باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 15 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
صلاح الدين التهامي المكي عرض كل المقالات

الاثر البريطاني في حياة شخصية مصطفى سعيد بطل قصة موسم الهجرة إلى الشمال

اخر تحديث: 14 يوليو, 2026 10:02 مساءً
شارك

الاثر البريطاني في حياة شخصية مصطفى سعيد بطل قصة موسم الهجرة إلى الشمال
وأشياء أخرى
هذه محاولة لفهم شخصية مصطفى سعيد بطل رواية موسم الهجرة الى الشمال للكاتب الكبير عليه رحمة الله الطيب صالح من زاوية المشروع التعليمي و الثقافي البريطاني في شمال السودان و مآلات ذلك المشروع من الفشل و النجاح. و هي كذلك محاولة لفهم تلك الشخصية من خلال استقراء الاثر البريطاني في حياتها بالإضافة الى أشياء أخرى.
من الملاحظ جيداً أن البريطانيون كانوا حاضرين بقوة في حياة مصطفى سعيد. وقد كان ذلك الحضور جزءاً من الحبكة الروائية و تطوراتها الدرامية. لم يكن ذلك الحضور عبثاً، فوراء الأكمة ما وراءها كما يقول المثل العربي. و لم يكن ذلك الحضور من قبل البريطانيين الا بصفتهم وكونهم جزء من الادارة البريطانية في شمال السودان في ذلك الحين.
ويمكن ان ننظر لذلك الحضور البريطاني بانه يشكل بيئة مجتمعية و ثقافية خارجية تشكل ايضا خلفية
من الخلفيات التي توجد في هذه الرواية.
دعنا نخرج قليلاً على سبيل الاستطراد عن إطار الرواية وحبكتها الدرامية ونعرف في إيجاز ما هو الاستعمار ( اذا كان الاستعمار يحتاج الى تعريف) وما طبيعته وما أهدافه العلنية و الخفية. الاستعمار يشكل حضوراً لدولة ما داخل أراضي دولة أخرى لم تعد دولة واصبحت كياناً يخضع للاستعمار ويكون ذلك غالباً بقوة السلاح وحق الفتح. ويأخذ ذلك الحضور شكل دولة داخل الدولة الخاضعة للاستعمار. وتكون الدولة الاستعمارية عاكفة على ادارة مشاريع ذات طبيعة عسكرية و اخرى مدنية خدمية ( تقدم خدمات لطالبي الخدمات بشتى أنواعها) و استثمارية وتجارية وايضاً مشاريع تعليمية و ثقافية و ترمي كلها في نهاية المطاف ترمي الى تحقيق مصالح دولة الاستعمار على المدى القريب والمدى البعيد.
طبيعة العلاقة بين مصطفى سعيد و البريطانيين
خضعت العلاقة لتراتيبية الاختيار ثم الصعود و الانحدار ثم الانهيار هذه ابرز معالم العلاقة الي نشأت بين الجانبين، و قد تكون تلك المراحل هي المعالم والاطوار التي تمر بها كافة او معظم العلاقات الانسانية.

العلاقة في اوج قوتها
ومن بين الخدمات التي تقدمها الادارة الاستعمارية يهمنا في هذا السياق أن نسلط الضوء على المشروع البريطاني التعليمي و الثقافي في شمال السودان لكون ذلك المشروع له صلة عملية وواقعية بحياة بمصطفى سعيد وموته منتحراً غريقاً في نهر النيل العظيم او لكونه يشكل البيئة المجتمعية أو الخلفية المؤثرة تأثيراً مياشراً على حياة مصطفى سعيد الدراسية و الاجتماعية ولن يغيب عن بالنا أبداً أن مصطفى سعيد اليتيم أدخل المدرسة الأولية عنوة بواسطة ضابط في جيش الاحتلال البريطاني أخذه من الشارع حيث كان يهيم الى المدرسة.لقد كان نظام التعليم البريطاني في شمال السودان في البداية غير مرغوب فيه ,كان الناس يتوجسون منه شراً . وأقول على سبيل الاستطراد أن ذلك المشروع كانت له أهداف معلنة وأهداف أخرى غير معلنة. تتمثل ألاهداف المعلنة في تغيير النظام التعليمي الذي كان سائداً آنذاك في شمال السودان و وكان يركز على تعليم الخط العربي و النحو العربي ومباديء الحساب و الجانب الديني و حفظ القرآن الكريم كإنجاز في غاية الأهمية. بينما ركز المشروع البريطاني على تخريج أشخاص قادرين على تشغيل ماكينة الدولة الحديثة التي أنشأتها الادارة البريطانية لا يتعدى تعليمهم مرحلة الثانوي أما الأهداف غير المعلنة لذلك المشروع فقد أشرنا اليها آنفا وترمي للتأثير الثقافي بحيث يتغلغل في وجدان الأمة و يخلق أشخاصاً من نمط الانجليزي الأسود. كان المستعمرون الأوربيون في أفريقيا يعتقدون أن لهم رسالة تحضيرية وتلك الرسالة تتلخص في نظرهم في نشر لغة المستعمر و جعلها اللغة الأولى ولغة الدولة الرسمية وكذلك تبني طريقة الحياة الأوربية الغربية وديانة الرجل الأبيض ولكن و الحق يقال أن البريطانيين، في السودان، لم يتبنوا أبداً سياسات أو أساليب قهرية أو تعسفية لفرض برنامجهم الثقافي وأن أساليبهم كانت ناعمة. ويبدو هنا الفرق جلياً بينهم وبين المستعمرين الفرنسيين الذين سعوا لفرض ثقافتهم وطريقة حياتهم وربما ديانتهم بأساليب قمعية وحشية و الجزائر مثال ساطع على ما أقول ولعله من نافلة القول أن نضيف أن المشروع الثقافي هو من أخطر مكونات المشروع الاستعماري لأنه يستهدف روح الأمة ووجدانها وهويتها الثقافية ويحول معتنقيه أو الذين يجوز عليهم الى مجرد أنجليزي أو فرنسي أو أمريكي أسود. تجربة زنوج أمريكا و الذين أنتزع أسلافهم الأوائل إنتزاعاً من مجتمعات غرب أفريقيا المسلمة ثم إدخلوا في المسيحية قسراً و عن طريق الترهيب و الترغيب و الاستلاب الثقافي الممنهج تلقي بعض الضؤ.
وننظر لقيام بعض زنوج أمريكا إعتناق الاسلام كمحاولة لاستعادة هويتهم الثقافية المفقودة. و إذا نجح المشروع الاستعماري الثقافي وأنتج أشخاصاً من نمط الانجليزي او الفرنسي الأسود أو الأمريكي الأسود فسوف يدل ذلك على الانتصار النهائي للمشروع الاستعماري في الدولة المستهدفة أو المجتمع المستهدف

لقد نجح المشروع الاستعماري الثقافي في أفريقيا الانجلوفونية وكلك في أفريقيا الفرانكوفونية حبث تبنت تلك المجتمعات اللغة الانجليزية او الفرنسية و طريقة الحياة الغربية الاوروبية وديانة الرجل الابيض ( النسخة الاوروبية الغربية من المسيحية) ويمكن على سبيل المفارقة مع السودان القول بأن المشروع الاستعماري الاوروبي الغربي وخاصة في جانبه الثقافي قد نجح في تلك المجتمعات و فشل في السودان
و يهمنا أن ننوه بنجاح المشروع التعليمي البريطاني في شمال السودان( وليس الثقافي فالبون شاسع بين المشروعين) وأتذكر في هذا السياق كلمات امير شعراء السودان الشاعر محمد سعيد العباسي عن نجاحات البرنامج التعليمي المصري في السودان:
بثوا المعارف في السودان فازدهرت
وبه أقاموا منار العدل فانتظما
وما ذكره الشاعر العباسي ينطبق تماماً أيضا على المشروع التعليمي الذي أنشأه البريطانيون في شمال السودان فقد حقق ذلك المشروع نجاحاً منقطع النظير.

ذكر الراوي في عدة مناسبات تصريحا و تلميحاً أن مصطفى سعيد حين شب عن الطوق وأصبح رجلاً مسئولاً عن نفسه، كان مقرباً من الإنجليز إن لم نقل أن الانجليز كانوا يعدونه لكي يصبح في نهاية المطاف موظفاً في المشروع الثقافي البريطاني. قال أحدهم للراوي أن مصطفى سعيد كان ضالعاً في المخطط البريطاني في السودان في بدايات القرن العشرين. وهذا على سبيل المبالغة او محاولة المؤلف جعل مصطفى سعيد شخصية اسطورية.
دلالات الاسم
اسم مصطفى و معناها المختار اي الشخص الذي وقع عليه اختيار الجهة المعنية لاداء دوراً ما. وسعيد يعني سعادته بهذا الاختيار فكيف تم ذلك؟ لقد إختار الكاتب شخصية مصطفى سعيد بعناية ليكون ذلك الشخص غير المنتمي والذي سيصبح فيما بعد المرشح المثالي للمشروع الثقافي البريطاني في شمال السودان فأبوه من قبيلة العبابدة التي تعيش في الحدود بين مصر والسودان وأمه من قبيلة الزاندي وهي أيضاً قبيلة أفريقية لها امتدادات في عدة دول بخلاف جنوب السودان أي أنه بالكاد ينتمي للسودان من الناحية العرقية أو الجهوية. بمعنى آخر لم يكن مصطفى سعيد بحكم تلك الخلفية منتمياً للتيار المجتمعي الرئيسي وربما يكون مهمشاً. وربما كان الكاتب يهيئ مصطفى سعيد بحكم التركيبة الاثنية أو الموقع الجغرافي ليلعب دور الانجليزي الأسود أو دور مستر سعيد وهو أقصى ما كان يطمح لبلورته على صعيد الواقع ذلك المشروع البريطاني في شمال السودان أي أن يخلق شخص / ـأشحاص لا يحمل / لا يحملون من التراث الثقافي غير الاسم ، شخص منفصل عن هويته الثقافية و متبنياً لهوية ثقافية إنجليزية جديدة ومكتسبة وقد وجد الانجليز ضالتهم في مصطفى سعيد فلفت اهتمامهم كمرشح مثالي لكي يلعب الدور المشار إليه.
وحينما كانت العلاقة في اوج قوتها كان الإنجليز هم الذين تبنوه و كفلوه فعلاً لا قولاً أو إفتراضاً وهم الذين أرسلوه في بعثة دراسية إلى مصر أولاً ثم إلى إنجلترا لاحقاً ويعني ذلك ضمنا أنهم تكفلوا بمصاريف السفر و الإعاشة و الدراسة و ما اليه من المتطلبات. توسموا فيه النجاح لذكائه و نبوغه الباهر حتى أنه تلقب بلقب الانجليزي الأسود الذي يتكلم الانجليزية ” بطلاقة مذهلة” وبلكنة غير أجنبية كما أشار الراوي.
ومن اللافت أن مصطفي سعيد استقبلته حينما ذهب للقاهرة أسرة بريطانية ولقى ترحيباً حاراً من مدام روبنسن وزوجها وهما من المستشرقين البريطانيين المقيمين بالقاهرة وقد أغدقت مدام روبنسن علي مصطفى سعيد ألواناً من الحنان و العطف والحب، حب الأمومة لأنها كانت تعتبره بمثابة الابن، وهذه هي علاقة الحب الوحيدة التي لها معنى أو مغزي في هذه الرواية.
كما أن محبتها لمصطفى سعيد إستمرت حتى بعد أن سيق الى محكمة الأولد بيلي البريطانية الشهيرة وحوكم كمجرم عادي أو كواحد من عتاة المجرمين,
الحقبة اللندنية من حياة مصطفى سعيد
هذه هي الحقبة الحافلة بالأحداث الجسام والتطورات البعيدة الأثر في حياة مصطفى سعيد و تتراوح تلك التطورات بين النجاح المدهش و الاخفاقات المؤلمة و التي شكلت بداية النهاية للحقبة اللندنية والتي سيكون لها ما بعدها من عميق الأثر في حياته.
أما النجاحات فقد كانت على المستوى التعليمي وقد أحرز درجة الدكتوراه في علم الاقتصاد و وعين محاضرا في كلية الاقتصاد في إحدى الجامعات البريطانية وليس هذا بالإنجاز الهين او السهل
وربما كان نجاحه الباهر أيضاً يتماثل مع نجاح للمشروع البريطاني التعليمي في شمال السودان لكن ليس على مستوى المشروع الثقافي البريطاني بكامله, فلم يكن مصطفى سعيد شخصية على نمط سنغور او الأوروبي الأسود، بل إن مصطفى سعيد حينما رجع للسودان أخفى هذا الجانب من حياته تماما بحيث لم يدر أهل القرية شيئاً عن خلفية مصطفى سعيد اللندنية وعن هويته الثقافية الانجليزية المكتسبة
توجد ثمة نجاحات أخرى، حققها في مدينة لندن، أقل شأناً من تلك النجاحات الأكاديمية وهي النجاحات على المستوى الاجتماعي. فقد وجد مصطفى سعيد القبول من المجتمع البريطاني حين ذهب الى لندن حتى أنه إستحق وبجدارة وصف الشاب “الأسمر الوسيم المدلل في الأوساط البوهيمية!” و يعني هذا أنه كان نجماً لامعاً في المجتمعات البوهيمية! وهذا يدل على أنه اندمج في المجتمع البريطاني بقدر كافٍ وأنه بحكم طبيعته كان ليس انطوائياً بل شخصية منفتحة اجتماعياً او ما يطلق عليه extrovert في اللغة الانجليزية.
ثم برزت لنا تلك الاخفاقات التي اشرنا اليها سابقاً فكيف انقلبت حياته رأساً على عقب وتحولت تلك الرصانة التي طبعت حياته الأكاديمية الى سفاهة وكيف انتقل فجأة من طور النجاح المذهل الى طور الفشل المخزي. وكيف انتهج نهجاً عدائياَ ضد من تبنوه و كفلوه و بذلك تكون العلاقة بين الطرفين قد دخلت مرحلة الانحدار والانهيار وأصبحت عبارات و شعارات مثل ” أتيتكم غازياً في عقر داركم” وبضاعتكم ردت اليكم، هي العناوين التي تدل على طبيعة المرحلة الجديدة.
انغمس مصطفي سعيد بكل ما أوتي من قوة في حياة الليل و المجون وكانت ثالثة الأثافي انخراطه في مشروعه العبثي بأن يحرر أفريقيا من سطوة الهيمنة الاستعمارية عن طريق الفحولة الجنسية أي أن يحارب الاستعمار، ليس في ساحات الوغى كما ينبغي ولكن في غرف النوم . هذه العبارات و الشعارات تعيد الى الأذهان الشعارات و العبارات التي تترد أصداؤها في حانات و خمارات مدينة لندن و في أروقة ميدان هايد بارك الشهير حيث يتداول الخطباء من الأفارقة أو غيرهم مفردات من هذا القبيل.

لم يكن الانجليز سعيدين البتة بهذا التطور في شخصية مصطفى سعيد و متاهاته العبثية وإنغماسه في حياة الليل و المجون و الفسوق ثم تورطه في إرتكاب جرائم عادية كمجرم عادي و قال قائلهم لمصطفى سعيد بصفة مباشرة ودون أدنى مواربة ” أنت يا مستر سعيد خير مثال على ان مهمتنا الحضارية في أفريقيا عديمة الجدوى فأنت بعد كل المجهودات التي بذلناها في تثقيفك كأنك تخرج من الغابة لأول مرة” ( لاحظ انه قال في تثقيفك و ليس تعليمك وهذا إقرار من قبل البريطانيين بفشل المشروع الثقافي البريطاني في شمال السودان) الإنجليز صدموا في شخصية مصطفى سعيد وأدركوا أنه فشل فشلاً ذريعاً في النهوض بالمهام المرجوة منه. وأصبحت كلمة الفشل هي المفتاح لفهم شخصية مستر سعيد سواء كان الفشل على المستوى الشخصي او على مستوى المشروع الثقافي البريطاني.
وربما كانت نهاية مستر سعيد غريقاً في نهر النيل العظيم ترمز لنهاية المشروع البريطاني الثقافي في شمال السودان حينما تغلب عليه تيار الثقافة الغالبة.
و هكذا يبدو من إستقراء الرواية و بالنظر إلى التطورات الدرامية التي حدثت لاحقاً أن مصطفى سعيد لم يف بجميع متطلبات العقد المعنوي الذي أبرمه مع الإنجليز أو هكذا ظن الانجليز، و أنه بدلاً من السير في الطريق المرسوم إنحرف ذات اليمين تارة و ذات اليسار تارة أخرى ثم إنه مال نحو اليسار البريطاني ممثلاً في الجمعية الفابية ثم إنه أمعن في الإخلال بشروط التعاقد المعنوي حينما إنهمك في مشروعه العبثي القاضي ” بتحرير أفريقيا من سطوة الإستعمار البريطاني عن طريق الفحولة الجنسية! ربما غاب عن مصطفى سعيد أن الغربيين يقدمون شيئاً مقابل شيئ وأن علاقاتهم تحكمها العقود المكتوبة أو غير المكتوبة، العاجلة منها و الآجلة. ويحضرني في هذا المقام ما ذكره شاعر العراق الكبير محمد مهدي الجواهري وقد كتب شعراً يهنئ صديقه هاشم الوتري عميد كلية الطب في بغداد حينذاك و قد منحه الانجليز جائزة كبرى
و تحرسن أن يقتضوك ثوابها
وتوق هذا الصيرفي الحاسبا!
وفي نهاية المطاف أخل مصطفى سعيد بالتعاقد المعنوي الذي أبرمه مع الاستعمار البريطاني.
وقد عاش حياته المفعمة بالأحداث الجسام وحدث له في مدينة لندن ما حدث له ويبدو أنه إنتصر في نهاية المطاف ، حينما واجه صراع الغرب و الشرق ، لهويته الثقافية الأصيلة و ليس المكتسبة أو المصطنعة يتضح ذلك جلياً حينما صرخ في محكمة الاولد بيلي وتقمصته روح الرجل الشرقي المنافح بقوة عن قضايا الأمة قائلا “أكاد أن اسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجنة وقعقعة سنابك خيل ألنبي وهي تقتحم مدينة القدس الخ” واعتقد أن تفوه مصطفى سعيد بهذه الكلمات كان مؤشراً قوياً على فشل مشروع نمط الانجليزي الأسود في داخله وهو كما أوضحت سالفاً واحد من الأهداف غير المعلنة للمشروع الثقافي البريطاني في شمال السودان. في نهاية المطاف عاد مصطفى سعيد إلى بلده السودان لكن ليس إلى الخرطوم المدينة التي نما فيها وترعرع وتلقى العلم وحيث تضرب جذوره عميقاً بل عاد إلى القرية هذه المرة وكانت نقلة جبارة من مدينة لندن عاصمة الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس الى قرية بائسة على الشريط النيلي من السودان. ولماذا الرجوع الى القرية ؟ و قد يكون الرد أن مصطفى سعيد إبن الخرطوم ثم القاهرة ثم لندن لم تكن له خلفية قروية وأنه يفتقد هذا الجانب الهام في حياته تماماً. وقد يسأل سائل هل القرية في نظر الكاتب هي الترياق أو الحل الملائم لمشاكل الحياة الحضرية أو العصرية أو أنها تشكل الملاذ الأخير في وجه البرابرة؟ أم أن الخلفية القروية هي بُعدٌ لازم لابد من استكماله لبناء الشخصية السوية؟ ومن الملاحظ أن القرية، وهي مجتمع انساني متماسك يخوض وبقوة معركة البقاء، أبرزت لنا خير ما تنطوي عليه شخصية مصطفى سعيد بينما أفرزت لنا المدينة ( لندن) شر ما تنطوي عليه تلك الشخصية. ولم تكن عودته لقرية الآباء و الأجداد ولو حدث ذلك لكان أمرً ذا مغزي اي العودة الى الجذور. لكنه انتقل إلى قرية مغمورة بائسة في الريف السوداني والسؤال الذي يتبادر إلى الذهن فوراً ماذا يقصد الكاتب بعد صراع الجنوب و الشمال و الغرب والشرق أن يرسل بطل روايته إلى القرية و يقحمه إقحاما في مجتمع القرية؟ لكن مصطفى سعيد عاش في القرية حياة مثالية مشاركاً القرويين همومهم وعمل جاهداً لتنمية القرية حتى تأخذ قسطاً من أسباب الحياة العصرية وتستفيد من مكتسبات عصر الصناعة والاصطناعية. كانت هذه هي رسالته التي عمل جاهداً على إنجازها ولكن الزمن لم يسعفه. وفي القرية تزوج و أنجب، وبالرغم من خلفيته الثقافية الانجليزية الراسخة ومكتبته الزاخرة بأمهات كتب التراث الثقافي الانجليزي والتي لا يوجد فيها واحد من كتب التراث العربي الاسلامي، إلا أنه عاش كما يعيش القرويون الطيبون وأصبح جزءاً حياً فاعلاً في مجتمع القرية يشارك القرويون أفراحهم و أتراحهم و آمالهم وآلامهم حتى وافته المنية غرقاً أو إنتحاراً في نهر النيل العظيم. ومن الملاحظ أن مصطفى سعيد أخفى هويته الثقافية الإنجليزية المكتسبة أو المصطنعة و خلفيته اللندنية عن مجتمع القرية. مما جعل شخصيته عموما مسربلة بشيء من الغموض. و هناك سؤال يطرح نفسه هل مصطفى سعيد شخصية عبثية؟ ويحتاج لإجابة
هناك حديث طريف يدور في الأوساط الاجتماعية السودانية حول من هو مصطفى سعيد الحقيقي أي ما هي الشخصية الحقيقية التي حاول المؤلف تصويرها من خلال شخصية مصطفى سعيد أو ألهمت المؤلف تركيب هذه الشخصية ؟ وللرد على هذه التصورات ( غير المشروعة) أقول أن مصطفى سعيد هو شخصية خيالية في المقام الأول شخصية تتندرج وتتحرك في إطار الحبكة الروائية وتطوراتها الدرامية و لا ضرورة للنظر اليها بخلاف ذلك.
ويمكن ان ننظر لمصطفى سعيد كشخصية متنارع عليها بين ثقافتين: الثقافة الأصلية الموروثة وهي الثقافة العربية في هذه الحالة و تقافة مكتسبة و هي الثقافة الانجليزية
وفي النهاية أود أن ألفت النظر إلى أن هناك تشابهاً بين مصطفى سعيد وبين شخصية ميرسو بطل قصة الغريب للأديب و الفيلسوف الفرنسي البير كامو في من حيث طريقة موت كلٌ منهما و هناك سمات مشتركة في هذا الجانب بين بطل الغريب الذي لاقى نهايته المأساوية في المقصلة ومصطفى سعيد الذي لاقى نهايته غرقاً في نهر النيل ووجه الشبه العجيب أن كل منهما إحتفل بمناسبة موت أمه فعلها الغريب حينما سمع بخبر موت أمه و لكنه لم يتوجه لمجلس العزاء ولم يذرف دمعة واحدة كما يفعل الناس الطيبون او السويون ولكنه قضى ليلة حمراء في أحضان عشيقته و هكذا فعل مصطفى سعيد وبنفس التفاصيل ثم كانت النهاية المأسوية. وهناك في الميثولوجية الأغريقية ما يشير الى أن من يحتفل بموت أمه يهلك بطريقة مأساوية.

صلاح الدين التهامي المكي
sameki@hotmail.com

الكاتب

صلاح الدين التهامي المكي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
حكومة بكرى تحت المجهر: الحلقة الخامسة .. بقلم: عبدالله محمد أحمد الصادق
منشورات غير مصنفة
المريخ الجديد في الميزان .. بقلم: نجيب عبدالرحيم
منبر الرأي
قراءة في أطروحــة الأمير تشالز عن الاسلام والغرب مقارنةً مع أفكار علي مزروعي .. بقلم: د. أمين إسماعيل سَاغَاغِي/ جامعة بايرو كنو – نيجيريا
منبر الرأي
من أجل سموات آمنه: حوادث الطائرات الروسية والتشيكية في عقد .. بقلم: بروفسير/ محمد الرشيد قريش*
منبر الرأي
زي الهوا .. بقلم: عبد الله الشقليني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الرئيس .. والفساد !! .. بقلم: د. عمر القراي

د. عمر القراي
منبر الرأي

عن أي مرتزقة تتحدثون يا هؤلاء؟! .. بقلم: عثمان محمد حسن

طارق الجزولي
منبر الرأي

لا بارك الله فيكم دولتم قضية دارفور والآن الدور على ابيى !! .. بقلم: تاج السر حسين

تاج السر حسين
منبر الرأي

طاريكي يا أم درق: يا طارق الأمين .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss