باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 14 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك
أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك عرض كل المقالات

العَلَم في السُّودان: التاريخ والرمزية السياسية (2/2)

اخر تحديث: 14 يوليو, 2026 10:26 صباحًا
شارك

أحمد إبراهيم أبوشوك
 
أشرتُ في الحلقة الأولى إلى أن العَلَم يرمز إلى سيادة السُّلطة الحاكمة والمنظِّمة لشؤون الناس الحياتيَّة، ولعلاقاتهم الرَّأسيَّة مع الحاكمين داخل حدود دولتهم السياسية. وفي الحالة الاستعماريَّة يرمز العَلَم إلى سيادة الدَّولة المُستَعمِرة، ولا يعكس المعاني والقيم الدِّينيَّة والثَّقافيَّة لحياة أهل الأرض المُستعمَرة. وفي حالة الدَّولة الوطنيَّة يختزل العَلَم في ألوانه وتصميمه سرديَّات من التاريخ الوطنيِّ، الَّذي يرمز لحركات النضال التَّحرُّريِّ، أو معاني الانتماء الدِّينيِّ والقيم الثَّقافيَّة، أو الموروثات التَّاريخيَّة. وتناولتُ في هذا الإطار تاريخ العَلَم في السودان خلال ثلاث حقب تاريخية، شملت العهد التركي-المصري (1821-1885)، والدولة المهدية (1885-1898)، والاحتلال الثنائي-الإنكليزي المصري (1898-1956). ونركز في هذه الحلقة الثانية على تاريخ العلم في فترة الحكم الذاتي (1954-1956)، والحكومات الوطنية المتعاقبة (1956-1969)، وفي عهد حكومة مايو (1969-1985)، وبعدها.

عَلَم السُّودان في مؤتمر باندونغ عام 1955
أثناء الحرب العالميَّة الثَّانية (1939–1945) عقدت بعض الدُّول الآسيويَّة مؤتمرًا في نيودلهي عام 1943، بهدف تشكيل اتِّحاد يضمُّ هذه الدُّول ويخدم علاقاتها الاستراتيجيَّة. غير أنَّ تباين وجهات النَّظر بين الوفود المشاركة حال دون تحقيق ذلك. وبعد عِقْدٍ ونيِّف، نظَّمت الهند وباكستان وإندونيسيا وبورما (ميانمار) وسيلان (سريلانكا) مؤتمر الدُّول الآسيويَّة والأفريقيَّة في مدينة باندونغ الإندونيسيَّة، خلال الفترة من 18 إلى 24 أبريل 1955، بمشاركة وفود 29 دولة آسيوية وأفريقية. وأسهمت توصيات ذلك المؤتمر في تأسيس حركة عدم الانحياز عام 1961؛ لتوحيد الدول النامية التي لا ترغب في الانحياز لأيّ من المعسكرين (الشَّرقيِّ بقيادة الاتِّحاد السُّوفيتيِّ، والغربيِّ بقيادة الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة)، بهدف الحفاظ على استقلالها، وتعزيز فرص التعاون لتنمية مواردها الاقتصادية والاجتماعية.
ويذكر خليفة عبَّاس العبيد، وكيل وكالة السُّودان الخاصَّة بالشُّؤون الخارجيَّة وعضو وفد السُّودان إلى باندونغ، أنَّ الحكومة السُّودانيَّة الانتقاليَّة (1954–1956) تلقَّت دعوةً رسميَّةً من الدُّول المنظَّمة للمشاركة في المؤتمر. وبناءً على هذه الدَّعوة، سافر الوفد السُّودانيُّ برئاسة إسماعيل الأزهري (رئيس الوزراء)، وعضويَّة مبارك زرُّوق (وزير المواصلات)، وحسن عوض اللَّه (نائب برلمانيّ)، وخليفة عبَّاس العبيد، ورافقهم الصِّحافيَّان أحمد يوسف هاشم وعلي حامد، إلى جانب محمَّد ميرغني (ضابط أمن رئيس الوزراء)، وأحمد حسين الرِّفاعي (سكرتير خاصّ رئيس الوزراء)، وكمال محمَّد إبراهيم (مصوَّر بمصلحة الإعلام). ويصف خليفة عبَّاس العبيد لحظة وصول الوفد إلى إندونيسيا بقوله:
لم نكن وقتها قد أصبحنا دولة مستقلَّة لنحمل علمنا، وقد أثلج صدورنا وملأنا زهوًا وفخرًا أن نشهد- لأوَّل مرَّة- راية تُرفع عاليةً على السَّارية بين أعلام الدُّول التِّسع والعشرين، راية بيضاء نقيَّة، خطّ عليها بحروف كبيرة زاهية اسم السُّودان باللَّون الأحمر القاني، ترفرف فوق رؤوس الجميع. […] كدْتُّ أشرق بدمعة الفرح عندما جاءنا رتل السَّيَّارات الفارهة المخصَّصة لوفدنا، وقد زيِّنت مقدِّمتها بالعَلَم ذاته. […] ورأيناه في مطار باندونغ، وفي الفندق المخصَّص لنا، وعلى مبنى المؤتمر، وعلى طول الطَّريق، يرفرف بين أعلام الدُّول. كانت حروفه الحمراء تتوهَّج فوق بياضه النَّاصع، وكأنَّها قد حيكت من نور.

تؤكِّد هذه الشَّهادة أنَّ العَلَم الأبيض المكتوب عليه اسم السُّودان بالأحمر، والَّذي وضع على جنبات الطُّرق المؤدِّية إلى باندونغ وعلى مبنى المؤتمر، كان من تصميم وصنع الجهات المنظِّمة للمؤتمر، وليس منديلًا كتب الأزهريُّ عليه اسم السُّودان ووضعه على منضدة الوفد السُّودانيّ كما زعمت بعض الرِّوايات الشَّفويَّة، بل إنَّ توجيه الدَّعوة الرَّسميَّة للوفد السُّودانيِّ، ووضع العَلَم على سارية مقرِّ المؤتمر، يدلَّان على أنَّ الوفد شارك ممثِّلًا للسُّودان، رغم أنَّ السُّودان لم يكن دولة مستقلة آنذاك، فهو وضع يشبه وضع دولة ساحل الذَّهب (غانا لاحقًا) المشاركة في المؤتمر بقيادة رئيس وزرائها الانتقالي، كوامي نكروما. وتشير المعطيات أيضًا إلى أنَّ الوفد المصريَّ لم يكن يتوقَّع أن يندمج الوفد السُّودانيُّ معه، بل ربَّما كان يأمل في أن يلمِّح الأزهريُّ في خطابه إلى إمكانيَّة الوحدة مع مصر وفق نموذج متَّفق عليه مستقبلًا.
ويورد ح. رسلان عبد الغني، رئيس الأمانة العامَّة المشتركة لمؤتمر باندونغ آنذاك، تفاصيل إضافيَّة عن قصَّة العَلَم السُّودانيِّ في باندونغ، قائلًا.

قبل أسابيع من بدء المؤتمر، احتاجت الأمانة العامَّة إلى أعلام الدُّول المشاركة لرفعها على مباني المؤتمر في باندونغ، لكن لم يصل شيء من السُّودان، رغم إرسال عدَّة برقيَّات. ويبدو أنَّ السُّودان لم يكن مستقلًّا بالكامل بعد، وبالتَّالي لم يكن لديه علم وطنيّ. فقرَّرنا رفع علم أبيض كتب عليه اسم السُّودان بأحرف حمراء، وأرسلنا برقيَّةً بهذا القرار إلى الخرطوم. وقد أبدى رئيس الوزراء الإندونيسيِّ ورئيس المؤتمر، علي ساستروأميدجوجو (Ali Sastroamidjojo)، دهشته الشَّديدة، ووبَّخني محذِّرًا من أنَّ حكومة السُّودان قد تنزعج؛ لأنَّ تحديد العَلَم الوطنيِّ حقّ سياديّ. وبعد يوم واحد وصل ردُّ من الخرطوم بالموافقة، فظلَّ العَلَم الَّذي صمَّمناه يرفرف طوال أيَّام المؤتمر.

علم السُّودان في مؤتمر باندونغ (1955)
المصدر: https://tinyurl.com/2cv8cu6j

إنَّ هذه الشَّهادة الموثَّقة من أرشيف المؤتمر تكشف القصَّة الكاملة لعلم السُّودان في باندونغ، وتدحض الرِّوايات غير المستندة إلى مصادر موثّقة، لتغدو هذه الوثيقة دليلًا حاسمًا يقطع الجدل في فكرة عَلَم السُّودان وتصميمه. وفي المؤتمر ألقى إسماعيل الأزهري كلمتين، الأولى منهما في يوم الثُّلاثاء الموافق 19 أبريل 1955، والثَّانية في الجلسة الختاميَّة للمؤتمر (24 أبريل 1955). وفي كلمته الأولى أمام المؤتمرِين وصف الأزهريُّ مشاركة الوفد السُّوداني في “المؤتمر التاريخيّ العظيم” بأنها مشاركة مقدّرة؛ لبلد “يقف على أعتاب الحرِّيَّة الكاملة والوطنيَّة النَّاضجة”، بعد أن كان خاضعًا لحكم أجنبي “لأكثر من خمسين عامًا […] وأن المؤتمر يفتح آفاقًا جديدةً، ويمثِّل أوَّل مثال على ممارسة” السُّودان لسيادته الخارجيَّة واستقلاله. وبذلك شكَّل مؤتمر باندونغ أوَّل فرصة ذهبيَّة لاتِّصال حكومة السُّودان الانتقاليَّة بالعالم الخارجيِّ؛ لأنَّ شؤون السُّودان الخارجيَّة آنذاك كانت تدار من مكتب حاكم عامّ السُّودان البريطانيِّ، أو بتفويض منه عبر الوكالة الخاصَّة الَّتي أسَّسها طرفا اتِّفاقيَّة الحكم الثُّنائيِّ لسنة 1899؛ لتكون بمثابة حلقة وصل بين مكتب الحاكم العامِّ ورئاسة مجلس الوزراء الانتقاليِّ في تنظيم الشُّؤون الخارجيَّة للبلاد. كما أكَّد رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري في كلمته أمام المؤتمر استقلاليَّة دولة السُّودان وحقِّها المشروع في إدارة شؤونها الدَّاخليَّة والخارجيَّة. ومن ثمَّ وصف السَّفير خليفة عبَّاس العبيد المؤتمر بأنَّه كان “نقطة تحوُّل كبرى في تحديد مسار” السُّودان، الَّذي تمثَّل في إعلان استقلاله الضِّمنيِّ، بعيدًا عن شعارات الوحدة أو الاتِّحاد مع مصر. وبذلك شكَّل خطاب الأزهريِّ علامةً فارقةً في تاريخ العلاقات المصريَّة-السُّودانيَّة، وتحول أجندة الحزب الوطنيِّ الاتِّحاديِّ تجاه استقلال السُّودان التَّامِّ. إنَّ هذا الموقف يحسب في قائمة إنجازات الأزهريِّ السِّياسيَّة، ويفترض أن يجعل الباحثين والقرَّاء النَّابهين يقلعون عن الحديث السَّخيف والمفبرك عن منديل الزَّعيم وعلاقته بعلم السُّودان في مؤتمر باندونغ؛ لأنَّ الادِّعاء برفع المنديل على المنضدة الَّتي يجلس خلفها أعضاء الوفد السُّودانيِّ وعليها لوحة تحمل اسم السُّودان (Sudan)، ادِّعاء فيه تجهيل واستخفاف بوعي الرَّئيس الأزهريِّ ببروتوكولات مثل هذه المؤتمرات، بل يعد خصمًا على فاتورة نضاله الوطنيِّ. فالتَّاريخ الوطنيُّ يجب أن يكتب بأقلام مهنيَّة، تستند إلى مصادر موثَّقة، بعيدًا عن روايات أصحاب الغرض السِّياسيِّ، الَّتي تلوي أعناق الحقائق؛ لتقدُّم استنتاجات غير موضوعيَّة، تخدم مصالحها الحزبيَّة خدمةً لحظيَّةً، ولا تساعد في التَّخطيط الاستراتيجيِّ لتطوير البلاد والارتقاء بشأنها. وذلك بخلاف المعرفة التَّاريخيَّة القائمة على منهج علميّ ومصادر موثَّقة؛ لرفد صنَّاع القرار بمعلومات ضروريَّةً؛ تساعدهم في إصدار قرارات صائبة تخدم متطلَّبات المجتمع المعاصر وتعالج مشكلات الواقع المعيش.

عَلَم الاستقلال ذو الألوان الثلاثة (1956-1970)
استند إعلان استقلال السُّودان في 19 ديسمبر 1955 إلى أربعة مشروعات قرارات تأسيسيَّة، أجازها البرلمان بمجلسيه (النُّوَّاب والشُّيوخ). وأوَّل هذه القرارات قرار منح جنوب السُّودان حكمًا فيدراليًّا؛ وثانيها قرار إعلان الاستقلال من دولتي الحكم الثُّنائيِّ (بريطانيا ومصر)؛ وثالثها قرار قيام جميعة تأسيسيَّةً لوضع وإقرار الدُّستور الدَّائم وقانون الانتخابات للبرلمان السُّودانيِّ المقبل؛ ورابعها قرار تعيين اللَّجنة الخماسيَّة الَّتي تمارس سلطات رأس الدَّولة. وبعد إجازة هذه القرارات التَّأسيسيَّة تقدَّم زعيم الأغلبيَّة مبارك زرُّوق في الجلسة البرلمانيَّة رقم (53) المنعقدة يوم السَّبت الموافق 31 ديسمبر 1955، باقتراح علم السُّودان وفق المواصفات الآتية: إنَّ يصمِّم العَلَم من ثلاثة ألوان، أزرق يرمز للنَّيل، وأصفر يرمز للصَّحراء، وأخضر يرمز للزِّراعة؛ وأن تُرتَّب هذه الألوان الثَّلاثة حسب التَّدرُّج الآتي، اللَّون الأزرق من أعلى، واللَّون الأصفر في الوسط، واللَّون الأخضر من أسفل؛ وأن تكون مساحة هذه الألوان بالتَّساوي، وعرض العَلَم نصف مقاس طوله. وعضَّد ذلك بقوله: إنَّ “علمنا البسيط المثلَّث الألوان يذكرنا بعلم الثَّورة الفرنسيَّة ومبادئها الخالدة- الإخاء والحرِّيَّة والمساواة- إنَّما يرنو إلى معالم السُّودان الطَّبيعيَّة المميَّزة ووحدته الإقليميَّة […]، وإنَّه رمز عزَّتنا وسيادتنا ودليل كرامتنا وحرِّيَّتنا، وإنَّه العَلَم الَّذي ارتضيناه لنعيش تحته في ظلِّ جمهوريَّة السُّودان الحرَّة الدِّيمقراطيَّة”. وثنى هذا الاقتراح زعيم المعارضة محمَّد أحمد محجوب، قائلًا: “ليس المهمُّ أن تكون الألوان زاهيةً لتروق في نظر رجال الفنِّ، وأصحاب الذَّوق المرهف، إنَّما المهمُّ أن نقدِّس هذا العَلَم، وأن نرعاه وندافع عنه ما دمنا قد اخترناه شعارًا لأنفسنا وعزَّتنا وكرامتنا”. ثمَّ عُرض الاقتراح على البرلمان الذي أجازه بالإجماع.
وعلى الرَّغم من وضوح إجراء إجازة اقتراح العَلَم ذي الألوان الثَّلاثة داخل البرلمان إلَّا أنَّ هناك سؤالًا جوهريًّا أطلَّ برأسه: من الَّذي صمَّم العَلَم قبل عرضه على البرلمان؟ أجاب- ضمنًا- عن هذا السُّؤال خضر حمد، أحد أبرز الشَّخصيَّات السِّياسيَّة في تلك الحقبة، عندما صرَّح في مذكِّراته قائلًا: “بعد الموافقة على قرار إعلان الاستقلال داخل البرلمان، بدأ العمل لإعداد العَلَم، وتسابق الفنَّانون برسوماتهم المختلفة، وكان فيها المناسب، لكنَّ حزب الأمَّة أصرَّ على أن يحوي العَلَم اللَّون الأصفر، الَّذي – كما قالوا- يرمز إلى الصَّحراء.” إذًا عبارة “تسابق الفنَّانون برسوماتهم المختلفة” تقودنا إلى النَّظر في الرِّوايات الثَّلاث المتداولة عن تصميم العلم؛ لكنها لا تعطينا إجابة جامعة مانعة عن أيٍ من التَّصاميم الواردة في الرِّوايات أدناه قد حظيت بقبول الجهة المحكّمة، ثمَّ عُرضت في شكل الاقتراح الَّذي قدَّمه زعيم الجمعيَّة، كما أوضحنا أعلاه.
الرِّواية الأولى: السَّريرة مكِّي الصُّوفيِّ
تذكُر الأستاذة السَّريرة مكِّي عبد اللَّه الصُّوفي (1928–2021)، المعلِّمة والشَّاعرة والفنَّانة التشكيليَّة المولودة بحيِّ الهاشماب بأمِّ درمان، في أكثر من لقاءٍ تلفزيونيٍ أو حوارٍ صحافيٍّ، بأنَّها قد صمَّمت علم الاستقلال في ورقة عاديَّة، وقدَّمته عبر شقيقها حسن مكِّي إلى الإذاعة السُّودانيَّة داخل ظرفٍ مغلقٍ، وقَّعت عليه باسم مستعار (س. مكِّي الصُّوفيِّ). وأوضحت بأنها قد شرحت في رسالتها رمزيَّة ألوان العَلَم الثَّلاثة: الأزرق يرمز للمياه، والأصفر يرمز للصَّحراء والرِّمال، والأخضر يرمز للزِّراعة.
الرِّواية الثَّانية: صالح سليمان
في تعليق على مقال نُشر بصحيفة الرَّاكوبة بتاريخ 25 ديسمبر 2013، بعنوان “السِّريرة الصُّوفيِّ: المعلِّمة الَّتي صمَّمت علم السُّودان”، علَّق عليه شخص يدعى محمَّد، قائلًا: “علم السُّودان صمَّمه أستاذ صالح سليمان، رئيس شعبة الفنون بمعهد التَّربية بخت الرِّضا، وهو لا يزال حيًّا، ويقترب عمره من التِّسعين عامًا، ويقيم بقرية الوحدة جنوب ود مدني. وقد تسلَّم خطاب شكرٍ من وزارة الدَّاخليَّة في عام 1956، وقد اطَّلعت على الخطاب قبل سنوات. لكنَّه لا يهتمُّ بالإعلام، شأنه شأن المعلِّمين الأفاضل في ذلك الزَّمان. وهو خرِّيج أوَّل دفعة من كلِّيَّة الفنون بالمعهد الفنِّيِّ. أستغرب كيف ينسب الأمر لشخص آخر، مع كامل احترامي للوالدة السَّريرة، والَّتي قد تكون لها مساهمات، لكن من باب الأمانة التَّاريخيَّة، ينبغي تصحيح الرِّواية في مسألة وطنيَّة تهمُّ جميع السُّودانيِّين”.
الرِّواية الثَّالثة: حسن الهادي رحمة اللَّه
يذكر الدُّكتور الشَّفيع بشير، الأستاذ بكلِّيَّة الفنون الجميلة والتَّطبيقيَّة، أنَّ البروفيسور حسن الهادي رحمة اللَّه هو الَّذي صمَّم علم الاستقلال. ويعضِّد ذلك بقوله إنَّه كان سكرتيرًا ثقافيًّا لطلَّاب كلِّيَّة الفنون الجميلة والتطبيقية في العام 1987، وعملوا معرضًا بمناسبة ذكرى الاستقلال، وزارهم في المعرض حسن الهادي رحمة اللَّه، وأثناء تجواله داخل المعرض مرَّ على الرُّسومات (أو الصُّور) التِّذكاريَّة لرموز الاستقلال، توقُّف عند صورة مبارك زرُّوق، الَّذي رسمها جلال محمَّدين، وقال لمرافقه، الطَّالب الشَّفيع، “بزهو وفخر واضح: هل تعلم أنو مبارك زرُّوق ده قريبي؟ وهو الَّذي طلب مني تكليف ناس الكلِّيَّة بعمل تصميم للعلم، فأبلغتهم، ولما كان التَّكتيك والمباغتة جزء من فكرة الاستقلال من النَّاحية السِّياسيَّة، قبل زرُّوق أوَّل اقتراح قدَّم له منى وتدارسه معي، ثمَّ عرضه كمقترح في البرلمان”.

يدلّل تضارب هذه الرِّوايات الثَّلاث على صعوبة ترجيح أيِّ منها؛ لكنَّ الأهمَّ في الأمر أنَّ البرلمان قد أجاز علم استقلال السُّودان بألوانه الثَّلاثة في جلسته رقم (53) المنعقدة بتاريخ 31 ديسمبر 1955. وفي الأوَّل من يناير 1956 عقد البرلمان جلسةً تاريخيَّةً أعلن فيها استقلال السُّودان بالإجماع، وتلا رئيس مجلس الوزراء اعتراف دولتي الحكم الثُّنائيِّ بذلك الإعلان، ثم رُفعت الجلسة، وتحرك الشُّيوخ والنُّوَّاب في موكب يتقدَّمه إسماعيل الأزهري صوب قصر الحاكم العام، وداخل ميدان القصر الجنوبيِّ “جلس في الصَّفِّ الأوَّل أعضاء مجلس السِّيادة وجلس عن يمينهم السَّيِّد علي الميرغني وعن يسارهم السَّيِّد عبد الرَّحمن المهدي. وجلس في الصَّفِّ الثَّاني مندوبا مصر وبريطانيا، ومعهما قاضي القضاة، ورئيس القضاء، والمستشار القانونيِّ للدَّولة زعيم الأغلبيَّة في مجلس النُّوَّاب مبارك زرُّوق. وجلس خلفهم النُّوَّاب والشُّيوخ وكبار المدعوِّين وكان من بينهم ضبَّاط الاتِّصال الدِّبلوماسيِّ. وبعد أن استقرَّ الجميع في مقاعدهم ألقى السَّيِّد إسماعيل الأزهري … خطابًا تاريخيًّا، ثمَّ توجَّه إلى السَّارية أمام الاجتماع وشرع هو وزعيم المعارضة السَّيِّد محمَّد أحمد محجوب [في إنزال] علمي الحكم الثُّنائيِّ و[رفع] علم السُّودان”، وفي الوقت نفسه شرع بعض ضبَّاط قوَّة دفاع السُّودان في إنزال العَلَمين ورفع علم السُّودان من سارية القصر، بينما كانت موسيقى فرقة المهندسين بقوَّة الدِّفاع تملأ الأجواء.

رئيس الوزراء وزعيم المعارضة يرفعان علم السُّودان
المصدر: https://tinyurl.com/9acztb7u

وتسلَّم السَّير دوغلاس دودس-باركر (Douglas Dodds-Parker)، ممثِّل الحكومة البريطانيَّة في مراسم رفع العَلَم السُّودانيِّ، العَلَمَ البريطانيَّ الَّذي كان يرفرف على سارية “قصر الحاكم العامِّ” لأكثر من سبعة وخمسين عامًا (1898-1956) وكذلك العَلَمُ المصريُّ، الَّذي تسلَّمه عبد الفتَّاح حسن، ممثِّل الحكومة المصريَّة، وبانتهاء مراسم رفع العَلَم أسدل السِّتار على حقبة الحكم الثُّنائيِّ وأصبح السُّودان دولةً مستقلَّةً كاملةَ السِّيادة، وعُدِّل قصر الحاكم العامّ إلى القصر الجمهوريّ. بعد عودته إلى لندن وفي معيَّته العمل البريطانيَّ واجه السَّير باركر مشكلةً بروتوكوليَّةً؛ لأنَّه لم يجد سابقةً في وزارة الخارجيَّة البريطانيَّة عن مصير الأعلام الَّتي كانت مستخدمةً في المستعمرات الَّتي نالت استقلالها. وإزاء تلكُّؤ وزارة الخارجيَّة في اجتراح حلٍّ لهذه المعضلة البروتوكوليَّة أرسل السَّير باركر العَلَم البريطانيِّ الَّذي كان مستخدمًا في السُّودان إلى السِّكرتير الخاصِّ للملكة إليزابيث الثَّانية (1952-2022) للاحتفاظ به في قلعة وندسور (Windsor Castle).

علم استقلال السُّودان (1956-1970)
المصدر: https://www.fotw.info/flags/sd-hist.html

وبعد رفع علم الاستقلال طُرحت قضيَّة الشِّعار، وأخيرًا، استقرَّ الرَّأي على وحيد القرن الأبيض (أو الخرتيت) شعارًا لدولة السُّودان المستقلَّة، تعلُّلًا بأنَّه حيوان قويّ يرمز للصَّلابة ولا يوجد في أيِّ مكان آخر في العالم سوى السُّودان. فوضع الشِّعار (وحيد القرن) وسط باقة شبه دائريَّة، تتكوَّن من نخلتين يحيط بهما غصن زيتون أخضر، وتحتهما لفافة مكتوب عليها باللُّغة العربيَّة (جمهوريَّة السُّودان). لكنَّ خضر حمد يعتبره شعارًا غير موفَّق لأن وحيد القرن يوصف بالبلادة. وعلَّق الطَّيِّب صالح على اختيار الشِّعار ساخرًا: إنَّهم “جعلوا شعار الدَّولة وحيد القرن، وقالوا إنَّه رمز الصَّلابة، وقد كان حيوانًا آخذًا في الانقراض بالفعل”. وإلى جانب الشِّعار اختيرت قصيدة “نحن جند اللَّه، جند الوطن”، الَّتي كانت من ضمن قصائد أخرى شاركت في مسابقة عامَّة عن أفضل عمل شعريّ يشيد بقوَّة دفاع السُّودان (نواة الجيش السُّودانيِّ)، وعندما نال السُّودان استقلاله في عام 1956، اختيرت الأبيات الأربعة الأولى من القصيدة لتكون نشيدًا وطنيًّا لدولة السُّودان المستقلَّة، وهي من تأليف الشَّاعر أحمد محمَّد صالح، وتلحين الموسيقار العقيد أحمد مرجان من سلاح الموسيقى، والآن يطلق عليها رسميًّا اسم “السَّلام الجمهوريِّ” أو “نشيد العَلَم.”

شعار السُّودان (1956-1970)
المصدر: https://tinyurl.com/4e59kkd2

علم السُّودان بعد انقلاب 25 مايو 1969
بعد عام من انقلاب 25 مايو 1969 قرَّرت قيادة الحكومة العسكريَّة تغيير عَلَم السُّودان، وشعاره الوطنيُّ، إيذانًا ببداية عهد جديد فأعلنت عن مسابقة مفتوحة لتصميم العَلَم، اشترك فيها عدد من الفنَّانين التَّشكيليِّين، ثمَّ شكَّلت لجنةً لاختيار أفضل النَّماذج المقدَّمة للمسابقة. وقد قيَّمت اللَّجنة 72 نموذجًا تأهَّلت للمنافسة النهائية، اختارت منها النَّموذج الَّذي قدَّمه الفنَّان عبد الرَّحمن أحمد الجعلي. وفي 20 مايو 1970 اُعتمد رسميًّا نموذج الجعلي، الَّذي يتكوَّن من ثلاث مستطيلات: أعلاها أحمر اللَّون، ويليه مستطيل أبيض اللَّون وثالث لونه أسود، ويتساوى المستطيلان الأوَّل والثَّالث في طولهما، وأمَّا المستطيل الوسط الأبيض اللَّون، فهو أقصر طولًا، لأنَّ هناك مثلَّثًا أخضر يتلاقى ضلعاه الأعلى والأسفل في نقطة تتوسَّط نهاية الثُّلث الأوَّل للمستطيل الأبيض. وأمَّا الضِّلع الثَّالث للمثلَّث والَّذي يشكِّل قاعدة المثلَّث فهو ضلع قائم ويتوازى مع خطِّ السَّارية. وقد رفع هذا العَلَم- لأوَّل مرَّة- في 20 مايو 1970، احتفاء بالذِّكرى الثَّانية “لثورة مايو.” ويبدو أنَّ ألوان العَلَم السُّودانيِّ الجديد مستوحاةٌ من ألوان بعض الدُّول العربيَّة أو من علم الثَّورة العربيَّة الكبرى الَّتي انطلقت من الحجاز، والَّذي كان يتكوَّن من أربعة ألوان، هي: الأسود، والأبيض، والأحمر، والأخضر، ولكلِّ واحد من هذه الألوان دلالة سياسيَّة، فاللَّون الأسود يرمز للدَّولة العبَّاسيَّة، والأبيض للدَّولة الأمويَّة، والأخضر للدَّولة الفاطميَّة، والأحمر للهاشميِّين. وفي السُّودان تفسر دلالات هذا الألوان من زاوية أخرى، إذ يرمز الأحمر إلى دماء الشُّهداء، والأبيض إلى السَّلام والنَّقاء، والأسود إلى الأجداد السَّابقين الأقوياء، والأخضر إلى الخصب والنَّماء. ويبدو أن الهدف السِّياسيَّ من تبنِّي هذه الألوان الأربعة في عقد السبعينيات من القرن العشرين كان يشكل نوعًا من الالتزام بالوحدة العربيَّة؛ ولذلك نلحظ أنها قد برزت في أعلام بعض الدُّول العربيَّة، مثل مصر، والأردنِّ، والعراق، وسوريا، السُّودان، والإمارات العربيَّة المتَّحدة.

علم جمهورية السُّودان (1970- الآن)
المصدر: https://tinyurl.com/27fekdtx

  وأعقب إجازة العلم تغيير شعار الدَّولة المتمثِّل في وحيد القرن بطائر صقر الجديان، الَّذي اختارته لجنة خماسيَّة من فنَّانين تشكيليِّين، وهم: أحمد حامد عربيّ، ومجذوب أحمد رباح، وحسن الهادي رحمة اللَّه، وأحمد شبرين، وعبد الرَّحمن الجعلي. ويظهر شعار صقر الجديان بجناحيه منبسطين إلى أعلى من ناحيتي اليمين واليسار، وبينهما إطار في شكل لفافة شبه مفتوحة مكتوب فيها كلمتي (النَّصر لنا)، كما توجد لفافة أخرى محيطة بقاعدة الشِّعار، مكتوبٌ عليها (جمهوريَّة السُّودان). ولا تظهر أرجل الطَّائر في الشِّعار، ويتوسَّط جسمه رسم في شكل درع تقليديّ من الجلد يرمز للثَّورة المهديَّة. وفي الغالب يظهر الشِّعار بالألوان الأسود والرَّمادي والأبيض، الَّتي تمثِّل الألوان الطَّبيعيَّة للطَّائر؛ إلَّا أنَّه في بعض الأحيان يكون بألوان أخرى، مثل اللَّون الذَّهبيِّ. ويبدو أن اللجنة قد سوقت اختيارها لصقر الجديان، بحجة وجوده في ولايات كردفان (دار حمر وسودري)، ودارفور، والنِّيل الأزرق وحزام السَّافانَّا في وسط السُّودان والمناطق الجافَّة للأجزاء الجنوبيَّة، كما أنه يتميَّز بالقوَّة والذَّكاء والجمال والنَّظر الحادِّ والقدرة على الطَّيران في ارتفاعات شاهقة. لكنَّ حكومة مايو لم تغيِّر النَّشيد الوطنيَّ: “نحن جند اللَّه وجند الوطن “.

شعار جمهورية السُّودان (1970-الآن)
المصدر: https://tinyurl.com/yvwjp76e
خاتمة
في ضوء ما عُرض من سرد تاريخيّ وتحليل موثَّق لتطوُّر أعلام السُّودان منذ العهد العثمانيِّ والمهديَّة والحكم الثُّنائيِّ، وصولًا إلى عَلَم الاستقلال وعَلَم ما بعد مايو 1969، يتَّضح أنَّ العَلَم لم يكن مجرَّد قطعة قماش ملوَّنة، بل كان على الدَّوام رمزًا سياديًّا وسياسيًّا وثقافيًّا، اختزل في ألوانه ودلالاته مسيرة البلاد وصراعاتها وهويَّتها الوطنيَّة وخضوعها للاستعمار. فقد عكست تغيُّراته الحقب السِّياسيَّة المختلفة، والتَّوجُّهات الأيديولوجيَّة للقوى الحاكمة، كما ارتبط برموز النِّضال والتَّحرُّر والاستقلال، وأصبح جزءًا من الذَّاكرة الجمعيَّة السُّودانيّة. ومن ثمَّ، فإنَّ دراسة تاريخ العَلَم السُّودانيِّ تعد مدخلًا لفهم أعمق لمسار تشكُّل الدَّولة السُّودانيَّة الحديثة، وتحوُّلاتها السِّياسيَّة والاجتماعيَّة، ووسيلة لتأكيد أهمِّيَّة الرُّموز الوطنيَّة في ترسيخ الانتماء وتعزيز الوحدة الوطنيَّة، بعيدًا عن الرِّوايات غير الموثَّقة الَّتي قد تسيء إلى الوعي التَّاريخيِّ وتشوِّه حقائق الماضي.

ahmedabushouk62@hotmail.com

الكاتب
أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

أ.د. أحمد إبراهيم أبوشوك

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
صورة اٌخري لوصف شيخ جهنم ! .. بقلم: عبدالعزيز التوم
الأخبار
“الوطني”: “قطاع الشمال: يخطط لاحداث توترات في العاصمة عبر “خلايا نائمة”
الأخبار
بيان من شبكة الصحفيين السودانيين
الأخبار
شوارع أمدرمان تضج بالهتافات والزغاريد في الموكب المركزي من أجل النساء المعتقلات باتجاه سجن النساء .. قوات الأمن تطلق الرصاص والغازات المسيلة للدموع وتعتقل المئات بينهم عشرات النساء .. مظاهرات حاشدة في خشم القربة والقضارف ووقفات احتجاجية في الابيض ومدني
مصطفى سري
الحركات الاسلامية … انتهاء مدة الصلاحية . بقلم: مصطفى سري

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الإنقلابيون فى فتيل  .. بقلم: محمد محجوب محى الدين

طارق الجزولي
منبر الرأي

الخرطوم وموسكو.. ما وراء الأكمة؟ .. بقلم: د. ياسر محجوب الحسين

طارق الجزولي
منبر الرأي

غندور من بطل رفع الحصار… الى بتاع كشاتين .. بقلم: د.أمل الكردفاني

طارق الجزولي
منبر الرأي

تابي الرماح اذا اجتمعن تكسرا … واذا افترقن تكسرت احادا .. بقلم: حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss