أصداء الوعي
ادم أبكر عيسي
22/7/2026
ليس الوعي، في زمن السودان المتشظي، إدراكاً لذلك المشهد المرئي من دمار وتهجير فحسب؛ بل هو قدرة المؤمن على اختراق طبقات الزمن، ليرى كيف تتحول دماء الأمس إلى وصمة اليوم، وكيف يُختزل تاريخٌ من التضحية في اتهام عابر. في خضم هذه الحرب، سطّر رجالٌ ونساءٌ ملحمة لا تُضاهى، رووا بها تراب الوطن من النيل إلى النيل، وأثبتوا بوجودهم الجسدي وبدمائهم الساخنة أركان دولة كانت على شفا الهاوية. كانوا، في لحظة الخطر، العمود الفقري الذي استندت إليه الأمة، والعين الساهرة التي لم تغمض خوفاً على هوية هذا الكيان. لكن، وكأنما على قدر ما كانت تضحياتهم عظيمة، على قدر ما يكون النكران قاسياً، فما إن هدأت زوبعة المعركة قليلاً، وما إن بدأت عجلة “الأمن” تدور في فضاءات لا تعرف معنى الجميل، حتى انقلبت الآية، واستُبدل التكريم بالاتهام، وصار القائل لهم: “ارجعوا إلى حيث كنتم، لماذا أنتم هنا؟”.
هنا تبرز الآلية المريضة للنظرة الضيقة، تلك التي تنظر إلى الإنسان وكأنه مجرد أداة وظيفية تُستخدم في وقت الحاجة، وتُنبذ بعد انقضاء الغرض. إنها نظرةٌ تحطم استمرارية الذات، وتفصل أمسها البطولي عن حاضرها الوجودي، وكأنما دماؤهم التي سالت على التراب قد تبخرت في الهواء، ولم تترك أثراً في ذاكرة من أنقذوهم. هذا الخطاب، الذي يمارس نوعاً من الاستعلاء الأخلاقي الزائف، يحمل في طياته نغمة كراهية خفية، يتهم فيها أولئك الأبطال بأنهم مجرد “غرباء” دخلوا على المجتمع من باب الطوارئ، وأنهم، بعد أن عاد الأمن، صاروا مصدراً لكل مشكلة، وعلةً لكل فشل، كأنما لم يكونوا بالأمس القريب الدرع الحصين والراية المرفوعة.
ومن المأساوي بمكان أن نلاحظ، في تحليلنا المنطقي لهذه الظاهرة، أن الفاعلين لهذا الخطاب الاستعلائي يمارسون أشد أنواع المغالطة التي حذر منها المنطق الأرسطي، وهي مغالطة “الفصل الخاطئ” أو تجزئة الكل المتصل. فهم يفصلون الزمن إلى أجزاء لا تتواصل، وكأنما بطل الأمس لا يمكن أن يكون مواطناً اليوم، وكأنما فضائل الأمس التي أنقذت الوجود يجب أن تُمحى بغيوم اللحظة الآنية. إنهم يختزلون الإنسان المعقّد الغني بالتجارب إلى مجرد “مشكلة أمنية” عابرة، بينما الحقيقة أن هذا الإنسان هو عينه من كتب بأصابعه المدماة أول فصول الدولة. إن تناسي فضائل الأمس ليس مجرد خطأ في الذاكرة، بل هو جريمة في حق المنطق التاريخي، لأنه يقطع جذور الهوية ويجعل الوطن كياناً بلا ماضٍ، وبالتالي بلا مستقبل.
هذا النوع من الخطاب، الذي يمارس الكراهية تحت عباءة “فرض النظام”، لا يخدم الوطن بأي شكل من الأشكال، بل على العكس، إنه يزرع بذور التشرذم في اللحظة التي هي أحوج ما تكون إلى التئام الجروح. إن قولنا لشخص ضحى بكل شيء: “أنتم سبب المشاكل”، هو في العمق اعتراف ضمني بعجزنا نحن عن بناء الدولة على أسس عادلة، وهو محاولة لتحويل أعباء الفشل الإداري والسياسي إلى ظهور من لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا أوفياء لوطن لم يفِ لهم. إن البطل الحقيقي، في العقلية الجمعية السليمة، هو من يُذكر فيزدهي به الوطن، وليس من يُذكر فيشعر بالغربة وهو في عمق بيته. إن الأمن الذي ننشده لا يمكن أن يبنى على خطاب الكراهية، لأن الكراهية تولد الكراهية، والنظرة الضيقة لا ترى إلا الأفق القريب، بينما الأوطان تُبنى برؤية شمولية تدرك أن من روّى التراب بدمه، أحقّ من غيره بالجلوس على ترابه حين تسكن الرياح.
إن المنطق الإنساني هنا، وقبل المنطق السياسي، يملي علينا أن نعيد الاعتبار إلى تلك العلاقة الجدلية بين التضحية والمكافأة، أو بين البذل والعرفان. فكما أن الضرورة الوطنية كانت تستدعي تضحياتهم بالأمس، فإن الضرورة الوطنية اليوم تستدعي تكريمهم وإنصافهم، لا نبذهم وتهميشهم. إن التهم التي تُرمى بهم، تحت أي ذريعة كانت، هي بمثابة طعن في الخاصرة بعد أن وقفوها صموداً أمام الرصاص. فهل نريد وطناً يُقام على جثامين أبنائه ثم يدفنهم مرة أخرى بالنسيان والاتهام؟ أم نريد وطناً يعرف أن كرامة من حماها هي أساس كرامته هي نفسها؟
في ختام هذا التأمل، لا بد من العودة إلى جوهر الوعي الذي تحدثنا عنه؛ إن الوعي السوداني الحقيقي لا يكتمل إلا بامتلاك الشجاعة الأدبية لنقد هذا الخطاب المتعالِي، والجرأة على قول: إن الذين رووا التراب بدمائهم هم عصب هذه الأرض، وهم ليسوا غرباء وقت الأمن، بل هم أهله وربّانوه. إن نكران فضائل الأمس هو اختصار للذاكرة، والذاكرة القصيرة هي عدو كل نهضة. فإما أن نتعلم كيف نوسع نظرتنا لترى الإنسان في استمراريته التاريخية، وإما أن نظل أسرى لحظة نكراء، نبدا فيها أغلى ما نملك، وهو ثقة من ضحى بدمه في سبيلنا. فلا تكن كلمة “ارجعوا إلى حيث كنتم” هي آخر ما يسمعه البطل، بل لتكن كلمة “تفضلوا، فهذا وطنكم” هي البداية الحقيقية لبناء الدولة التي رويتم ترابها بدمائهم.
الوطن ليس أرضاً تفتح بالسلاح، بل ذاكرة تُصان بالوفاء…..في النهاية، يبقى السؤال الأخلاقي الأعمق: هل نحن حقاً نريد وطناً؟ فالوطن ليس مجرد تراب نحميه بالرصاص، بل هو عهد نحميه بالعرفان لمن سقوه بدمائهم، فمن ضيّع فضائل الأمس، فقد أضاع معنى الغد
rukadam77@gmail.com
