بعض الحروب، على قسوتها، تبقى أسيرة غاية سياسية أو عسكرية، فتظل تعرف حدودها، ولو في حدها الأدنى. وبعضها الآخر يحدث فيه تحول أشد خطورة؛ إذ لا يتبدل اتجاه المعركة فحسب، وإنما يتبدل معنى القوة نفسها. عندها يتراجع السؤال عن «المتقدم في الميدان»، ليفسح المجال لسؤال عن «من يمسك بالرسن»؟
الرسن أقدم من أن يكون حبلا تقاد به دابة. إنه فكرة سبقت الكثير من الأفكار التي قامت عليها الحضارات. فمنذ أن وضع الإنسان الرسن على عنق حصانه، مثلا، اكتشف أن القوة وحدها لا تكفي، وأن اليد التي تمسك بها قد تكون أهم منها. فالقوة تبدأ بالاندفاع، أما الحضارة فتبدأ يوم تجد تلك القوة ما يكبحها ويهذبها ويمنحها اتجاها.
وفي خضم التطورات العسكرية الأخيرة في شمال كردفان، وبعد الخسائر الميدانية التي تعرضت لها مليشيا الدعم السريع، خرج قائدها حميدتي مخاطبا مقاتليه بعبارة لافتة: «الرسن عندكم».
قد تبدو العبارة، في ظاهرها، محاولة لرفع المعنويات أو دفع المقاتلين إلى المبادرة. غير أن الكلمات تستمد معناها من اللحظة التي تقال فيها أكثر مما تستمده من معاجم اللغة. وهذه اللحظة تنتمي إلى حرب دخلت عامها الثالث، وتركت وراءها مدنا أحرقت، وقرى أفرغت، وملايين اقتلعوا من بيوتهم، وروايات يعجز اللسان عن حمل ثقلها.
وسط هذا المشهد، ينتقل الخطر من حمل السلاح إلى امتلاك القرار. فالقيادة لا تبدأ بإصدار الأوامر، وإنما بالقدرة على كبح القوة قبل إطلاقها. واللحظة التي يشعر فيها المقاتل بأن القرار صار في يده، تكون هي اللحظة التي تبدأ فيها الحرب بفقدان الفاصل الأخير بينها وبين الفوضى.
ولهذا لا يحفظ التاريخ عدد المعارك التي كسبها هذا الطرف أو ذاك، بقدر ما يحفظ اللحظات التي سقطت فيها القيود التي كانت تضبط العنف. عندها يتبدل وجه الحرب كله؛ فيتحول المدنيون إلى أقصر الطرق نحو الضغط والإخضاع، وتغدو القرى رسائل تكتب بالنار أكثر مما تبقى أماكن يسكنها الناس.
في الجهة الأخرى، ظهر قائد الجيش السوداني في الخطوط الأمامية، بعد استعادة عدد من المدن في شمال كردفان، متحدثا عن مواصلة القتال حتى استعادة الأرض وعودة المواطنين إلى مناطقهم.
وقد تتبدل السيطرة على المدن مرات كثيرة، وقد تتنقل الطرق بين هذا الطرف وذاك، فالجغرافيا لا تتوقف عن إعادة تشكيل نفسها أثناء الحروب. أما الامتحان الحقيقي، فيبدأ عند المعنى الذي يبقى قائما فوق الأرض بعد انتهاء القتال.
فالمدينة تستعاد مع أول أسرة تعود إليها مطمئنة، ومع أول طفل يعبر شوارعها دون أن يلتفت إلى صوت الرصاص، ومع أول باب يفتح من الداخل لا تحت فوهة بندقية. هناك يبدأ استرداد الوطن، لا عند دخول الجنود.
ومن هنا تتجاوز وحشية الحرب أعداد القتلى والجرحى، لتصيب ما راكمه الإنسان عبر قرون طويلة: القدرة على كبح القوة قبل إطلاقها. وما إن يسقط هذا القيد، حتى يمسك السلاح بصاحبه، ويقوده إلى حيث يريد. فالرسن لم يكن، عبر التاريخ، حبلا يقاد به حصان، بقدر ما كان الاسم الذي أطلقه الإنسان على قدرته في كبح قوته.
وكلما أفلت الرسن من يد، أمسكت الفوضى بالمقود.
