زين العابدين صالح عبد الرحمن
تابعت قراءة الست مقالات التي كان قد كتبها الصديق الدكتور صديق الزيلعي بعنوان” دعوة للحوار حول قضايا اليسار” و كل مقال تضمنت أطروحة نقدية مثل ” المركزية الديمقراطية و رفض التحالف بسبب الأخطاء و لن نتحالف مع قوى الهبوط الناعم، لماذا اتمسك بعضوية الحزب الشيوعي و غيرها من الموضوعات” و الزيلعي يعتبر أحد مؤسسي “منبر أفاق جديدة” للحوار الفكري، حيث أجرى المنبر سلسلة من المراجعات الفكرية للأحزاب السودانية.. و كنت شخصيا قد تحدثت في المنبر عن ” الفكر الإتحادي و تاريخيته” و أيضا الزيلعي يشرف على إصدارة ” قضايا فكرية” و من هنا يحاول الدكتور صديق الزيلعي أن يقدم أطروحاته النقدية.. و لأنه عضو في الحزب الشيوعي يصبح محكوم باللوائح الحزب، التي لا تسمح للعضوية الحزب طرح موضوعات فكرية و مناقشتها خارج منابر الحزب، و حتى داخل الحزب غير مسموح بفتح حوار مع عضوية الحزب لمناقشة رؤية فردية..
اعتمد صديق الزيلعي في فتح حواره الفكري لمقولة قالها الأستاذ صديق يوسف أحد اعممدة الحزب التاريخية، في لقاء كانت قد أجرته معه صحيفة ” صوت الأمة” قال صديق ( رؤيتنا تقوم على ضرورة جلوس جميع الأطراف معا لمناقشة القضايا المتفق عليها، تمهيدا للوصول إلي تسوية توقف الحرب و تفتح الطريق أمام حل سياسي شامل) و استعانة صديق الزيلعي بكلمة الأستاذ صديق جعلها كأنها تبريرا لمشاركته في ورشة نيروبي الأولى و الثانية.. رغم إن صديق بين إنه ذهب للورشة تلبية لدعوة كانت قد قدمت إلي ” مجلة قضايا فكرية و مركز أفاق” الذان يشرف عليهما صديق الزيلعي.. لكن مشاركت الزيلعي في الورشتين باعتباره مندوب و ليس عضوا في الحزب الشيوعي.. حسب ما جاء في المقالات، و قد أثارت مشاركته كما يقول عاصفة من الانتقادات و الاتهامات و التحليلات الخارجة من بطون الكتب التي لا تقرأ واقع السودان اليوم..
أفتتح صديق الزيلعي مقالاته بمقولة جاءت في المقال الأول يقول فيها (ختمرت فكرة الدعوة للحوار اليساري، في ذهني لبعض الزمن. حالت عوامل عديدة وانشغالات ضاغطة على تأجيلها. وقررت ان تكون حوار مفتوح بمناسبة مرور ثمانية عقود من الزمن على تأسيس الحزب الشيوعي. وجاءت ورشة نيروبي، واشتراكي فيها بتكليف من مجلة قضايا فكرية، ثم حملة الهجوم على، التي اعقبتها. فاعتقدت انه من الأسلم الانتظار قليلا، لان الحملة ستحرف النقاش، من القضايا المبدئية وتحوله لقضايا شخصية واتهامات. وحتى عندما تفاكر أعضاء تيم مجلة قضايا فكرية، لإصدار بيان لتوضيح انني ذهبت ممثلا لهم، وما طرحته هو رأيهم. اقترحت عدم اصدار أي بيان حتى لا تمس الاتهامات استقلالية المجلة. المجلة مستقلة تماما، لا تعادي أي طرف سوداني، كما لا تتبع لاي طرف سوداني، همنا الأساسي، خلق منبر للحوار الفكري العقلاني. وتجربة اكثر من عام أوضحت اننا فتحنا، صفحات المجلة لكل الآراء، بلا تحيز لاي فكر او منهج أو رؤية( لكن نسأل صديق نفسه أية حوار سياسي تاريخيا كان قد يقبله الحزب الشيوعي من عضويته؟ و خاصة بأن يكون الحوار خارج سياقات الحزب؟ و صديق الزيلعي يعلم إنه ليس عضوا عاديا في الحزب، و وجوده في الورشة يشير انطباعيا بأنه يمثل الحزب الشيوعي، و تصبح هناك قضيتين في أطروحات صديق الزيلعي هي موقفه من ” ممارسة الحق الديمقراطي للعضو في المشاركة باعتباره صاحب رأي” و القضية الأخرى الموانع التي يضع الحزب لعدم مشاركة الأعضاء بموجب أداة التوقيف المانعة للمارسة الديمقراطية ” المركزية الديمقراطية”..
استشهد الزيلعي في إحدى المقالات، بحوار فكري كان قد أجراه سكرتير الحزب الشيوعي في ذلك الوقت عبد الخالق محجوب مع عدد من قيادات الحزب الذين كانوا يختلفون معه في الرأي، و عبد الخالق عندما قبل محاورت ” عمر مصطفى المكي و أحمد سليمان” كان يعلم إن أية ممارسة أخرى ضد هذه العضوية سوف تحدث انشقاقا طوليا في الحزب، خاصة أن الأثنين كانا قد أطلقا مصطلحا جديدا هو ” الديمقراطيون الثوريون” و عبد الخالق كان يعلم هي دعوة لاستخدام الكادر الشيوعي في الجيش بالقيام بإعملية انقلابية، لذلك فضل الحوار من عملية إبعادهم لأنه ما كان يعلم حدود الدعم للمصطلح ” الديمقراطيون الثوريون” داخل الحزب.. و لكن عبد الخالق نفسه أطاح بإثنين عندما إختلفا معه زين العابدين عبد الوهاب في ” الحركة الوطنية للتحرر” و عوض عبد الرازق في ” الجبهة المعادية للإستعمار” و القضية الآن اختلفت تماما..
كان صديق الزيلعي جزءا من الحوار الذي أجري داخل الحزب الشيوعي بعد سقوط حائط برلين و سقوط الاتحاد السوفيتي، عندما قدم الخاتم عدلان أطروحته ” أن أوان التغيير” و هي أيضا كانت دراسة ناقدة لذات القضايا التي يطرحها اليوم الدكتور صديق الزيلعي، و قدم الخاتم استقالته عن الحزب في اعتقاده، أن القيادات الاستالينية في الحزب لا تستطيع قبول الحوار و لا نتائجه.. أما الدكتور الشفيع خضر الذي كان متفقا مع أطروحة الخاتم لكن كان يرى عدم الخروج من الحزب، و إدارة الصراع الفكري داخل الحزب رغم ذلك تم طرده رغم تبرئته من كل الاتهامات التي قدمتها القيادات الاستالينية في الحزب.. فهل صديق الزيلعي يعتقد أن له حصانة داخل الحزب من الفصل أو التجميد عندما يطرح قضايا تشكل خطرا على القيادات الاستالينية..
إن القيادات الاستالينية لا تعرف المقولة التي استشهد بها صديق بقول الأديب الألماني يوهان ولفغاونغ غوته ( النظرية رمادية يا صديقي، و لكن شجرة الحياة الذهبية خضراء إلي الأبد) لا اعتقد إن شجرة السياسة و الفكر داخل الحزب الشيوعي خضراء، و لا عند الذين تثقفوا بالماركسية.. إذا رجعنا للذين خرجوا من الحزب الشيوعي و هم محملين بالثقافة الماركسية و الثورية و الصراع الطبقي، و اسسوا أحزابا أخرى لم ينجحوا، تابع منذ مجموعة مختار عبيد و المجموعة التي خرجت داعمة لنميري و حشود و مجموعة حق التي أسسها الخاتم.. كل هؤلاء تطاردهم لعنة الاستالينية التي كانت مناهضة لأية عملية ديمقراطية.. نعود مرة أخرى للزيلعي في مقالاتأخرى.. نسأل الله البصيرة..
