عاطف عبدالله
تابعت باهتمام الرسالة التي وجهها الأستاذ صالح محمود إلى أعضاء البرلمان الأوروبي قبيل تصويتهم على القرار الخاص بالسودان، وهي رسالة تعكس خبرة قانونية طويلة ورصيداً معلوماً في الدفاع عن حقوق الإنسان. غير أن ما استوقفني فيها ليس ما قاله، وإنما ما لم يقله.
فقد كرّس الأستاذ صالح رسالته بالكامل لمطالبة البرلمان الأوروبي بوقف المفاوضات التجارية مع دولة الإمارات العربية المتحدة، باعتبارها – بحسب رؤيته – طرفاً يؤجج الحرب في السودان. لكنه، في المقابل، لم يخصص كلمة واحدة لإدانة الطرف الآخر في الحرب، ولا للجهات التي تمده بالسلاح والعتاد والدعم السياسي، ولا لمسؤوليته المباشرة عن استمرار القتال.
إن الحرب السودانية ليست رواية ذات بطل واحد وخصم واحد، وإنما مأساة مركبة تتقاسم مسؤوليتها أطراف داخلية وخارجية. وأي خطاب حقوقي يفقد توازنه عندما يسلط الضوء على جانب واحد، ويتجاهل الجوانب الأخرى.
كان الأولى برسالة موجهة إلى البرلمان الأوروبي أن تدعو إلى موقف متوازن يطالب بالضغط على جميع أطراف الصراع، وبوقف كل أشكال الدعم العسكري والسياسي والمالي لأي جهة تسهم في استمرار الحرب، وأن تطالب بإلزام الجميع بوقف إطلاق النار، والقبول بالمفاوضات، وفتح الممرات الإنسانية، والاحتكام إلى حل سياسي شامل.
لقد أغفلت الرسالة حقيقة أن أحد طرفي الحرب ظل يرفض في أكثر من محطة مبادرات وقف إطلاق النار والتفاوض، كما أغفلت الحديث عن الدول والقوى التي تقدم له أشكالاً مختلفة من الدعم. وهذا الصمت لا يخدم قضية السلام، بل يمنح انطباعاً بأن المشكلة تكمن في طرف واحد فقط، بينما الواقع أكثر تعقيداً من ذلك.
ومن المؤسف أيضاً أن تتحول منصة البرلمان الأوروبي إلى ساحة لتصفية الحسابات السياسية مع دولة بعينها، في وقت يحتاج فيه السودان إلى حشد الإرادة الدولية لوقف الحرب، لا إلى توسيع دائرة الاستقطاب الإقليمي. فالمعيار يجب أن يكون موقف كل دولة من إنهاء الحرب وحماية المدنيين، لا الانحياز إلى رواية أحد أطرافها.
لقد أعلنت دولة الإمارات في أكثر من مناسبة دعمها للمبادرات الرامية إلى وقف الحرب، وتقديم المساعدات الإنسانية للمتضررين، والتأكيد على ضرورة الوصول إلى حل سياسي. وإذا كانت هناك اتهامات تستوجب التحقيق والمساءلة، فإن العدالة تقتضي أن تشمل جميع الأطراف، وألا تتحول إلى انتقائية سياسية.
إن المدخل الصحيح لإنقاذ السودان ليس في مطالبة المجتمع الدولي بمعاقبة طرف واحد، وإنما في ممارسة ضغط متساوٍ على جميع المتحاربين، وعلى جميع الداعمين لهم، لإجبارهم على وقف الحرب فوراً، والانخراط في عملية سياسية تفضي إلى دولة مدنية ديمقراطية.
فمن يدافع عن حقوق الإنسان لا ينبغي أن ينتقي الضحايا، ولا أن ينتقي الجناة. والضمير الإنساني يفقد كثيراً من مصداقيته حين يدين ما يوافق موقفه السياسي، ويصمت عما يناقضه.
إن السودان اليوم بحاجة إلى خطاب يعلو فوق الاستقطاب، ويضع حياة السودانيين فوق الحسابات الإقليمية والدولية، ويطالب بوقف الحرب من جميع أطرافها، لا أن يكتفي بتوجيه أصابع الاتهام إلى طرف واحد، بينما يلتزم الصمت تجاه بقية المسؤولين عن هذه المأساة.
atifgassim@gmail.com
