د. عمر بادي
الحرب في السودان لا زال يشتد أوارها وهي تتمدد في عامها الرابع، والدمار قد إستفحل في البوادي والحضر وشمل الزرع والضرع والعمران والإنسان. مشروع الجزيرة والمناقل لم يبق منه إلا النزر اليسير ومعظم الثروة الحيوانية قد ذهبت أدراج الرياح فإنتقلت إلى دول الجوار، أما عن العمران والإنسان فحدث ولا حرج.
منذ الأيام الأولى من الحرب قام سلاح طيران الجيش السوداني بضرب معسكرات الدعم السريع في ولاية الخرطوم وفي جبل سركاب شمال غربي مدينة أم درمان وكان الدعم السريع يريد التوجّه منه إلى قاعدة وادي سيدنا الجويّة. لحماية نفسه قام الدعم السريع بالإنتشار في أحياء الخرطوم من جنوبها وتقدّم إلى شمالها ثم إلى الخرطوم بحري فتوغّل حتى وصل إلى الجيلي ومصفاة الخرطوم وكذلك تمدّد شرق النيل الأزرق وغرب النيل الأبيض في جنوب أم درمان وغربها. بعد أسبوع من بداية الحرب وعند حلول عيد الفطر المبارك تم إخلاء سجن كوبر في الخرطوم بحري وسجن الهدى في أم درمان من كل النزلاء المسجونين نتيجة لإنقطاع الكهرباء والمياه وتوقّف الخدمات وفيهم قياديّو نظام الإنقاذ والمحكومون بالإعدام، على وعد من كل النزلاء أن يعودوا بعد الحرب ويسلّموا أنفسهم لإدارة السجنين.
لقد تمّت إستباحة العاصمة المثلثة الخرطوم وفي الخرطوم بحري وحدها وفي المنطقة الصناعية تم تدمير 2500 مصنع، وشمل التدمير أجزاء من جسري الحلفاية وشمبات ومن سد جبل الأولياء، وتدمير محطات توليد الكهرباء والمحطات التحويلية في بحري وقرّي ومروي وكوستي، وتدمير مصفاة الجيلي، وتدمير مطار الخرطوم، ونهب المؤسسات العامة والمحال التجارية والبنوك وما بها من ودائع ذهبية وعملات حرة ومحلية، ونهب المتاحف وما بها من قطع أثرية نادرة، وتدمير معظم المباني في الخرطوم جرّاء تبادل نيران المدفعية ما بين الخرطوم وأم درمان وتبادل نيران الجنود المشاة حين إلتقى الجمعان، وبعد ذلك دخلت المسيّرات في إصابة الأهداف العسكرية والمدنية من الجانبين، ومع إنقطاع الإمداد الكهربائي والمياه صارت الخرطوم مدينة للأشباح.
لقد تمّت سرقة كل الأدوات الكهربائية في البيوت وأسلاك الكهرباء النحاسية في الطرقات ومئات الآلاف من سيارات المواطنين تم أخذها إلى دول الجوار كجنوب السودان وتشاد والنيجر ومالي، ومئات آلاف أخرى نُهبت أجزاؤها وألقيت في الميادين والطرقات. كما تم أيضاً أخذ الفتيات كسبايا وبيعهن في دول الجوار تلك. لقد تأثر المواطنون كثيراً من الحرب الدائرة فانقطعت الكهرباء في بعض المناطق وإنقطعت المياه كلياً وأغلقت البنوك والمحال التجارية وتوقفت محطات الوقود من الخدمة وإرتفعت الأسعار إلى أرقام فلكية وكثر عدد الضحايا من المواطنين بفعل القذائف الطائشة وتبادل النيران، ولذلك خرج الكثيرون طلباً للنجاة في أقاليم السودان وفي دول الجوار ويقدّر عددهم ب 25 مليون شخصاً منهم 7 مليون شخصاً قد لجأوا إلى مصر وتشاد وجنوب السودان وأوغندا.
إن خسارة الحرب على السودان لكبيرة جداً وتقدرها الأمم المتحدة بمبلغ يقارب التريليون دولار يجب تعويضها للسودان ليعود كما كان قبل الحرب، هذا بخلاف الأرواح التي قتلت من المدنيين بفعل الحرب والتي تُقدر ب 130 ألف قتيل ولا زال غير معروف عدد القتلى من العسكريين، وصار 18 مليون طفل بلا تعليم، وشملت إرهاصات المجاعة معظم السكان المتواجدين في السودان وصار الإعتماد عندهم لسد الرمق على التكايا.
كيف تتم إعادة إعمار ما دمرته الحرب؟ في بداية أبريل 2024 دعت وزارة الخارجية البريطانية لمؤتمر يُعقد في يوم 15 أبريل أي بعد عام من قيام الحرب من أجل وقف الحرب وإغاثة وإعمار السودان، ودعت له عشرين دولة فيهم 6 دول عربية، وقد إحتج السودان لعدم دعوته لذلك المؤتمر، فتم تأجيله. حاولت الحكومة السودانية إعادة إعمار العاصمة الخرطوم فأفلحت في إعادة إعمار بعض المؤسسات الحكومية وعجزت عن إعادة إعمار البقية لضيق مقدرتها المالية. أيضاً في بداية أبريل 2024 كانت زيارة وزير الخارجية المصري لنظيره السوداني من أجل مشروع إعمار السودان مقابل الذهب والثروة الحيوانية والمنتوجات الزراعية، لكن ربما كانت أموال إعادة الإعمار الخارجية في إنتظار وقف الحرب.
لقد دعت الحكومة السودانية مواطنيها ساكني العاصمة الخرطوم للعودة إلى ديارهم من أماكن نزوحهم ولجوئهم وعندما عادوا لم تقدم لهم أي مساعدات. لقد تم نهب معظم بيوت المواطنين وما بها من سيارات وذهب وأموال وأدوات كهربائية وتوالت موجات النهب لتطال الملابس والأثاثات والأبواب والنوافذ، هذا مع دمار بيوت كثيرة بفعل دانات المدفعية، وإنقطاع الكهرباء والمياه. لقد عاد معظم المواطنين و وجدوا بيوتهم على هذا الحال، خاصة في جنوب و وسط الخرطوم، فقاموا بإيجار بيوت لسكناهم في الأماكن الأحسن حالاً وكلفهم ذلك كثيراً لغلاء الإيجارات وتكاليف المعيشة والوقود، وصاروا يضربون أخماساً في أسداس في كيفية إعمار بيوتهم. يحدث لهم هذا وتأتيهم تحت غطاء إعادة الإعمار أنباء إتفاق وزير المالية جبريل إبراهيم مع الشركة المصرية الألمانية لصهر وتشكيل المعادن لبيعهم نصف مليون طن من مخلفات الحديد الخردة الناتج من السيارات والمركبات التالفة في الخرطوم وبأبخس الأثمان! وأن عمليات التجميع قد بدأت بالفعل في العاصمة السودانية تمهيداً لشحن الحديد إلى مصانع التدوير في مصر. هذه السيارات ليست كلها خردة وبها قطع غيار صالحة للإستعمال وهي ممتلكات خاصة بالمواطنين، فهل يحق ذلك للحكومة؟ ولماذا لا يتم تفكيكها ثم صهر الخردة داخل السودان ثم تعويض أصحابها وهي كلها مسجّلة في قوائم شرطة المرور؟
لماذا تقع تكلفة إعمار بيوت المواطنين على المواطنين أنفسهم؟ العرف والقانون الدولي يحددان أن المسبّب للتلف هو الذي يعوّض المتضررين ولنا أمثلة عالمية ومحلية في ذلك: المثال العالمي هو تعويض العراق للمتضررين في الكويت بعد غزوه لها ونهبها. أما المثال المحلي فهو ما كان بين محمد حمدان دقلو (حميدتي) والشيخ موسى هلال، فإنه في أبريل 2017 تم إجازة قانون قوات الدعم السريع من داخل المجلس الوطني وتم تعيين حميدتي قائداً له، ورفض الشيخ موسى هلال أن ينضم بقواته للدعم السريع ليعمل تحت إمرة حميدتي كما رفض تسليم سلاح قواته للجيش السوداني بناء على قرار جمع السلاح حينذاك، وإستقر في مدينته مستريحة بالقرب من جبل عامر الذي إستولى عليه بعد أن كوّن مجلس الصحوة الثوري السوداني، وفي نوفمبر 2017 تمت مهاجمته بقوات الدعم السريع وسلب منطقته (وهي عادة عندهم يسمونها السليب) وإعتقاله وسجنه في الخرطوم حتى قيام ثورة ديسمبر المجيدة. من أجل رأب الصدع لعب أعيان من الرزيقات وأطراف أخرى دوراً في إبرام صلح بين هلال وحميدتي دفع فيه الأخير مبالغ مالية تعويضاً لما سلبته قواته من مستريحة، ومن ثم أطلق سراح الشيخ موسى هلال في مارس 2021.
المواطنون المغلوبون على أمرهم ينتظرون أن يطبّق عليهم القانون أو العرف ويمنحون تعويضات تعينهم على إعادة إعمار بيوتهم.
badayomar@yahoo.com
