زهير عثمان
ردٌّ على مقال الدكتور الوليد آدم مادبو: بين مراجعة التراث وضرورة الإنصاف
الأخ الدكتور الوليد،
تحية طيبة، وبعد..
أقدر فيك هذه الجرأة الفكرية، فالثقافات لا تتجدد إلا إذا استطاعت مساءلة رموزها ومراجعة ثوابتها. بيد أنني أجدُ في مقالك حول العلامة الدكتور عبد الله الطيب ما يستوجب التوقف، ليس دفاعاً عن “وثن” – كما أسميته – بل دفاعاً عن موضوعية النقد؛ إذ يبدو لي أن مقالك، رغم لغته الرصينة، قد انزلق إلى إسقاطات أيديولوجية تُحاكم التاريخ بعين “اللحظة الراهنة”، مما جعل القراءة تبتعد عن التقييم الأدبي والتاريخي المتوازن، لتقترب من “تفكيك الهيمنة” بطريقة تبدو في جوهرها اختزالية
أولاً- المعرفة كـ “جهاز هيمنة” أم كـ “رصيد حضاري”؟
إن توصيفك لمشروع عبد الله الطيب كـ “جهاز إنتاج للشرعية” أو “أداة هيمنة” يخلع على الجهد الأكاديمي واللغوي أبعاداً سياسية تضيق على العالِم
عبد الله الطيب (1921-2003) لم يكن مهندساً لاجتماع سياسي بقدر ما كان موسوعة إنسانية؛ نشأ في “خلوة”، وتدرج في أرقى الجامعات (لندن)، وحمل على عاتقه مهمة كانت تبدو مستحيلة في عصره – ربط السودان بـ “المدونة العالمية” للعربية من خلال “المرشد إلى فهم أشعار العرب”
هل كان هذا فعلاً سياسياً إقصائياً؟ أم كان محاولة لتثبيت أقدام الثقافة السودانية في محيطها العربي الذي يشكل أحد روافدها الأساسية؟ السودان ليس قسرياً في هويته، بل هو نتاج تفاعل عميق، وإبراز أحد هذه الروافد (العربي-الإسلامي) ليس “عنفاً”، بل هو إثراءٌ لعمقٍ تاريخي لا يمكن تجاوزه بقرار أيديولوجي
ثانياً – اللغة بين الاتباع.. والجماليات
استنادك إلى أدونيس في نقد “التبعية الكلاسيكية” في قصيدة “الطريق إلى سمرقند” هو نقد أدبي مشروع، لكنه يغفل أن التراث العربي –بكل ما فيه– هو “لغة حية” لكثير من المبدعين العرب
لم تكن اللغة عند عبد الله الطيب “ميتة” بقدر ما كانت محاولة لاسترداد “سيادة لغوية” في زمن كان فيه الانبهار بالآخر أو السقوط في رطانة الحداثة المشوهة هو السائد
أما احتفاؤه بالعامية، فلم يكن لتأكيد المركزية، بل كان تقديراً للعبقرية اللغوية السودانية التي يراها امتداداً لا انقطاعاً
إن نقد اللغة من زاوية “الملاءمة للسياق” عند تشومسكي قد يصيب في الجانب التواصلي، لكنه يعجز عن فهم “الجماليات المتعالية” التي كان عبد الله الطيب يراها جزءاً من كينونة الإنسان الثقافية
ثالثاً – الهوية.. صراع الرموز أم تركيب الروافد؟
تضعنا أمام ثنائية صراعية (عربي vs أفريقي)، وهو ما أراه اختزالاً لا يشبه تعقيدات الواقع السوداني , استدعاء تاريخ “النجاشي” أو الجذور العربية ليس “استعارة”، بل هو قراءة في التاريخ السوداني الذي عاش قروناً من التمازج. إن مقارنتك بينه وبين “شيخ أنتا ديوب” مثيرة، لكنها غير دقيقة؛ فديوب كان في سياق “استرداد الهوية المغتصبة” من الاستعمار، بينما كان عبد الله الطيب في سياق “التأصيل” في هوية يراها حاضرة ومستمرة
أن تحويل التاريخ إلى “أنساب متخيلة” للطعن في المشروع الثقافي هو نقدٌ يغفل أن كل الهويات الوطنية (بما فيها هوية كوش ومروي) تحتاج إلى “سردية” لترسيخ نفسها، وليست السرديات العربية هي الوحيدة التي تتعرض للمساءلة
رابعاً -وهنا السؤال الأخلاقي.. هل كانت المعرفة معزولة؟
إن مسألة “موقعه في بنية الهيمنة” تبدو لي هنا إقحاماً للسياسي في ما هو معرفي. هل كان يتوجب على العلامة في الخمسينيات والستينيات أن يتبنى أجندة “المركز والهامش” –بمفهومها المعاصر– ليكون مثقفاً “أخلاقياً”؟ إن رسائله لطه حسين كانت جزءاً من “الاعتراف المتبادل” في حقبة كان المثقف فيها يرى في القاهرة أو لندن بوصلة معرفية، وليس “استلاباً”
إننا نحاكم الجد بمقاييس الحفيد، وهذا –أكاديمياً– يخل بأمانة القراءة التاريخية
إن عبد الله الطيب لم يضيّق “فكرة السودان”، بل جعلها صوتاً مسموعاً في فضاء الثقافة العربية والعالمية. لقد كان مشروعاً تنويرياً في زمانه، ومن الظلم التاريخي تحويل إسهاماته الجليلة إلى “أدوات هيمنة”
النقد مطلوب، دكتور وليد، ولكن نقد الأصنام لا ينبغي أن يتحول إلى صنمٍ جديد للرفض الإيديولوجي لكل ما هو عربي أو تراثي
إن الثقافة السودانية أحوج ما تكون إلى “بناة” يجمعون روافدها (عربية وأفريقية) في هوية تركيبية واسعة، بدلاً من تكريس ثقافة الهدم التي تجعل من النقد السياسي “نصلاً” يقطع أوصال الذاكرة الثقافية
مع تقديري لجهدك الفكري، ومحبتي الخالصة لهذا السودان الذي يتسع للجميع.
zuhair.osman@aol.com
