إذا صحت الأنباء المتداولة عن تعليق عقوبة المهاجم الأمريكي فلوران بلوقان والسماح له بالمشاركة بعد طرده في مباراة الولايات المتحدة والبوسنة بسبب تدخل ترمب لدى رئيس الفيفا، فإن القضية تتجاوز لاعبًا أو مباراة، لتطرح سؤالًا أكبر: هل ما زالت لوائح الفيفا تُطبق على الجميع بالقدر نفسه، أم أن موازين القوة السياسية والاقتصادية أصبحت قادرة على تطويعها؟
لقد بنت الفيفا صورتها لعقود على أنها مؤسسة مستقلة لا تخضع لضغوط الحكومات، غير أن الشكوك التي صاحبت هذه القضية تعيد إلى الأذهان سجلًا طويلًا من الاتهامات التي لاحقت الاتحاد الدولي، بدءًا من قضايا الفساد، مرورًا بازدواجية تطبيق اللوائح، وانتهاءً بتغليب المصالح التجارية والسياسية على مبدأ العدالة الرياضية. وعندما يشعر الجمهور بأن القانون يمكن أن يتغير وفقًا لهوية المنتخب أو حجم الدولة أو نفوذها، فإن أول الخاسرين هو مصداقية اللعبة نفسها.
والمفارقة اللافتة أن بلوقان يمثل الولايات المتحدة بفضل حصوله على الجنسية الأمريكية بالميلاد، لأنه ولد في بروكلين لأبوين نيجيريين. وهذه الحقيقة تكشف تناقضًا سياسيًا واضحًا؛ فالتيارات التي تهاجم حق المواطنة بالميلاد وتدعو إلى تقييده، لا تجد حرجًا في الاحتفاء به عندما يخدم المنتخب الوطني ويعزز فرصه في المنافسة. وكأن المبادئ تصبح قابلة للتغيير عندما تتعارض مع المصلحة السياسية أو الرياضية.
وإذا كان بعض السياسيين يسارعون إلى الظهور في لحظات الانتصار الرياضي، فلأن الرياضة أصبحت أداة فعالة لتعبئة المشاعر الوطنية وحشد الجماهير. فالسياسي يدرك أن صورة واحدة وهو يحتفل بانتصار المنتخب قد تحقق له من المكاسب الشعبية ما لا تحققه عشرات الخطب والبرامج السياسية.
وهنا تتجلى ظاهرة ما يسميه علماء الاجتماع بـ”الاندماج في الحشد”، حيث يذوب الفرد في الجماعة ويستمد من انتصارها شعورًا بالقوة والانتماء. وليس في ذلك ما يعيب، فحب الرياضة والانفعال بنتائجها جزء من الطبيعة الإنسانية. لكن الخطورة تبدأ عندما تتحول هذه المشاعر إلى أداة توظيف سياسي، أو إلى وسيلة لصرف الأنظار عن القضايا الحقيقية التي تواجه المجتمعات.
وليس هذا المشهد حكرًا على الولايات المتحدة؛ فهو يتكرر في أنحاء كثيرة من العالم، بما في ذلك العالم العربي والإسلامي، حيث تتحول الانتصارات الرياضية أحيانًا إلى مناسبات لتضخيم الشعارات الوطنية، بينما تبقى ملفات التنمية والعدالة والإصلاح مؤجلة.
إن كرة القدم كانت يومًا لعبة للفقراء قبل أن تصبح صناعة بمليارات الدولارات، وكانت تعبيرًا عفويًا عن شغف الجماهير قبل أن تتحول إلى ساحة تتقاطع فيها مصالح السياسة والمال والإعلام. وإذا كانت قضية بلوقان قد أثارت كل هذا الجدل، فلأنها تمس سؤالًا أكبر من نتيجة مباراة: هل ما زالت العدالة الرياضية هي التي تحكم كرة القدم، أم أن النفوذ أصبح قادرًا على إعادة كتابة اللوائح كلما اقتضت المصلحة؟
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
