السودان تحت حكم البريطانيين (1)
Sudan under the British (1)
Douglas H. Johson دوغلاس جونسون
تقديم: هذه ترجمة لغالب ما ورد في الجزء الأول من مقال لدوغلاس جونسون، نُشِرَ عام 1988م بالمجلد التاسع والعشرين من “مجلة التاريخ الإفريقي Journal of African History ” ص .ص 541 – 546. استعرض الكتاب في مقاله كتابين مهمين هما:
Empire on the Nile by M. W. Daly “إمبراطورية على النيل: السودان المصري الإنجليزي 1898-1934 ” و
Class and Power in Sudan by Tim Niblock صراع السلطة والثروة في السودان.
عمل الكاتب البريطاني دوغلاس جونسون – بحسب سيرته المبذولة في الشبكة الإسفيرية – من قبل زميلاً في “معهد الوادي المتصدع”، وباحثا وأستاذا للتاريخ في كلية سانت أنتوني بجامعة أكسفورد، متخصصا في تاريخ شمال شرق أفريقيا والسودان وجنوب السودان، وسبق له العمل خبيرا في شئون المناطق الثلاث (أبيي والنيل الأزرق وجبال النوبة) في مفاوضات السلام الشامل في عام 2003م. وللرجل كتاب بعنوان “جذور أسباب الحرب الأهلية في السودان”، وآخر بعنوان “نبوءات النوير”، وعدة مقالات وفصول في كتب تدور كلها حول تاريخ وحاضر شمال شرق أفريقيا والسودان وجنوب السودان. وسبق لنا ترجمة عدد من مقالاته منها مقال بعنوان “1898 و1914م: معركة أمدرمان والحرب العالمية الأولى”، ومقالين آخرين هما “بنية إرث: الرق العسكري في شمال شرق أفريقيا”، و”السودان في الكوميديا البريطانية”.
المترجم
انكبَّ عالم الأنثروبولوجيا (علم الأناسة) إدوارد إيفان إيفانز- بريتشارد قبل نحو خمسين عاماً على دراسة قضايا الإدارة، وقدم عامي 1937 و1938م في “المدرسة الصيفية لجامعة أكسفورد” محاضرتين عن الإدارة الكلولونيالية، بناءً على تجربته في دراسة الشعوب السودانية. وكان يعمل مع (وفي بعض الأحايين على الرغم من) الإداريين البريطانيين المحليين. وكان معظم أولئك الإداريين البريطانيين لا يلقون بالاً للدراسات الأنثروبولوجية. لذا ذهب إيفانز- بريتشارد في محاضرته الأولى إلى القول بأن علم الأنثروبولوجيا ربما يكون أكثر فائدة للإدارة من خلال إجراء دراسة علمية للإدارة ذاتها! وذكر تحديداً أنه “سيكون بمقدورنا – على وجه العموم – الحصول على معلومات أكثر ومعرفة أوسع عن الإدارة البريطانية عن طريق دراسة أحوال البريطانيين الاجتماعية ومعاييرهم الأخلاقية، بأكثر مما نفعل إن درسنا التنظيم الاجتماعي للسكان المحليين (الأهالي natives) الذين ندير شؤونهم”. وأضاف إيفانز- بريتشارد بأن “دراسة مثل هذه ستكون مختلفة تماماً عن دراسة تتعلق بالسياسات والمذكرات الرسمية”، إذ ليس بمقدور الإداري المسؤول التحكم في مسار التنمية والتقدم إلا في حدود ضيقة؛ إذ يعتمد ذلك عموماً على ظروف عالمية لا يستطيع تغييرها أو استبعاد تأثيرها. ونتيجة لذلك، تميل السياسة إلى أن تكون بمثابة صياغة فكرية لعملية التنمية والتقدم، لا أن تكون هي المحرك أو السبب لتلك العملية”.
ورغماً عن تشكيك إيفانز – بريتشارد (الذي اتسم بشيء من الدعابة الساخرة) فقد دُعِيَ الرجل مجدداً إلى إلقاء محاضرة أخرى بالمدرسة الصيفية بجامعة أكسفورد في العام التالي، حيث ناقش فيها المشكلات الإدارية المتعلقة بجنوب السودان. وقد عاد في حديثه في تلك المحاضرة إلى الموضوع الذي كان قد طرحه في العام السابق، مشيراً إلى أن “السودان لم تكن لديه قط سياسة محددة بوضوح تجاه مديرياته الجنوبية؛ فالسياسة هناك تُبنى على التطورات الفعلية أكثر من كونها تطورات نابعةً من السياسة… ولذا، فإن سعينا لفهم الإدارة يقتضي منا دراسة القيم التي تتجلى فيها والمشاعر التي تتحكم فيها”.
أوضح إيفانز – بريتشارد كيفية دراسة العلاقات الأخلاقية (moral relations) بين الحكومة (government) والمحكوم (subject): ظهر ذلك بشكل ضمني في كتاباته عن شعب “الزاندي” ومقالاته الباكرة عن شعب “النوير”، وظهر أيضاً بشكل صريح في دراسته عن “السنوسية”. وقد سار على نهجه معظم علماء الأنثروبولوجيا العاملين في السودان، وإن كان الكثير منهم قد ينكرون وجود أي رابط بين أعمالهم وأعماله. ومع ذلك، فقد تجاهل مؤرخو حقبة “الحكم الثنائي” في السودان طروحاته إلى حد كبير؛ إذ حظينا بدراسات تتناول المسارات المهنية والسياسات والمذكرات الرسمية، لكننا نادراً ما كنا نعثر على دراسات وبحوث تتناول بشكل صريح القيم التي تعكسها تلك الوثائق أو المشاعر التي كانت تحكمها. لقد عُرِفْنَا بما كان يدور في أذهان الإداريين تجاه السكان المحليين الخاضعين لحكمهم، غير أننا قلما كنا على علم بما كان يدور في أذهان هؤلاء المحكومين تجاه الإداريين (البريطانيين).
لقد ركزت معظم الأبحاث التي تناولت بالدراسة حقبة الحكم الثنائي على رسم الخطوط العريضة للتطور الإداري ضمن فترات زمنية أو مناطق جغرافية أو مجالات ذات سياسات محددة. وهناك كَم وافر من الدراسات التي أعدها مؤرخون وعلماء سياسة واقتصاديون وعلماء أنثروبولوجيا تناولت جوانب أخرى من الحكم البريطاني. ويمكن تجميع هذه الدراسات معاً لتكوين فهم جديد لتاريخ السودان في النصف الأول من ذلك القرن. وفي هذا السياق، نسعى في عرضنا / مراجعتنا هنا لكتابين حاولا – كلٌّ بأسلوبه وطريقته الخاصة – إلى صياغة توليفة شاملة لهذه المواد البحثية الثانوية، مع تأسيس هذه المعالجات في كلتا الحالتين على ركيزة راسخة من الأبحاث الأصلية. ويمكن النظر إلى هذين الكتابين باعتبارهما مقاربتين متكاملتين: إذ تصف مقاربة أحدهما تطور الأفكار الإدارية لدى الحكام البريطانيين في غضون سنوات النصف الأول من عهد الحكم الثنائي، بينما تتناول مقاربة المقال الأخر الآثار السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذا الحكم على قطاعات معينة من المجتمع السوداني. ويمتد نطاق هذه الدراسة ليشمل تحليلاً للاتجاهات التي سادت في تاريخ مرحلة ما بعد الاستقلال.
من الممكن عند مراجعة / عرض الكتابين معاً الحكم على الوضع الراهن لتاريخ السودان الحديث، واقتراح مجالاتٍ يُمكن أن يتطور فيها مستقبلًا. وعند مناقشة هذه التطورات، سيكون من المفيد عند دراسة الإدارة أخذ مقترحات إيفانز- بريتشارد بعين الاعتبار؛ ليس لأن مؤلفيها (مارتن دالي وتيم نبلوك) يقبلونها أو يرفضونها صراحةً (إذ يبدو أن كلاهما يجهل كتابات إيفانز- بريتشارد الأكثر صلةً بدراسة إدارة السودان)؛ بل لأنها تُركز على عنصري الحاكم والمحكوم، وهما العنصران الرئيسيان اللذان ينبغي دراستهما في أي بحثٍ عن الحكم في السودان، إبان أي حقبةٍ تاريخية كانت.
alibadreldin@yahoo.com
