بسم الله الرحمن الرحيم
شاهد على العصر
حى الصفا – الخرطوم
من الصفوة إلى الصفا
ترجع بي الذاكرة إلى ثمانينيات القرن الماضي، في عهد الرئيس المشير محمد جعفر نميري، حين كانت الدولة تنفذ خطةً إسكانية في العاصمة المثلثة، تُمنح بموجبها القطع السكنية لمستحقيها من كبار ضباط القوات المسلحة، والمهنيين من موظفي الدولة الذين لم يسبق لهم امتلاك قطعة سكنية، وذلك بإشراف وزارة الحكم الشعبي المحلي، وفق ضوابط وشروط محددة.
في تلك الفترة، كنت أشغل منصب استشاري الطب الباطني بمستشفى أم درمان التعليمي، فتقدمت بطلب إلى مكتب وزير الحكم الشعبي المحلي بالخرطوم، وكان الوزير آنذاك المغفور له، بإذن الله، الشيخ بشير الشيخ. أرفقت مع الطلب جميع المستندات والبينات المؤيدة للاستحقاق، إلى جانب نبذة عن سيرتي المهنية.
فبعد تخرجي في جامعة الخرطوم، بدأت رحلة أداء الواجب الوطني طبيبًا عامًا، متنقلاً بين أنحاء السودان؛ من بورتسودان وسنكات في الشرق، إلى حامية توريت العسكرية في جنوب البلاد، ثم إلى مستشفي مدينة المناقل وسط السودان، ومنها إلى شماله، حيث تشرفت بأن أكون أول طبيب يعمل بمستشفى الدامر، ليخدم أهالي المنطقة وما حولها.
وبعد ذلك ابتُعثت إلى المملكة المتحدة للتخصص في الطب الباطني، حيث نلت عضوية الكلية الملكية للأطباء بلندن، ثم عدت إلى الوطن، وكرست جهدي لعلاج المرضى، والعمل مع زملائي على تطوير الخدمات الصحية، إلى جانب الإسهام في تدريس طلاب كلية الطب بجامعة الخرطوم مهارات التشخيص الطبيبي السريري، استجابةً لدعوة كريمة من أستاذي البروفسور داؤود مصطفى، رحمه الله وأحسن إليه. كما عملت محاضرًا غير متفرغ بجامعة الأحفاد للبنات بأم درمان، بدعوة كريمة من أستاذي العميد يوسف بدري، رحمه الله وواسع مغفرته.
ولله الحمد، تمت الموافقة على طلبي، إلا أنها كانت مشروطة بالحصول على موافقة وزير الصحة. ووفقني الله للحصول على خطاب كريم من وزير الصحة آنذاك، اللواء خالد حسن عباس، رحمه الله، يدعم طلبي ضمن الخطة الإسكانية.
وبناءً على ذلك، مُنحت القطعة، في المنطقة التي كانت تُعرف آنذاك باسم “الشريحة”، وهي المنطقة الواقعة بين مطار الخرطوم وحي امتداد ناصر. وقمت بسداد قيمة الأرض والرسوم المقررة في حينها.
كانت المنطقة آنذاك شبه خالية، لا تضم سوى عدد قليل من المنازل المتفرقة وبعض المباني التي لا تزال تحت الإنشاء. وبدأت في تشييد منزلي، وهي رحلة استغرقت قرابة عشر سنوات من العمل المتواصل حتى اكتمل البناء، واستقررت فيه مع أسرتي في أواخر ثمانينيات القرن الماضي، بفضل الله وتوفيقه.
ومع مرور السنوات، أخذ عدد السكان يزداد تدريجيًا حتى أصبح الحي مكتمل العمران. وفي تلك الفترة انتشرت تسمية “حي الصفوة”، حتى إنني رأيت لافتة على إحدى البقالات المطلة على المنطقة كتب عليها: “بقالة حي الصفوة”.
استوقفتني تلك التسمية؛ إذ رأيت أنها تحمل معنى التزكية، وقد تُفهم على نحو يثير الحساسية أو الاستفزاز لدى الآخرين. لذلك بادرت بدعوة عدد من سكان الحي إلى اجتماع في منزلي للتشاور حول اختيار اسم مناسب يُعتمد رسميًا لدى الجهات المختصة.
ولبى الدعوة عدد من الإخوة الأفاضل، أذكر منهم -على سبيل المثال لا الحصر-:
• الباشمهندس نجم الدين محمد.
• اللواء زين العابدين عبد القادر.
• القانوني والشاعر المعروف الحسين الحسن.
• الباشمهندس عصام مصطفى.
• وعدد من سكان الحي الكرام.
بعد الترحيب بالحضور، أوضحت لهم سبب الاجتماع، وهو ضرورة اختيار اسم يليق بالحي، بعيدًا عن أي دلالة للتفاخر أو التزكية.
اقترح اللواء زين العابدين أن يُسمى الحي بـ”حي الأشراف”، غير أنني رأيت أن هذا الاسم أيضًا يحمل معنى التزكية. فاقترحت أن يُسمى “حي الصفا”، تيمنًا بجبل الصفا في مكة المكرمة، وقد صادف اجتماعنا أيام موسم الحج.
لاقى الاقتراح قبولًا وإجماعًا من الحاضرين، وكُلِّف الباشمهندس نجم الدين محمد باستكمال الإجراءات الرسمية لدى الجهات المختصة، فأنجز المهمة في وقت وجيز، واعتمد الاسم رسميًا، ومنذ ذلك الحين عُرف الحي باسم حي الصفا.
ومن طرائف تلك الأيام أن اللواء زين العابدين عبد القادر، رحمه الله، كان يتمتع بروح مرحة وحس فكاهي جميل. وكان الشارع الفاصل بين حي الصفا وامتداد ناصر يمتد جنوبًا حتى بداية حي الرياض، وعلى الجانب الآخر منه صيدلية تحمل اسم “صيدلية المروة”.
وفي أحد الأيام التقيته أمام منزله، وكان متجهًا نحو ذلك الشارع، فحييته وسألته عن أحواله، فابتسم ضاحكًا وقال:
“أنا في حالة هرولة دائمة بين الصفا والمروة!”
فضحكنا جميعًا، وبقيت تلك العبارة عالقة في الذاكرة، بما حملته من روح الدعابة ولطافة المعشر.
رحم الله ذلك الجيل المبارك، وغفر لمن رحل منهم، وحفظ الأحياء وبارك في ذريتهم. وأسأل الله أن يعيد إلى حي الصفا صفاءه الذي استحق اسمه، وأن يبقى حيًا يجمع أهله على المحبة، والألفة، والتراحم، كما عرفناه منذ البدايات.
أما حفاوتهم بنا عند قدومنا إلى الحي، فحدث ولا حرج؛ فقد وجدنا كرمًا أصيلًا، وحسن ضيافة، وتآلفًا بين الجيران، وهي قيم بقيت آثارها الطيبة حتى يومنا هذا، وستظل من أجمل ما تختزنه الذاكرة عن حي الصفا وأهله.
الدكتور محمد عبدالمجمود العربي
جدة – المملكة العربية السعودية
drmohammed.alarabi@googlemail.com
