قالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، نزهت شميم خان، إن المحكمة تمتلك “أدلة ملموسة” تربط قادة قوات الدعم السريع بجرائم حرب ارتُكبت مؤخراً في إقليم دارفور السوداني.
وأضافت خان، في مقابلة مع بي بي سي، أن المحكمة أحرزت “اختراقاً” في تحقيقاتها بشأن المجازر التي استهدفت المدنيين في مدينتي الفاشر والجنينة.
وقالت: “قد يستغرق تحقيق العدالة وإيصال القضايا إلى المحكمة بعض الوقت، لكننا سنصل إلى ذلك”، مضيفة أن التحقيقات ربطت أيضاً قادة في قوات الدعم السريع بارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
ويُعد حصار مدينة الفاشر والسيطرة عليها أحد أكثر فصول الحرب الدائرة بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني دموية.
وتقول الأمم المتحدة إن أكثر من ستة آلاف شخص قُتلوا في مدينة الفاشر بعدما سيطرت عليها قوات الدعم السريع في أكتوبر/تشرين الأول من العام الماضي، فيما تتهم القوات شبه العسكرية بارتكاب مجزرة مماثلة في الجنينة.
وتنفي قوات الدعم السريع باستمرار مسؤوليتها عن تنفيذ عمليات قتل واسعة النطاق في أي منطقة من إقليم دارفور.
وفي تقرير أصدرته بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق الأربعاء، قالت البعثة إنها توصلت إلى أدلة على وقوع انتهاكات واسعة النطاق ارتكبها كل من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع خلال النزاع.
وأشار التقرير إلى أن مقاتلي قوات الدعم السريع مسؤولون عن معظم الهجمات المنهجية ضد المدنيين، ولا سيما في دارفور، حيث استُهدف أشخاص على أسس عرقية، وهو ما قد يرقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
وأضاف التقرير أن مقاتلي قوات الدعم السريع والجماعات المتحالفة معها ارتكبوا أيضاً انتهاكات جنسية شملت الاغتصاب والاغتصاب الجماعي والاستعباد الجنسي وأشكالاً أخرى من الاعتداءات، خلال سيطرتهم على مدينة الفاشر العام الماضي.
وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، في حديثها لبي بي سي، إن “لدينا الآن أدلة ملموسة تربط ما يحدث على الأرض، بأشخاص محددين في مواقع قيادية”.
إلا أنها لم تحدد إطاراً زمنياً لتوجيه اتهامات إلى المسؤولين عن الفظائع المرتكبة في الحرب، التي اندلعت في أبريل/نيسان 2023.
وأضافت: “لا يمكننا أن نقول كم سيستغرق الأمر، سواء كان سريعاً أو طويلاً، لكن يمكننا القول إن التقدم كان كبيراً وإننا حققنا اختراقاً”.
وتقع المحكمة الجنائية الدولية في مدينة لاهاي الهولندية، وهي محكمة دولية مختصة بمحاكمة المتهمين بارتكاب جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب.
وجاءت تصريحات خان بعد زيارة لمخيمات لاجئين في شرق تشاد، حيث استمعت إلى شهادات أشخاص فروا من القتال في دارفور ورووا لها ما تعرضوا له من انتهاكات.
وكان عشرات الآلاف قد أُجبروا على النزوح من منازلهم في الفاشر، فيما قالت الأمم المتحدة إن أعمال العنف هناك تحمل “سمات الإبادة الجماعية”.
وتنفي قوات الدعم السريع الاتهامات الواسعة بأن عمليات القتل في المدينة كانت ذات دوافع عرقية، وبأنها تأتي ضمن نمط يستهدف السكان غير العرب على يد القوات شبه العسكرية ذات الغالبية العربية.
وأكدت القوات أن حجم الفظائع قد جرى تضخيمه، لكنها أقرت بوقوع بعض الانتهاكات في المدينة.
وبعد وقت قصير من السيطرة على الفاشر، أعلن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو (حميدتي)، أن قواته تحقق في أي انتهاكات يُشتبه بوقوعها، مؤكدة في وقت لاحق أن التحقيق لا يزال مستمراً.
وفي سياق متصل، حذرت سفيرة المملكة المتحدة لحقوق الإنسان، إليانور ساندرز، مؤخراً من أن مدينة الأبيض قد تشهد فظائع مماثلة لتلك التي شهدتها الفاشر العام الماضي.
وكان مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قد أمر، يوم الاثنين، بإجراء تحقيق عاجل في الجرائم المزعومة التي ارتُكبت خلال القتال في مدينة الأبيض.
وتُحقق المحكمة الجنائية الدولية في مزاعم ارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور منذ أكثر من 20 عاماً، منذ موجة العنف التي شهدها الإقليم في العقد الأول من الألفية.
وقالت نائبة المدعي العام للمحكمة: “ما نراه اليوم هو أنماط من الانتهاكات تشبه إلى حد كبير تلك التي رصدناها قبل 20 عاماً، عندما أحال مجلس الأمن هذا الوضع إلينا للمرة الأولى”.
وأضافت أن تحقيقات المحكمة تستند إلى شهادات شهود وناجين، إلى جانب أدلة داعمة تشمل مقاطع فيديو وصوراً وأدلة جنائية.
وأسفرت التحقيقات السابقة عن توقيف سبعة أشخاص ورفع ست قضايا منفصلة أمام المحكمة بتهم تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
ومن بين المتهمين الرئيس السوداني السابق عمر البشير، الذي لا يزال خارج قبضة المحكمة بعدما أُطيح به في انقلاب عام 2019، ويُعتقد أنه محتجز في منشأة طبية مؤمنة داخل السودان.
كما صدرت مذكرات توقيف بحق أربعة متهمين آخرين، لكن لم يُلق القبض عليهم حتى الآن.
وفي العام الماضي، حكمت المحكمة بالسجن 20 عاماً على القيادي السابق في ميليشيا الجنجويد علي محمد علي عبد الرحمن، بعد إدانته بـ27 تهمة تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ارتُكبت في دارفور بين عامي 2003 و2004.
وكان عبد الرحمن من كبار قادة ميليشيا الجنجويد، وهي جماعة مسلحة مدعومة من الحكومة استهدفت مدنيين في دارفور من غير المنتمين إلى الأغلبية العربية في السودان.
وتُعد الجنجويد إحدى الجماعات التي تطورت لاحقاً إلى قوات الدعم السريع، وهي قوة شبه عسكرية كانت متحالفة مع الجيش السوداني قبل أن تدخل في حرب معه.
