“عندما صار الضمير شرطياً: درس من مترو السويد”
النهضة تبدأ بطلقة: اسمها المدرسة*
إذا أردتم دولةً يُهاب جانبها…
فابدؤوا بمعلمٍ مرفوع الرأس.
وإذا أردتم سوداناً تُغسل فيه القلوب من الأحقاد…
فابدؤوا بمنهجٍ يغرس في الطفل أن الحرام حرامٌ حتى لو خلا به.
إذا أردتم وطناً يُبنى على الخير والفضيلة…
فابدؤوا بالسبورة.
قبل الإسمنت. وقبل الدستور. وقبل الخطب.
يُحكى أن مهندساً جزائرياً وقف مذهولاً في مترو السويد،
أمام ممرٍ كُتب عليه: “لمن لا يملك ثمن التذكرة”.
بلا كاميرا. بلا شرطي. بلا بوابة.
فسأل: وماذا إن كذب الغني ومرّ مجاناً؟
فأجابته الموظفة بسؤالٍ هدم فلسفات: “ولماذا يكذب؟!”
وهنا الوجع.
هنا الفرق بين أمةٍ جعلت الضمير شرطياً…
وبين أمةٍ جعلت الشرطي عدواً.
في بلادنا التي ترفع المصاحف وتدّعي الشريعة،
نرى الرشوة تُدفع في وضح النهار.
ونرى الجباية التي ما أنزل الله بها من سلطان.
ونرى الصفوف تُكسر نهاراً جهاراً.
رأيتها بعيني في مطار بورتسودان:
موظفٌ يدخل معارفه من الباب الخلفي،
وحين سألته انتفخ غضباً وقالها بفمٍ مليان:
“من سيحاسبني؟”
فأي دينٍ هذا؟
دين المنابر… وفساد المكاتب؟
دين الخطب… ورشوة الطرقات؟
ونسأل سذاجةً: لماذا تقدموا وتخلفنا؟
الجواب ليس في باطن الأرض من ذهب.
الجواب في فصلٍ دراسي.
في أجهزةٍ نظاميةٍ تخرّج المتكبر لا المنضبط.
في مناهج تُعلّم “الواسطة” قبل “المواطنة”.
واللهِ لن ينصلح حال هذا البلد المكلوم
إلا إذا بدأت المحاسبة من القمة لا من القاع.
إلا إذا توقفنا عن “الفَهلوة”.
إلا إذا طبقنا: “لو سرقت فاطمة بنت محمد بن عبدالله لقطعت يدها”
لا: “إذا سرق الضعيف جلدناه، وإذا سرق القوي صافحناه”.
كفانا شعارات.
كفانا ادعاء فضيلةٍ كاذبٍ أفرغ الإسلام من معناه.
قد لا تكون قصة السويدي حرفية…
ولكنها صادقة.
لأنها تسأل السؤال الذي نهرب منه:
متى يصبح الصدق غريزة؟ والأمانة عادة؟ والقانون عقيدة؟
الجواب ليس معجزة.
الجواب: تعليم.
ليس تعليم الحفظ والتلقين.
بل تعليم يصنع الإنسان قبل المهندس.
ويبني الضمير قبل أن يبني المصنع.
الأمم العظيمة لم تُشيّد بالحديد.
شُيّدت بطفلٍ جالسٍ على المقعد،
وبمعلمٍ واقفٍ أمام السبورة يصوغ قدر أمة.
أما نحن؟
أمةٌ تُهين معلمها ثم تبكي على مستقبلها.
أمةٌ تُفرغ ميزانية التعليم…
ثم تدفع أضعافها في السجون والمحاكم والمستشفيات.
أي وطنٍ نريد؟
وطناً كل 10 كيلو فيه كمين؟
يسألك الشرطي باستعلاء كأن بينك وبينه ثأراً؟
سألت أحدهم: لماذا تُنزل الشحنة يدوياً؟ أين الأجهزة؟
فصرخ في وجهي: “نحن شعب لا نستاهل”!
بهذا المنطق تُبنى الأوطان؟
أم بمنطق: “الضمير هو الحارس، والنزاهة هي القانون”؟
إن الفرق بيننا وبينهم ليس في النفط ولا الذهب.
الفرق أنهم استثمروا في الإنسان…
ونحن استثمرنا في الكاميرات.
- كفاية كذب*
كفاية كذب على أنفسنا!
انحطت ديار الإسلام… لأننا خنّا المدرسة.
وتقدم الغرب الكافر… لأنه احترم المدرسة.
المعادلة واضحة كالشمس:
هم بنوا الإنسان فملكوا الدنيا.
ونحن هدمنا الإنسان ففقدنا الدنيا والآخرة.
هم علموا الطفل: “لا تكذب”
فعلقوا لافتة “ادخل مجاناً” ومضوا واثقين.
ونحن علمنا الطفل: “أمشيها بالمعرفة”
فعلّقنا شرطياً عند كل ناصية… ومع ذلك نُسرق.
الغرب لم يسبقنا بذكاءٍ زائد.
سبقنا لأنه أكرم المعلم قبل أن يكرم الجندي.
سبقنا لأنه حاكم الوزير قبل أن يحاكم الغفير.
سبقنا لأنه جعل النظام ديناً…
وجعلنا نحن الدين شعاراً نرفعه في الانتخابات فقط.
فاسمعوها واكتبوها بماء النار:
لن ينهض السودان ببترول.
ولن ينصلح بذهب.
ولن تقوم له قائمة بمؤتمر أو بحكومة جديدة.
النهضة تبدأ بطلقة واحدة…
اسمها: المدرسة.
مدرسةٌ تُربي قبل أن تُعلم.
معلمٌ يُكرم قبل أن يُهان.
منهجٌ يصرخ في وجه الطالب: “هذا حرام” حتى لو غاب الرقيب.
هناك فقط… تولد الأمم.
وهناك فقط… يعود للسودان مجده.
*وهناك فقط… يعود للإسلام عزه الذي وأدناه.
مرتضى القسم عوض الكريم بشير
murtadaasgad@gmail.com
