سيف الدولة حمدناالله
فيما يُشبه موجز دراسة نفسية للحالة الذهنية التي تعيشها النسخة المحلية للحركة الإسلامية والتي يعرف أفرادها إصطلاحاً ب “الكيزان”، تساءلت، ثم أجابت، الكاتبة العملاقة رشا عوض في مقال بعنوان “التصحر الابداعي في الحركة الاسلاموية” عن أسباب عدم وجود مبدعين بين أفراد كيزان السودان في عالم الأدب والشعر مثل الطيب صالح والهادي آدم ومحجوب شريف والقدال وحميد وهاشم صديق، ثم إنتهت إلى أن فكر جماعة السودان لا يرون في الإنسان سوى مشروع للوصاية عليه، وأن الإنسان عندهم ضال وناقص لا يكتمل الا بإتباعهم.
هذه قراءة وإستخلاص سليمين من كاتبة شجاعة ومقتدرة، بيد أن هناك جانب مهم لم تتطرق إليه، فالذي يؤخذ على كيزان السودان كونهم ليس لديهم إبداع في مجال الأدب والثقافة، ما يؤخذ عليهم أنهم يفتقرون للمعرفة في أمور الدين نفسه الذي حكموا ويريدون حكم البلاد بإسمه، هل سمعتم كوز من الوزراء والسفراء والولاة وأعضاء البرلمان والألوية والفرقاء قام بشرح آية في القرآن في حلقة تلفزيونية أو تحدث للناس في الفقه أو علم الحديث أو حول الشبهات التي يطلقها غير المسلمين على الدين؟
ترك الكيزان مهمة الحديث في أمور الدين لأفراد ينتمون لجماعات من خارج تنظيمهم، برغم علمهم بالخلاف معهم في النهج والفكر، والذين تولوا مهمة الحديث في أمور الدين من المخالفين لهم كثير منهم إبتدعوا أساليب درامية في مباشرة نشر أفكارهم يغلب عليها السب الممزوج باالسخرية والفكاهة، وكثير منهم يتناول مناقشة أمور متطرفة وسطحية في النكاح والطلاق أو في مبطلات الصوم والوضوء. في عالم اليوم تُتيح القنوات الفضائية ما يجعل من السهل مقارنة ما يطرحه هؤلاء الأفراد من أفكار مع ما يشاهدون من حوارات فقهية عبر القنوات الفضائية من لقاءات ومناظرات تتناول مواضيع جريئة وعميقة حول مسألة التجديد الديني ومناقشة الشبهات التي ترد حول الإسلام وأسباب ظهور حالات الإلحاد وسط الشباب ومناقشة الأفكار التي ظهرت في تفسيرات المحدثين .. إلخ
الذي منع الكيزان من تولي أمور الدين، أنهم إنصرفوا للعمل في تكوين عقيدة لدى الناس بأن الفعل الفاسد الذي يقود للثراء لا ينال من قدر المرء في الدنيا ولا من أعماله في الآخرة، فقبل الإنقاذ كان للفساد والجريمة أهلها وللفضيلة والصلاح رجاله، فإنهمكوا في العمل على تذويب الفوارق بينهما، فأصبح الفاسد يتقدم الناس في الصلاة ويحج البيت الحرام كل عام، ويصوم كل إثنين وخميس، وتتسع غرّة صلاته بقدر إتساع ذمته، وصار لكل فاسد مريدين وأحباب يسبّحون بحمده وينتظرون عطفه وعطاياه، فتراخى الشعور بالعيب عند الناس، حتى أضحى الفساد في نطاق العادي والمألوف لأفراد المجتمع,
ليس صحيحاً أن أفراد “الكيزان” يفتقرون للإبداع، فقد أبدعوا وتباروا في الإبداع في تحقيق ما إستقصدوه، وشغلهم ذلك عن الإبداع في أمور الدين ومن باب أولى في الأدب والفكر والشعر والمسرح وحتى في الرياضة ولعب الكرة.
