زين العابدين صالح عبد الرحمن
عندما اندلعت ثورة إبريل 1985م، كانت بداية لمرحلة جديدة في العمل السياسي في السودان، باعتبارها انتفاضة خرجت من الشوارع عكس ثورة أكتوبر 1964م التي كانت تقودها قوى طليعية ممثلة في مجموعة الأحزاب التي تبنت حالة الحراك الطلابي في الجامعات، و خاصة جامعة الخرطوم التي بدأت فيها شرارة الثورة.. حيث أن الجامعات كانت تمثل مراكزا للوعي و ينشط فيها الدور السياسي للأحزاب.. في أنتفاضة إبريل لعبت الاتحادات النقابية دورا كبيرا في التنظيم الجماهيري، وهي تعد أحد أفرع الوعي في القطاع الشعبي العريض.. كانت هذه بداية لتحول كبير في القوى الفاعلة في الساحة السياسية و تبين من هي الطليعة التي يجب أن تقود العملية السياسية..
بعد انقلاب الجبهة الإسلامية القومية في 30 يونيو 1989م، عملت على تكسير القوى الفاعلة في الأحزاب و محاصرتها و السعي لتفكيكها، و أيضا فصلت العديد من قيادات الاتحادات النقابية بدعوة الصالح العام لكي تقلل من مخاطر المعارضة، و عدم التحرك ضد النظام الجديد.. أن قيادات الأحزاب عجزت أن تقرأ سياسيا التحولات التي حدثت في الشارع السياسي في السودان، و اصرت بإنها هي القوى التي تستطيع أن تكون لها القدرة على الحشد و تعبئة الشارع ضد النظام الجديد، لذلك كونت ” التجمع الوطني الديمقراطي” في الخارج و تبنت الكفاح المسلح كأداة لمنازلة النظام، و لكنها عجزت لإقناع الشباب بالحضور إلي معسكراتها، حيث لم تستجيب الجماهير لدعوات السيد الميرغني و السيد الصادق و الحزب الشيوعي و قوات التحالف و تجمع البجة و الأسود الحرة. و كل الذين كلن قد جاءوا لجميع هذه المعسكرات لا يزيدون عن 500 شخص، الأمر الذي جعل الحركة الشعبية تضطر أن تنقل بعض المقاتلين 3000 مقاتل إلي الجبهة الشرقية.. كلها علامات تؤكد أن الطليعة الثورية أو غير الثورية في الأحزاب قد تراجع دورها لعوامل كثيرة لم تدركها قيادة الأحزاب..
إذا أجرينا مقارنة بين الدعوة زمن ” الجبهة الوطنية” التي كانت أيضا تبنت الكفاح المسلح ضد نظام مايو. نجد أن الجبهة الوطنية كانت الأكثر حشدا للمقاتلين من التجمع الوطني الديمقراطي.. الأمر الذي يؤكد حدوث تحولات كبيرة للوعي في الشارع السياسي السودان.. حيث أصبحت الطليعة ليس كما كانت تبشر به قوى اليسار بأن الأحزاب تمثل الدور الطليعي في عملية التغيير في المجتمعات، و هذه الثقافة مأخوذة من الرؤية التي أضافها فلاديمير لينين للماركسية، و التي يقول فيها ( أن الحزب الطليعي يعتبر أداة ضرورية لقيادة الطبقة العاملة نحو الاشتراكية) كان يعتقد لينين إن الحزب سوف يصنع قيادات ثورية هي التي تقوم بدور توعية و ثقافة الطبقة العاملة، و إلي جانب ذلك جاء ب ” المركزية الديمقراطية” لكي تكون حصن أمان لهذه القيادات الثورية التي تجعل من الحزب أداة ثورية ضد القوى الرأسمالية و القوى اليمينية..هذه الثقافة قد تراجع دورها تماما بسبب التغييرات التي أحدثتها تكنولوجية الاتصالات، حيث أصبح الشارع لوحده يقود عملية التغيير، و دون أن يحتاج لقوى طليعية تقوده.. لذلك نجد أن ثورة ديسمبر 2018م قادها الشارع و ليست الأحزاب السياسية، هذا التغيير يجب النظرة إليه بعقلانية.. و معرفة اسباب هذا التراجع، و في نفس الوقت يطرح اسئلة مهمة: هل الأحزاب السياسية السودانية التي فشلت في الحفاظ على النظم الديمقراطية السابقة، و فشلت في الحفاظ على الطاقة الثورية التي كانت في الشارع أن تمنعها من التراجع، صالحة لتكون طليعة؟ هل هي تستطيع أن تحدث تغييرا في الساحة السياسية دون أن تحدث تغييرا في بنيتها التنظيمية و الفكرية؟ ما هو مشروع هذه الأحزاب الآن و فاعليتها؟
إن الثقافة السياسية التي أنتجها اليسار منذ منتصف القرن الماضى و، إذا كانت ماركسية أو قومية فشلت في تطوير ذاتها و إنتاج ثقافة جديدة تتماشى مع التحولات التي أحدثتها قوى الاقتصاد الحر في الصناعة و التجارة و وسائل الاتصال.. حيث ظل دعاة الأيديولوجية اليسارية في حالة من الجمود العقائدي، الذي جعلهم غير قادرين على نقد أنفسهم، و لا حتى تقديم رؤى جديدة تتماشى مع التطورات التي يحدثها دعاة الاقتصاد الحر.. أن عملية الجمود سوف تجعل المجتمع يبحث عن أدوات جديدة لكي يحدث بها عملية التغيير في المجتمع، و إنتاج الأفكار بهدف خلق وعي جديد، و طرق جديدة للتفكير بعيدا عن حالة التصلب التي تعاني منها القوى الأيديولوجية السياسية.و كان لابد من مراجعة التحولات التي حدثت في المجتمع..
إن الرجوع لمصدر القوة في المجتمع مسألة مهمة و ضرورية، و هي بمثابة تعديل مسار العربة بوضع الحصان أمامها.. و يصبح الهدف من هذا هو إصلاح الأخطاء التي جعلت البلاد تعيش في ازمات متواصلة حتى قادت للحرب.. بسبب إنتشار التعليم بكل مراحله حيث أصبحت كمية المواطنين الذين تخرجوا من المدرس الثانوية و الجامعات في المجتمع أكثر من الذين داخل المؤسسات التعليمية اليوم.. لذلك أصبح حجم الوعي في الشارع هو الأكبر من غيره.. و هو الأكثر أثرا، و هو الذي قاد إنتفاضة إبريل و ثورة ديسمبر 2018م ، لا يمكن أن يصبح هو الذي يتحمل فشل و اخطاء القوى السياسية.. لابد أن يتقدم هو لحمل لواء القيادة من خلال انتخابات تبدأ ب “مجالس الأحياء و الخدمات” و تتصاعد إلي أعلى، هذا هو الطريق الذي يوسع دائرة مشاركة القاعدة الشعبية في العملية السياسية، و يمنعها من الخداع الأيديولوجي, و في نفس الوقت سوف يبرز قيادات مدعومة من أكبر قطاع جماهيري في المجتمع. هذه الانتخابات و أختيار الشباب هي التي سوف تغير مفهوم الطليعة الجديدة، و تجعلها طليعة مدركة لدورها، و في نفس الوقت مدركة لأهمية عملية التغييرات التي تحدث تطورا في العملية السياسية.. البلاد في حاجة لقوى فاعلة و تراجع أخطائها و ليس شعارات زائفة..
أن مفهوم القوى الطليعية الذي برز من خلال ثقافة الحرب الباردة و انتشار ثقافة اليسار الماركسي، و طلائع حركات التحرر خاصة في أفريقيا و الوطن العربي، و جاء بحركات اليسار ” ماركسية و قومية” و التي جعلت ثقافتها تتسيد لغة المسرح السياسي، الآن هذه الثقافة أصبحت جامدة و تجاوزتها التغييرات في العالم.. و حتى الماركسية التي جاء بها كل من ماركس و انجلز لكي تكون أداة تحليلية للواقع و المتغيرات التي تحدث فيه، نجد إن جمود حركة اليسار في السودان جعلتها عقيدة، و رفعتها فوق الواقع حتى غدت شعاراتها يوتوبيا .. الأمر الذي يتطلب تغير في مفهوم الطليعة مادام البعض تستهويه هذه المصطلحات التي فقدت خاصيتها.. نسأل الله حسن البصيرة..
zainsalih@hotmail.com
