يُعد الإمام الفارسى المسلم أبو حامد الغزالى من أكثر المفكرين تأثيرًا في تاريخ الفكر الإسلامي. ومن أهم مؤلفاته كتاب ” إحياء علوم الدين” وكتاب ” تهافت الفلاسفة” (The Incoherence of the Philosophers). ولا شك أن إحياء علوم الدين أضاف بعدًا صوفيًا وأخلاقيًا مهمًا إلى التراث الإسلامي، إذ لم يفصل الفقه عن الممارسة العملية للمؤمن، بل جعل القيم والأخلاق والإحسان إلى الفقراء والمحتاجين جزءًا من التدين، جنبًا إلى جنب مع أداء الشعائر والعبادات.
لكن موقف الغزالي من السببية فى ” تهافت الفلاسفة” كان، في تقديري، أكثر آرائه تأثيرًا في مسار الفكر الإسلامي. فقد شكك في أن قوانين الكون تقوم على علاقة ضرورية بين السبب والنتيجة، كما نفهمها في العلوم الطبيعية، ورأى أن إرادة الله تتدخل في كل لحظة لتُحدث النتائج عند وجود أسبابها. وضرب مثالًا بالنار والاحتراق، فقال إن النار لا تحرق بذاتها، وإنما يخلق الله الاحتراق عند ملامستها للقطن. وبذلك تصبح قوانين الطبيعة تعبيرًا عن عادة أجراها الله، وليست قوانين تعمل باستقلال عن إرادته.
هذا التصور يمنح الإنسان المؤمن يقينًا بأن الله حاضر في كل تفاصيل الكون، لكنه، في الوقت نفسه، يقلل من استقلالية الأسباب الطبيعية، ويجعل انتظام الكون قائمًا على الإرادة الإلهية المباشرة أكثر من قيامه على قوانين ثابتة.
وجاء إبن تيمية الحرانى ليخالف الغزالي في نقطة مهمة. فهو لم ينكر وجود الأسباب، بل رأى أن الله أودع في الأشياء خصائص حقيقية تجعلها تؤدي وظائفها؛ فالنار تحرق، والماء يروي، والدواء يشفي، ولكن كل ذلك لأن الله خلق فيها هذه الخصائص، لا لأنها تعمل مستقلة عنه. وفي كلتا الحالتين، تبقى المعجزات ممكنة، لأن الله قادر على تعطيل الأسباب متى شاء، كما حدث عندما لم تحرق النار النبي ابراهيم.
وأرى أن تصور الغزالي للسببية فتح الباب أمام ترسيخ رؤية لاهوتية للعالم، وجد فيها ابن تيمية وتلميذه ابن القيم أساسًا مناسبًا لتطوير نظرية تجعل الأسباب تعمل بإرادة الله في كل لحظة. ولا يعني ذلك أن هذا التصور كان سببًا مباشرًا في ظهور التطرف، فالتطرف ظاهرة معقدة تتداخل فيها عوامل سياسية واجتماعية وتاريخية، لكنه أسهم، في تقديري، في تكوين بيئة فكرية تقل فيها مكانة التفسير الطبيعي للأحداث، ويزداد فيها الاعتماد على التفسير الغيبي.
ومن اللافت أن الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم انتهى إلى نتيجة تبدو قريبة من موقف الغزالي، وإن كانت منطلقاته مختلفة تمامًا. فقد شكك هو الآخر في قدرة العقل على إدراك العلاقة الضرورية بين السبب والنتيجة، لأننا لا نرى هذه العلاقة أثناء حدوثها، وإنما نلاحظ فقط أن حدثًا يتكرر بعد حدث آخر. فنحن نرى النار تعقبها عملية الاحتراق، لكننا لا نرى “الضرورة” نفسها، ولذلك اعتبر أن الإيمان بالسببية ليس أكثر من عادة ذهنية نشأت من تكرار التجربة.
ثم جاء الفيلسوف الألماني ايمانويل كانط ليقدم إجابة مختلفة. فقد قبل نقد هيوم للتجربة، لكنه رفض أن يؤدي ذلك إلى الشك في إمكان المعرفة العلمية. وفي كتاب ” نقد العقل المحض” ، أوضح أن العقل نفسه هو الذي يفرض مبدأ السببية على الخبرة، وأن السببية ليست شيئًا نستخرجه من الطبيعة، بل هي شرط سابق يجعل فهم الطبيعة ممكنًا.
وأوضح كانط أيضًا أن الزمان والمكان ليسا من خصائص الأشياء الخارجية، بل من طريقة عمل العقل البشري نفسه. فالعقل ينظم الخبرة داخل إطار الزمان والمكان والكم والكيف والسببية، وهي ما سماه بالفلسفة المتعالية (Transcendental). وبذلك أحدث كانط ثورة في نظرية المعرفة تشبه ثورة كوبرنكاس في علم الفلك. فكما ظن الناس أن الشمس تدور حول الأرض لأن هذا ما يبدو للحواس، ثم اكتشفوا أن الأرض هي التي تدور حول الشمس، بيّن كانط أن ما يبدو لنا بديهيًا ليس بالضرورة هو الحقيقة، وأن العقل يشارك في تشكيل الطريقة التي ندرك بها العالم.
ولهذا لا يمكن تصور السببية خارج إطار الزمان، لأن السبب يسبق النتيجة، والزمان نفسه ليس شيئًا قائمًا خارج الذهن، بل هو أحد الشروط القبلية a priori التي تجعل المعرفة الإنسانية ممكنة. وهكذا أصبحت السببية عند كانط ليست عادة ذهنية كما قال هيوم، ولا مجرد اقتران تجريه الإرادة الإلهية كما قال الغزالي، بل مبدأً عقليًا سابقًا يجعل العلم نفسه ممكنًا.
ولعل السؤال الذي ما زال يواجه الفكر العربي والإسلامي اليوم هو: هل يقوم التقدم العلمي على الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يستطيع العقل اكتشافها وفهمها، أم على الاعتقاد بأن كل ظاهرة لا تُفسَّر إلا بالإرادة الإلهية المباشرة؟ لم يكن الخلاف بين الغزالي وهيوم وكانط مجرد نقاش فلسفي حول السببية، بل كان اختلافًا في الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم، ويؤسس بها المعرفة، ويتعامل بها مع الطبيعة.
غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا هو: هل يمكن تحقيق نهضة علمية حقيقية دون الإيمان بأن الكون تحكمه قوانين ثابتة يمكن للعقل اكتشافها؟ لقد قامت الحضارة الحديثة على افتراض أن الطبيعة ليست فوضى، وإنما نظام محكوم بقوانين يمكن اختبارها والتنبؤ بنتائجها. وربما لهذا السبب ظل الجدل حول السببية، منذ الغزالي وهيوم وحتى كانط، أكثر من مجرد خلاف فلسفي؛ إذ أصبح جزءًا من النقاش حول مستقبل العقل، وحدود الإيمان، وشروط بناء حضارة حديثة قوامها العلم والنقد والبحث الحر.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
