب والحكومة عقب الاستقلال. أما في السودان، وكما ذكرنا آنفاً، فقد تحالفت الحركة العمالية – على مستوى الاتحاد العام لعمال السودان على الأقل – مع حركة تمثل أقلية (وهي الحركة الشيوعية)، مما أدى إلى أن تكون مشاركتها المباشرة في السياسة الوطنية هامشية عند المقارنة بالتيار الرئيسي للحركة الوطنية بالسودان. ولذا، لم يكن من المستغرب أن وجدت الحركة العمالية السودانية نفسها تؤدي دور المعارضة السياسية للأنظمة التقليدية في السودان بعد نيله للاستقلال. ولم تقتصر تداعيات هذا الواقع على مسار الحركة العمالية فحسب، بل أثبت أنه عامل متغير ومهم في ديناميات التطور السياسي في البلاد.
*
إحالات مرجعية
1/ أستشهد الكاتب هنا بما جاء في صفحة 56 من كتاب بالإنجليزية عنوانه: “الحركة العمالية في السودان. 1946 – 1955م” لدكتور سعد الدين فوزي.
2/ جوان ديفيز (1936 – 2000م) أكاديمية بريطانية (من ويلز) تخصصت في الاجتماع، وعُرفت بكتاباتها المهمة عن الحركة العمالية في أفريقيا.
3/ للمزيد عن القائد العمالي هاشم السعيد يمكن النظر في مقال لتاج السر عثمان (https://shorturl.at/lIQ3h)، ومقال آخر لعبد الله على إبراهيم (https://shorturl.at/YCiAu).
4/ يمكن النظر في هذا الرابط لمقال عبد الله علي إبراهيم عن القائد العمالي الطيب حسن https://shorturl.at/bga6s .
5/ في هذا المقال سرد للإضرابات التي نُفِذَتْ إبان سنوات الحكم الثنائي بالسودان https://sl1nk.com/6o19ab7
sudanzebra@gmail.com
