هم شياطين الانس والشيطنة عندهم ليست مجرد أسلوب هي عندهم عقيدة حكم. من قبل ومن بعد صعودهم للحكم عرفناهم كانوا بارعين في تحويل كل مخالف إلى شيطان وكل معارض إلى عدو وكل صوت حر إلى خطر يجب سحقه. هؤلاء لا يناقشون ولا يحاورون ولا يختلفون باحترام فقط يلغون ويسحقون ويشوّهون ويعيدون تشكيل الحقيقة بما يناسب بقاءهم.
دائما كان الاتهام جاهزًا أنت شيوعي وعلماني وملحد وكافر أو عميل ومخرب لا يهم من أنت وماذا تقول أو ماذا تفعل فقط يكفي أنك لست منهم. والمفارقة أن كثيرا ممن اتهموا بهذه الصفات كانوا من أبناء هذا الشعب البسطاء من المسلمين ومن الذين لم يعرفوا يوما معنى العلمانية أو الشيوعية. لكن التهمة لم تكن تبحث عن حقيقة لكن كانت تبحث عن ذريعة للقتل المعنوي.
قبل سقوط نظامهم شيطنوا الثوار قالوا عنهم عملاء ومخربون وقتلة ويساريون يريدون هدم الدين. ثم حين سقط الطاغية لم يتغير شيء. عادوا بنفس الأسلوب وبنفس الأكاذيب وبنفس المسرحيات وبنفس الإعلام المأجور. استغلوا كوادرهم داخل الشرطة والأمن والإعلام فحولوا الثوار إلى صعاليك وأدوات لليسار بل وصل بهم الأمر إلى إلصاق تهم القتل بالثوار أنفسهم.
هؤلاء لا يخجلون من شيء لا يخجلون من الدم ولا من الكذب ولا يخجلون من التاريخ الذي يعرفهم.
حين جاءت حكومة الثورة، لم ينتظروا يومًا واحدًا فبدأوا في شيطنة الوزراء وشيطنة لجنة التمكين وشيطنة كل من حاول إصلاح الخراب الذي تركوه. أكرم التوم، القراي، بروفسير التوم أعضاء لجنة التمكين… كلهم تحولوا إلى شياطين في إعلامهم لأنهم ببساطة وقفوا ضد فسادهم.
اليوم يشيطنون كل من يطالب بوقف الحرب وكل من يقول إن الحرب ليست حربا للكرامة ويشيطنون كل من يرفض تحويل السودان إلى مقبرة مفتوحة. والأعجب أنهم يطالبون الشعب بمساندتهم في حرب ضد الدعم السريع وهم أنفسهم من صنعوا الدعم السريع ومن سلّحوه ومن أطلقوه على أهل دارفور ومن استخدموه في فض الاعتصام ومن تحالفوا معه في انقلابهم على الثورة.
هؤلاء هم شياطين الإنس الذين لا يحتاجون إلى قرون ولا نار ولا أساطير يكفيهم إعلام فاسد وجمهور مغلوب على أمره وأجهزة أمنية تطيع وحرب تشعل وذاكرة يحاولون إنهاكها وقتلها. حولوا الاعلام إلى سلاح قتلٍ معنوي فصار الاعلام أشد فتكا من الرصاص وأطول عمرا من الحرب نفسها. سلاحهم الفتّاك الذي يستخدم في الشيطنة والتزييف وقتل الحقيقة وقتل القدرة على التفكير وقتل الوعي الذي يفترض أن يحمي الناس من الاستبداد فحولوا الاعلام إلى مدفع والخبر إلى طلقة والأقلام إلى قنابل والصور إلى محكمة إعدام.
هكذا استخدموا الإعلام في السودان كسلاح يعيد تشكيل الواقع بما يخدم السلطة ويحوّل الضحية إلى مجرم والمجرم إلى بطل والثائر إلى مخرب والقاتل إلى حارس للدين. فالإعلام حين يقع في يد الشياطين لا يبقى إعلاما ولكن يصير سلاحا ومحكمة ويصير مقصلة وأداة قتل معنوي تستخدم لإبقاء الشعب في حالة خوف دائم ويصير ايضا مصنعا لإنتاج الأكاذيب. فحرفتهم الرئيسية هي صناعة الأكاذيب والكذبة لديهم عبار عن سلاح استراتيجي تصمم وفقا للحاجة السياسية أو الأمنية أو العسكرية. فإذا أرادوا ضرب ثورة اخترعوا كذبة المخربين وإذا أرادوا ضرب حزب اخترعوا كذبة العمالة وإذا أرادوا ضرب ناشط اخترعوا كذبة الإلحاد وإذا أرادوا تبرير القتل اخترعوا كذبة حماية الدين. الكذبة هي ما يجيدون صناعته صناعة استخدمت فيها اللغة الدينية لإضفاء القداسة واللغة الوطنية لإضفاء الشرعية واللغة الأخلاقية لإضفاء الطهر واللغة الأمنية لإضفاء الخطر واللغة العاطفية لإثارة الغضب
ولهذا لم يكن الإعلام منفصلا عن الأجهزة الأمنية كان جزءًا منها وامتدادا لها وذراعا من أذرعها فأصبح المذيع ضابطا ببدلة إعلامية والصحفي موظفًا في ماكينة التزييف وهكذا استطاعوا إلصاق تهم القتل بالثوار وهكذا استطاعوا تصوير المطالبين بالحرية كعملاء وهكذا استطاعوا تحويل الثورة إلى فوضى وكفر
هم الآن يحاولون محو ذاكرة الشعب يحاولون نزع الجرائم التي بقيت بذاكرة الشعب كجراح لا تندمل أبدا مجازر دارفور وفض الاعتصام والانتهاكات والقتل والسحل يحاولون محو كل ما يثبت أن سلطتهم كانت وما زالت عدوا للشعب.
هؤلاء ينسون أو يتناسون أن الشعب السوداني ليس قطيعًا بلا ذاكرة وأن الشعب يعرفهم ويعرف أساليبهم ويعرف أكاذيبهم ويعرف كيف يديرون الحرب ضد إنسانية الآخر ويعرف أيضا أنهم لا يؤمنون بوطن ولا بكرامة ولا بإنسان ففي قاموسهم لا توجد كلمة وطن أصلا توجد فقط كلمة سلطة
انهم ينسون أن الشعب هو الضحية وذاكرة الضحايا ليست مجرد سرد للألم ولا مجرد توثيق للجرح ولكن هي قوة سياسية وأخلاقية قادرة على إسقاط الأكاذيب مهما كانت محمية بالإعلام الضال ومدعومة بالسلطة ومهما كانت مغلفة بخطاب الدين. ذاكرة الضحايا ليست ماضٍ يستعاد فقط لكن هي حاضر يقاوم ومستقبل يعاد تشكيله على أساس الحقيقة لا على أساس التزييف وذاكرة الشعب ليست ورقة يمكن تمزيقها هي جرح مفتوح على ملح آلام الحرب والنزوح والقتل هي جرح كلما حاولوا تغطيته بالزيف نزف أكثر. والأكاذيب مهما صنعت بإتقان لا تستطيع أن تهزم ذاكرة شعب عاش ظلم هذه الحرب وعرف الحقيقة وحفظها بقلبه منتظرا تلك اللحظة التي يسقط فيها كل هذا الزيف. وحتما ستأتي اللحظة التي ينهار فيها كل هذا الزيف وتسقط فيها صناعة الأكاذيب والشيطنة ويظهر فيها الفرق بين من يحب الوطن ومن يحب السلطة.
هم كما قال الأستاذ محمود محمد طه (يفوقون سوء الظن العريض)
Abdalla Gaafar abdalla_gaafar@yahoo.com
. Abdalla Gaafar Mohamed Siddig
