باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 13 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عمر سيد احمد
عمر سيد احمد عرض كل المقالات

الصيرفة الإسلامية في السودان

اخر تحديث: 12 يوليو, 2026 10:28 مساءً
شارك

الصيرفة الإسلامية في السودان
تجربة قاصرة بين الإلغاء القسري للمصرفية التقليدية وتوظيف القطاع المصرفي سياسياً
مقال تحليلي نقدي
عمر سيد احمد |باحث في الاقتصاد السياسي السوداني|خبير مصرفي ومالي مستقل
Email:o.sidahmed09@gmail..com
يوليو 2026

مقدمة
منذ صدور التوجيهات الأولى لأسلمة الجهاز المصرفي السوداني عام 1984، لم تكن التجربة مجرد تحول تقني في صيغ التمويل من الفائدة إلى عقود المرابحة والمشاركة والمضاربة، بل كانت قراراً سياسياً واقتصادياً جذرياً بإلغاء المصرفية التقليدية بالكامل، في مسار مختلف جوهرياً عن التجارب الإقليمية والدولية المناظرة التي فضّلت نموذج التعايش بين النظامين. وبعد أكثر من أربعة عقود على هذا التحول، يصعب الدفاع عن أطروحة أن الصيرفة الإسلامية السودانية نجحت في تقديم نفسها كبديل تنموي مقنع للمصرفية التقليدية، سواء من حيث الكفاءة الاقتصادية، أو من حيث الأثر التنموي، أو من حيث حجم الثقة التي حظيت بها لدى المتعاملين والمستثمرين.
يحاول هذا المقال أن يقرأ هذه التجربة من زاوية مختلفة عن الأدبيات الفنية المعتادة التي تكتفي بتقييم الصيغ التمويلية ومؤشرات الأداء المصرفي، ليعيد طرح السؤال الأكثر جوهرية: لماذا اختار السودان مساراً قسرياً لإلغاء المصرفية التقليدية بدلاً من نموذج النافذتين الذي أثبت نجاحه في عدد من الدول الإسلامية؟ وإلى أي مدى كان هذا القرار مدفوعاً بحسابات سياسية تتعلق بتمكين تيار سياسي بعينه من مفاصل الاقتصاد، لا فقط بقناعة شرعية أو اقتصادية؟
وينطلق هذا التقييم من مسلّمة منهجية لا بد من التأكيد عليها بدايةً: إن المعيار الحقيقي للحكم على أي نظام مصرفي – إسلامياً كان أم تقليدياً – لا ينبغي أن يقتصر على مدى التزامه بالشكل القانوني أو الفقهي للصيغ التمويلية، وإنما على قدرته الفعلية على تحقيق التنمية، وزيادة الإنتاج، وخلق فرص العمل، وتحسين توزيع الموارد وتوسيع قاعدة الشمول المالي. وبهذا المعيار التنموي، لا المعيار الشكلي، ستُقاس التجربة السودانية في هذا المقال، بوصفه المحك الأهم الذي تكشف المقارنة معه أن أربعة عقود من الاحتكار المؤسسي لم تنتج نموذجاً تنموياً مقنعاً، بل أعادت إنتاج منطق التمويل التجاري قصير الأجل تحت غطاء عقدي مختلف.
أولاً: من التعايش إلى الإلغاء القسري
لم تبدأ الصيرفة الإسلامية في السودان بإلغاء المصرفية التقليدية، بل بدأت بالتعايش معها. فقد تأسس بنك فيصل الإسلامي في أواخر السبعينيات ليعمل جنباً إلى جنب مع شبكة واسعة من البنوك التجارية التقليدية العاملة في البلاد منذ عقود، دون أن يفرض ذلك إلغاء الخيار التقليدي أمام العملاء والمؤسسات. غير أن هذا المسار التدريجي والتنافسي انقطع فجأة مع صدور ما عُرف بـ”قوانين سبتمبر” عام 1983 وما تلاها من توجيهات بنك السودان المركزي عام 1984 بالتحول الكامل نحو الصيغ الإسلامية، في خطوة لم تُبق للمصرفية التقليدية أي موطئ قدم رسمي داخل الجهاز المصرفي.
صحيح أن المرحلة الأولى من هذا التحول (1984-1989) شهدت شيئاً من المرونة، إذ سُمح للبنوك عام 1986 بالاختيار بين العمل بالصيغ الإسلامية أو بما سُمي “العائد التعويضي” كمخرج شكلي يحاكي الفائدة دون تسميتها. لكن هذه المرونة المؤقتة لم تكن سوى محطة عابرة في طريق واحد الاتجاه، إذ جاء الإعلان عن “تعميق إسلام الجهاز المصرفي” عام 1990، وتأسيس الهيئة العليا للرقابة الشرعية على المؤسسات المالية الإسلامية عام 1992، ليغلق الباب نهائياً أمام أي شكل من أشكال المصرفية التقليدية، ويُخضع الجهاز المصرفي بأكمله لإشراف شرعي حصري.
والملاحظة الجوهرية هنا أن هذا التحول لم يكن استجابة لضغط تنافسي من السوق، ولا نتيجة دراسات جدوى مقارنة أثبتت تفوق الأداء التنموي للصيغ الإسلامية، بل جاء بقرار إداري وسياسي فوقي فرض على كامل الجهاز المصرفي مساراً واحداً لا خيار فيه، في وقت لم تكن فيه المؤسسات الإسلامية قد اختبرت بعد قدرتها على المنافسة الحرة مع النظام التقليدي القائم منذ عقود.
ثانياً: نظام النافذتين – الطريق الذي لم يسلكه السودان
على النقيض من التجربة السودانية، اختارت معظم الدول ذات الثقل في الصناعة المصرفية الإسلامية نموذج “النافذتين” أو ما يُعرف بالنظام المصرفي المزدوج (Dual Banking System)، حيث تعمل المصارف الإسلامية والنوافذ الإسلامية التابعة للبنوك التقليدية جنباً إلى جنب مع المصارف التقليدية، ويُترك للعميل حرية الاختيار بين الخيارين وفق قناعته وحاجته.
ماليزيا تمثل النموذج الأبرز في هذا السياق: فمنذ صدور أول تشريع مخصص للتمويل الإسلامي عام 1983، نمت الصناعة المصرفية الإسلامية هناك في ظل بيئة تنافسية مفتوحة إلى جانب النظام التقليدي، بل سُمح للبنوك التقليدية نفسها بفتح نوافذ وفروع إسلامية تقدم منتجات متوافقة مع الشريعة إلى جانب منتجاتها التقليدية. وقد جعل هذا المسار التدريجي والتنافسي من ماليزيا واحدة من أكثر منظومات التمويل الإسلامي تطوراً وعمقاً في العالم، إذ أُتيح للسوق نفسه أن يكون الحكم على جدوى المنتجات الإسلامية بدلاً من أن يُفرض عليه خيار واحد بقرار مركزي.
نموذج مشابه تكرر بدرجات متفاوتة في الإمارات والكويت والبحرين وباكستان ومصر والأردن وغيرها، حيث سُمح للمصارف الإسلامية بالتأسيس والتوسع والمنافسة دون إلغاء الخيار التقليدي، بل إن بعض هذه الدول شجعت المصارف التقليدية الكبرى على فتح نوافذ إسلامية لتوسيع قاعدة عملائها. وقد أثبتت هذه التجربة أن الصيغ الإسلامية قادرة على اجتذاب حصة سوقية معتبرة بقوة تنافسيتها الذاتية، لا بإلغاء البديل الآخر.
وأهمية نموذج النافذتين لا تكمن فقط في حرية الاختيار الفردي، بل في كونه اختباراً مستمراً لكفاءة المنتج الإسلامي في السوق: فحين يتعايش النظامان، تضطر المؤسسات الإسلامية إلى تطوير أدائها وتسعير خدماتها بتنافسية حقيقية لجذب العملاء، بينما يوفر بقاء الخيار التقليدي معياراً مرجعياً يكشف أي تعثر أو قصور في الأداء. أما إلغاء المصرفية التقليدية كلياً، كما حدث في السودان، فقد أزال هذا المعيار المرجعي وهذا الاختبار التنافسي بالكامل، وترك المصارف الإسلامية تعمل في بيئة احتكارية محمية من أي منافسة بديلة، وهو ما يُضعف حوافز الكفاءة والابتكار وتحسين الخدمة على المدى الطويل.
ثالثاً: الأبعاد السياسية – التمكين وتوظيف القطاع المصرفي
لا يمكن فصل قرار الإلغاء الكامل للمصرفية التقليدية عن سياقه السياسي. فالتحول جاء في عهد نظام مايو في أواخر عمره، وترسّخ وتعمّق بشكل أكبر بعد انقلاب 1989 الذي أوصل الحركة الإسلامية إلى سدة الحكم لعقود ثلاثة. وقد لاحظ كثير من الباحثين والمعارضين للنظام أن التحكم الكامل في الجهاز المصرفي – بما يعنيه من سيطرة على قرارات التمويل والائتمان وتوزيع الموارد المالية – كان أداة مركزية ضمن سياسة “التمكين” الأوسع التي اتبعها النظام لتوطين كوادره في مفاصل الدولة الاقتصادية والإدارية والأمنية.
فحين يُلغى الخيار التقليدي كلياً ويصبح كل نشاط مصرفي خاضعاً لهيئات رقابة شرعية معيّنة مركزياً، تتوفر للجهة المسيطرة على القرار السياسي قناة مباشرة للتحكم في من يتولى إدارة المصارف، ومن يحصل على التمويل والتسهيلات، ومن يُستبعد منها. وهذا النمط من التوظيف السياسي للقطاع المصرفي ليس حالة استثنائية، بل يتسق مع نمط أوسع اتبعه النظام في قطاعات أخرى كالخدمة المدنية والإعلام والقضاء، حيث استُخدمت أدوات الأسلمة أو إعادة الهيكلة كغطاء لإحلال كوادر موالية محل الكفاءات القائمة.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا التفسير السياسي يظل، مهما بلغت شواهده، تأويلاً تحليلياً يتبناه كثير من الباحثين والمعارضين للنظام السابق، وليس حكماً قطعياً على النوايا. فالتيار المدافع عن التجربة يرى أن دوافع الأسلمة كانت مستندة أساساً إلى قناعة شرعية واقتصادية أصيلة سبقت الحسابات السياسية، ويستشهد بأن التأسيس الأول لبنك فيصل الإسلامي جاء قبل وصول الحركة الإسلامية إلى الحكم بسنوات. غير أن الإشكال الذي يبقى قائماً هو أن حسن النية الشرعي، إن افتُرض وجوده، لا يفسر بذاته لماذا اختار صانع القرار مساراً إقصائياً قسرياً بدلاً من مسار تنافسي تدريجي أثبت نجاعته في تجارب أخرى، وهو ما يرجّح أن اعتبارات السيطرة والتمكين كانت حاضرة بقوة في صياغة القرار وتوقيته.
رابعاً: النتيجة الاقتصادية – عجز عن تقديم بديل مقنع
النتيجة العملية لأربعة عقود من هذا الاحتكار المفروض لم تكن صعود نموذج مصرفي إسلامي متفوق تنموياً، بل هيمنة شبه كاملة لصيغة المرابحة قصيرة الأجل على حساب صيغ المشاركة والمضاربة والاستصناع والإجارة التي كان يُفترض أن تكون جوهر التمايز الإسلامي عن النظام الربوي. وهذه ملاحظة جوهرية لا تفصيلاً هامشياً، لأن هيمنة المرابحة جعلت النشاط المصرفي أقرب إلى التمويل التجاري قصير الأجل منه إلى التمويل التنموي، بينما تراجعت الصيغ التشاركية التي تقوم على تقاسم المخاطر والعوائد، والتي يُفترض نظرياً أن تكون الأكثر ارتباطاً بتمويل الإنتاج والاستثمار طويل الأجل. وتكشف دراسات كثيرة لتقييم التجربة عن فجوة بنيوية بين الأهداف المعلنة للصيرفة الإسلامية والتطبيق العملي الذي انحاز إلى الصيغ الأكثر أماناً وأقلها تعقيداً إدارياً.
ويمكن تفسير هذا الانحياز، إلى جانب غياب الاختبار التنافسي الذي أشرنا إليه، بعوامل بنيوية إضافية متشابكة:

  • منطق إدارة المخاطر: المصرف الإسلامي، شأنه شأن أي مؤسسة مالية، مُلزم بمعايير كفاية رأس المال والسيولة والربحية أمام المودعين وأصحاب حسابات الاستثمار، وهو ما يخلق حافزاً بنيوياً نحو الصيغ منخفضة المخاطر قصيرة الأجل.
  • غياب البنية المؤسسية المساندة: صيغتا المشاركة والمضاربة تتطلبان قدرات تقييم فني وإداري للمشروعات، ونظماً محاسبية شفافة لدى الشركاء، وأطراً قانونية فاعلة لفض المنازعات؛ وهي عناصر تظل ضعيفة في بيئة يتسع فيها القطاع غير الرسمي وتضعف فيها السجلات المالية للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.
  • بيئة اقتصادية غير مستقرة: التضخم المزمن وعدم الاستقرار السياسي والعقوبات الاقتصادية جعلت التمويل قصير الأجل (تجارة، استيراد، استهلاك) الخيار الأكثر أماناً مقارنة بتمويل مشروعات إنتاجية طويلة الأجل عالية المخاطر.
    وبما أن المصارف الإسلامية السودانية عملت لعقود دون أي منافس تقليدي يضغط عليها لتحسين الأداء أو تنويع المنتج، غابت الحوافز البنيوية التي كانت لتدفعها نحو تطوير أدوات تمويل تشاركية أكثر تعقيداً وأعلى مخاطرة، واستقرت عند الصيغة الأكثر أماناً وربحية وأقلها كلفة إدارية.
    ضعف الشمول المالي وحلقة الفقر والادخار المفرغة
    يفترض التمويل الإسلامي في جوهره النظري تعبئة المدخرات وتوجيهها نحو الاستثمار المنتج عبر آليات المشاركة في الربح والخسارة، وهذا الافتراض يستلزم مسبقاً وجود فائض قابل للادخار. وفي اقتصاد تعاني غالبية سكانه من الفقر أو من دخل محدود وغير منتظم – كما هو الحال في قطاعات واسعة من الاقتصاد غير الرسمي والزراعة المعيشية في السودان – يكون الميل الحدي للاستهلاك مرتفعاً جداً، وتنعدم تقريباً القدرة على الادخار لدى الشرائح الأوسع من السكان. والنتيجة أن قاعدة المدخرين الفعليين تبقى ضيقة ومحصورة في شرائح محدودة ذات دخل ثابت أو نشاط تجاري منتظم، بينما تبقى الغالبية العظمى خارج الدائرة المصرفية كلياً، لا مودعة ولا مقترضة.
    وضعف الشمول المالي هنا ليس عارضاً جانبياً منفصلاً عن القصور المؤسسي المشار إليه، بل نتيجة منطقية لحلقة مفرغة مترابطة العناصر:
  • الفقر يمنع تكوّن فائض قابل للادخار لدى غالبية السكان.
  • ضعف الادخار يحد من قاعدة الموارد المحلية القابلة للتوجيه استثمارياً عبر آليات المشاركة.
  • تراجع الحافز لدى المؤسسات المالية المحتكرة للسوق للتوسع نحو الفئات المهمشة، لأن كلفة خدمتها تفوق العائد المتوقع وفق منطق الربحية التجارية البحت، في غياب أي ضغط تنافسي يدفعها نحو ذلك.
  • محدودية أدوات العدالة التوزيعية (الزكاة، القرض الحسن، التكافل الاجتماعي) وبقاؤها هامشية وغير مؤسسية مقارنة بالنشاط المصرفي الربحي الرئيسي.
    وهكذا ينهار الرابط الذي كان من المفترض أن يجعل الصيرفة الإسلامية أداة فاعلة للعدالة التوزيعية وإدماج الفئات المهمشة، وتضيف الحالة السودانية طبقات إضافية من التعقيد تعمّق هذه الإشكالية: التضخم المزمن الذي يجعل الادخار بالعملة المحلية غير عقلاني اقتصادياً من منظور الفرد، والعقوبات الاقتصادية التي حدّت من اندماج القطاع المصرفي بالمنظومة المالية العالمية، وضعف القطاع الإنتاجي الحقيقي وتراجع الزراعة والصناعة التحويلية – وهي القطاعات التي كان من المفترض أن تكون الوجهة الطبيعية لتمويل المشاركة، لو وُجد الحافز المؤسسي لتوجيه التمويل نحوها.
    التمويل الأصغر: من التمكين الاقتصادي إلى بيع الأجل
    من أخطر تجليات هذا القصور أن هيمنة المرابحة امتدت لتشمل برامج التمويل الأصغر ذاتها، وهو ما أفرغ هذا القطاع، إلى حد كبير، من الفلسفة التأسيسية التي قامت عليها تجربة “بنك الفقراء” (غرامين). فالتمويل الأصغر، في جوهره الأصيل، يقوم على مبدأ التمكين الاقتصادي وبناء القدرات وتقاسم المخاطر والمتابعة المستمرة للمستفيد، باعتباره فقيراً قادراً ومنتجاً إذا أُتيحت له أدوات التمكين والمرافقة، لا مجرد بيع سلعة بالأجل واسترداد قيمتها بهامش ربح.
    وتحويل التمويل الأصغر إلى مرابحة سلعية يعيد إنتاج علاقة الدائن والمدين التقليدية في جوهرها، بل قد يكون في بعض الحالات أكثر كلفة على المستفيد من القرض التقليدي، بفعل هامش الربح المضاف من جهة، ودون أن يقابله المرونة في إعادة الجدولة أو المتابعة التنموية التي كان من المفترض أن يوفرها إطار التمويل الأصغر الأصيل من جهة أخرى. وهذا الانحراف، شأنه شأن هيمنة المرابحة في التمويل الكبير، وجد بيئة مواتية لاستمراره في ظل غياب أي نموذج بديل يُقارَن به أداؤه أو تُختبر في مواجهته جدواه.
    والأخطر من كل ما سبق أن غياب البديل التقليدي حرم المجتمع السوداني من إمكانية المقارنة والاختيار: فحين يفشل نموذج ما في بيئة تنافسية، يملك المتعامل خياراً بديلاً يتحول إليه، وهذا بذاته يفرض انضباطاً على المؤسسات المتعثرة. أما حين يُفرض نموذج واحد بقرار سيادي ويُمنع أي بديل عنه، فإن إخفاقاته التنموية تتحول إلى أمر واقع لا مفر منه، ويصعب على أي طرف – عميلاً كان أو مستثمراً أو حتى صانع سياسة لاحق – أن يختبر افتراضاته الأساسية في ظل غياب معيار مرجعي حقيقي للمقارنة.
    خامساً: عبرة مقارنة – المصرف الشريك في مقابل المصرف الأداة
    يكتسب هذا النقد بعداً إضافياً حين يُقارَن بتجارب أخرى وظّفت القطاع المصرفي لخدمة التنمية دون اللجوء إلى الإقصاء القسري لأي نموذج بديل. ففي اليابان مثلاً، لعبت المصارف – رغم عملها بنظام الفائدة التقليدي – دوراً محورياً في النهضة الصناعية عبر نظام “الكيريتسو” والبنك الرئيسي، حيث تحول المصرف إلى شريك فعلي يتابع أداء المشروعات ويتحمل معها مخاطر التعثر، دون أن يستلزم ذلك إلغاء أي شكل مصرفي آخر أو احتكار السوق لصالح نموذج بعينه.
    هذه المقارنة تكشف أن جوهر الدور التنموي للمصرف لا يكمن في الإطار العقدي أو الشكل القانوني للتمويل، بل في مدى التزامه الفعلي بالمشاركة في المخاطر والمتابعة طويلة الأمد لمشروعات التنمية. وحين يغيب هذا الالتزام الفعلي، فإن فرض شكل عقدي بعينه بالقوة، مع إلغاء كل بديل، لا يضمن تحقق الروح التنموية المنشودة، بل قد يوفر غطاءً شرعياً لاستمرار ممارسات مصرفية تجارية ضيقة الأفق، محمية هذه المرة باحتكار مؤسسي وسياسي لا سوقي.
    خاتمة
    تكشف قراءة التجربة السودانية للصيرفة الإسلامية من زاوية تاريخية وسياسية، لا فنية فحسب، أن قصورها التنموي لم يكن مجرد خلل تقني قابل للإصلاح بتعديل الصيغ أو تطوير الأدوات، بل نتيجة مباشرة لقرار تأسيسي بإلغاء المنافسة والاختيار، في مسار معاكس تماماً لما سلكته دول الإقليم التي نجحت في بناء صناعة مصرفية إسلامية قوية ضمن نظام تعايش تنافسي مع المصرفية التقليدية. وقد جاء هذا القرار الإقصائي متزامناً مع مسار سياسي أوسع لتمكين تيار بعينه من مفاصل الدولة، بما يجعل من الصعب فصل التقييم الاقتصادي البحت للتجربة عن سياقها السياسي الذي أنتجها وحماها من أي اختبار تنافسي حقيقي طوال عقود.
    وبين من يرى في هذا التحليل تفسيراً واقعياً لإخفاقات موثقة، ومن يرى فيه تسييساً لتجربة اقتصادية ينبغي الحكم عليها بمعزل عن سياقها السياسي، تبقى الحقيقة الأكثر صلابة أن أي إصلاح جاد للقطاع المصرفي السوداني مستقبلاً لا يمكن أن يتجاهل هذا الدرس: فالاحتكار المؤسسي، أياً كان الغطاء العقدي أو الأيديولوجي الذي يتذرع به، يظل عدواً للكفاءة والابتكار والعدالة التنموية، بينما يبقى التعايش التنافسي بين النماذج المختلفة – كما أثبتت تجارب الإقليم – هو الأقدر على إخضاع أي نموذج لاختبار السوق الحقيقي، وعلى منح المتعاملين والمجتمع حرية الاختيار التي حُرموا منها لعقود.

المصادر والمراجع
اعتمد هذا المقال في تأصيل السياق التاريخي والمقارن على مصادر رسمية وأكاديمية، أبرزها:

  • بنك السودان المركزي، “نبذة تاريخية عن بنك السودان المركزي”: https://cbos.gov.sd/ar/content/%D9%86%D8%A8%D8%B0%D8%A9-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%8A%D8%A9-%D8%B9%D9%86-%D8%A8%D9%86%D9%83-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A
  • بنك السودان المركزي، “طبيعة النظام المصرفي”: https://cbos.gov.sd/ar/content/%D8%B7%D8%A8%D9%8A%D8%B9%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%86%D8%B8%D8%A7%D9%85-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B5%D8%B1%D9%81%D9%8A
  • أكاديمية السودان للعلوم المصرفية والمالية، “دور بنك السودان في إدارة الجهاز المصرفي 1960-1997”: http://www.crpc.sabfs.edu.sd/index.php/ar/1960-1997.html
  • مجلة ASJP، “تجربة المصرفية الإسلامية في ماليزيا: تقييم أداء المصارف الإسلامية 2008-2015”: https://asjp.cerist.dz/en/article/78390
  • مجلة ASJP، “في آفاق التعايش بين المصرفية التقليدية والمصرفية الإسلامية: تجربة ماليزيا نموذجاً”: https://asjp.cerist.dz/en/article/135339
  • ويكيبيديا، “بنك السودان المركزي” (يتضمن الإشارة إلى النظام المصرفي المزدوج بعد اتفاقية السلام الشامل 2006): https://ar.wikipedia.org/wiki/%D8%A8%D9%86%D9%83_%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%88%D8%AF%D8%A7%D9%86_%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%B1%D9%83%D8%B2%D9%8A
    أما التحليل السياسي المتعلق بسياسة “التمكين” والدوافع خلف قرار الإلغاء القسري، فهو تأويل تحليلي مستند إلى أدبيات نقدية وسياسية واسعة حول تلك الحقبة، وليس نقلاً حرفياً عن مصدر بعينه؛ وقد أُشير إلى طبيعته التأويلية صراحة في متن المقال.
الكاتب
عمر سيد احمد

عمر سيد احمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منشورات غير مصنفة
كذب وتضليل وحقد دفين (2) . بقلم: عميد معاش د. سيد عبد القادر قنات
حوارات
الأمين العام لحزب الأمة, لن نشارك في النظام ولا نرفض الحوار
منشورات غير مصنفة
الإتحاد العام يقيم سمنار الأمن والسلامة بملاعب كرة القدم بالثلاثاء
منبر الرأي
تطبيع أم إبتزاز وإكره؟! أوسع جبهة للدفاع عن السيادة الوطنية ومناهضة إسرائيل .. بقلم: حسن الجزولي
منبر الرأي
الثلاثاء القادم 23 مارس 2021 بمسقط ولمدة ثلاثة أيام وافتراضياً: السودان يشارك في فعاليات المؤتمر العلمي الدولي الثالث لقسم الإعلام بجامعة السلطان قابوس

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الأعتدال السياسي ضرورة … بقلم: أ . د صلاح الدين خليل عثمان أبو ريان

د . صلاح الدين خليل عثمان
منبر الرأي

شرعنة الانقلاب و تأثيرها على الديموقراطية (1/2)

طارق الجزولي
منبر الرأي

ماذا لو انفق الكيزان نصف مال بترول الجنوب وذهب ارياب وذهب جبل عامر علي السودان واكلوا النصف الاخر؟؟ .. بقلم: د. محمد سيد علي الكوستاوي

طارق الجزولي
منبر الرأي

مقارنة بين الانتخابات البريطانية والسودانية! … بقلم: فيصل علي سليمان الدابي

فيصل علي سليمان الدابي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss