المؤسسات لا تموت لأنها أخطأت دائماً، بل لأنها تواصل الإجابة عن أسئلة لم يعد أحد يطرحها
ليست أزمة الأحزاب السياسية في السودان استثناءً من أزمة عالمية أوسع، بل هي جزء من تحوّل تاريخي عميق تشهده السياسة منذ نهاية القرن العشرين. فما نراه اليوم من تراجع الأحزاب العقائدية، وانخفاض عضويتها، وتآكل قدرتها على التعبئة، ليس ظاهرة سودانية خالصة، وإنما أحد تجليات الانتقال من عالم إلى آخر؛ من مجتمع الصناعة إلى مجتمع المعرفة، ومن التنظيم الهرمي إلى الشبكات المفتوحة، ومن السياسة التي تحتكرها النخب إلى السياسة التي يصنعها المواطن في كل لحظة
من هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد لماذا تراجعت الأحزاب التقليدية؟ بل أصبح- هل ما زالت الأحزاب التي وُلدت في القرن العشرين قادرة على فهم مجتمع القرن الحادي والعشرين؟
لقد نشأت معظم الأحزاب العقائدية الكبرى في سياق تاريخي مختلف تماماً عن عالمنا الراهن , و كان المجتمع أكثر استقراراً، والمعلومات نادرة، ووسائل الاتصال محدودة، وكانت القيادة تمتلك أفضلية معرفية واضحة على قواعدها
لذلك بدت المركزية في اتخاذ القرارات ، والانضباط التنظيمي الصارم، والتسلسل الهرمي، أدوات منطقية وفعالة في إدارة التنظيم والحفاظ على وحدته
غير أن البيئة التي أنتجت تلك الصيغ التنظيمية تبدلت جذرياً , فلم تعد المعرفة حكراً على القيادات، ولم تعد المعلومة تنتقل من الأعلى إلى الأسفل، بل أصبحت تُنتج بصورة جماعية داخل فضاء رقمي مفتوح، يشارك فيه الجميع في صناعة الرأي، وتحليل الأحداث، وتبادل الخبرات
ولم يعد العضو الحزبي ينتظر النشرة الداخلية ليعرف ما يجري، بل أصبح جزءاً من تدفق عالمي للمعلومات، يتيح له المقارنة والنقد وصياغة موقفه بصورة مستقلة
لقد غيّر هذا التحول مفهوم السلطة ذاته. ففي الماضي كانت السلطة تُبنى على احتكار المعرفة، أما اليوم فإن مشروعيتها تتأسس على قدرتها على إدارة المعرفة، وبناء الثقة، واحتضان الاختلاف. ولذلك أصبحت القيادة التي لا تستمع أكثر مما تتحدث، أو التي تعتبر النقد تهديداً لا فرصة، تفقد مشروعيتها تدريجياً، مهما كانت شرعيتها التنظيمية أو تاريخها النضالي
وفي الوقت نفسه، تغيّر المجتمع نفسه لذلك فلم تعد الانتماءات السياسية تُختزل في الموقع الطبقي وحده، بل أصبحت تتقاطع مع أسئلة الهوية، والحقوق، والبيئة، والتحول الرقمي، والمواطنة، والعدالة الاجتماعية، والاقتصاد المعرفي، والعولمة
وهي قضايا لم تكن هامشية، بل أصبحت تشكل الوعي السياسي للأجيال الجديدة، وتحدد أولوياتها، وتعيد تعريف معنى المشاركة العامة
ومع ذلك، لا تزال أحزاب كثيرة تناقش العالم بلغة تعود إلى مرحلة الحرب الباردة، وتخوض معارك الأمس بأدوات الأمس، وتراجع لوائحها ببطء، بينما يتحرك المجتمع بسرعة غير مسبوقة
والأسوأ من ذلك أنها كثيراً ما تتعامل مع التحولات الكبرى بوصفها انحرافات مؤقتة، لا باعتبارها بداية عصر سياسي جديد
إن الأزمة التي تواجه الأحزاب اليوم ليست أزمة قيادات، ولا أزمة أشخاص، ولا حتى أزمة برامج انتخابية بالرغم إنها، في جوهرها، أزمة نموذج فكري وتنظيمي
ونموذج نجح في ظروف تاريخية محددة، لكنه يواجه اليوم واقعاً مختلفاً بصورة جذرية والذي اري أن الخلل لا يكمن في تاريخ هذه الأحزاب، فلكل منها إسهاماته الوطنية والفكرية التي لا يمكن إنكارها، وإنما في الاعتقاد بأن الصيغة التي نجحت قبل نصف قرن ما تزال قادرة، دون مراجعة أو تطوير، على تفسير الحاضر وصناعة المستقبل
إن الدعوة إلى التجديد ليست دعوة إلى القطيعة مع التاريخ، ولا إلى التنكر للتجارب السابقة، بل هي دعوة إلى استعادة الروح النقدية التي قامت عليها المشاريع الفكرية الكبرى في بداياتها. فالأفكار لا تبقى حية لأنها تكرر نفسها، وإنما لأنها تمتلك الشجاعة لمراجعة ذاتها باستمرار
والتنظيم الذي يخشى النقد، أو يعامل الاختلاف باعتباره تهديداً، يبدأ من حيث لا يدري في الابتعاد عن المجتمع الذي يسعى إلى تمثيله
من هنا تنطلق هذه السلسلة
فهي لا تستهدف حزباً بعينه، ولا تقدم وصفة جاهزة للإصلاح، وإنما تحاول أن تفتح نقاشاً حول سؤال أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: كيف يمكن إعادة بناء التنظيم السياسي في عصر المعرفة الرقمية، والمجتمع الشبكي، والديمقراطية التشاركية؟
ويزداد هذا السؤال إلحاحاً في السودان اليوم، حيث لا تلغي الحرب، وانهيار مؤسسات الدولة، وتفكك المجال العام، الحاجة إلى التجديد، بل تفرضها بقسوة. فالأوطان التي تنهار لا يعاد بناؤها بالأدوات التي عجزت عن حمايتها، والتنظيم الذي لا يستطيع التكيف مع لحظة الانهيار، لن يكون قادراً على الإسهام في لحظة البناء
سيكون الحزب الشيوعي السوداني حاضراً في هذه السلسلة، لكن ليس بوصفه موضوعاً للمحاكمة أو تصفية الحسابات، وإنما باعتباره إحدى أهم التجارب الفكرية والسياسية في السودان، وتجربة تستحق أن تُقرأ بعين نقدية تبحث عن المستقبل أكثر مما تنشغل بالدفاع عن الماضي أو إدانته
فالمقصود من هذه السلسلة ليس إصدار الأحكام، وإنما المساهمة في إعادة طرح سؤال ظل مؤجلاً طويلاً = و كيف يمكن للأحزاب السودانية، وفي مقدمتها أحزاب اليسار، أن تستعيد قدرتها على قراءة المجتمع، وأن تتحول من مؤسسات ورثت الماضي إلى مؤسسات قادرة على صناعة المستقبل؟
وفي المقال القادم، سنعود إلى الجذور التاريخية لأحد أكثر النماذج التنظيمية تأثيراً في القرن العشرين، لنطرح سؤالاً لا يزال مفتوحاً: كيف وُلد النموذج اللينيني؟ ولماذا نجح في زمانه؟ وهل ما زالت الشروط التاريخية التي منحته تلك الفاعلية قائمة، أم أن الزمن قد فرض على السياسة أشكالاً جديدة من التنظيم والعمل؟
zuhair.osman@aol.com
