لم تمت يوم توقفت أنفاسك،
بل مات كثيرون منا يوم خانوا المشروع، واستبدلوا المبادئ بالمصالح، والوطن بالغنيمة، والحلم الكبير بحسابات السلطة الضيقة.
في ذكراك الـ(21) لا نرثيك أنت .. بل نرثي أنفسنا
واحد وعشرون عاماً مضت على رحيلك وما تزال الأسئلة التي حملها مشروعك تطرق أبواب هذا الوطن المكلوم ..
كنت تؤمن بأن السودان يمكن أن يكون وطناً يتسع للجميع، وأن الإنسان يجب أن يكون أساس الدولة ..
قبل العرق،
وقبل اللون،
وقبل الدين،
وقبل الجغرافيا،
وقبل كل الانتماءات الضيقة.
أكثر ما يؤلم أن كثيرين ممن ساروا معك ذات يوم وحملوا راية “السودان الجديد” وانحنوا أمام نعشك وأقسموا على الوفاء وتعهدوا بالمضي في دربك .. كانوا أول من غادروا الطريق ..
لم يخونوا ذكراك فحسب، بل خانوا الفكرة نفسها .. استبدلوا مشروع “السودان الجديد” بمشاريع ضيقة،
والمبادئ بالمصالح، والنضال بالمكاسب، والوطن بالغنائم، وضاع الحلم الذي دفع من أجله آلاف الرفاق أثماناً باهظة من دمائهم وأعمارهم .. ولم يبق من ذلك الوعد الكبير إلا الذكرى ..
فالعروبة لم توحد من نادوا بها،
والأفريقانية لم تجمع من رفعوا رايتها،
والإسلام لم يمنع انقسام المسلمين،
والمسيحية لم توحد المسيحيين،
و”السودانوية” التي بشرت بها إطاراً جامعاً لكل السودانيين ..
لم تجد طريقها إلى الواقع ..وبقي السودان أسيراً لانقساماته، وحروبه، وأزماته المتلاحقة.
رحلت جسداً .. لكن فكرتك ما تزال حية .. بينما رحل كثيرون عن مبادئهم قبل أن ترحل أجسادهم.
ماتوا يوم تخلوا عن المبادئ، واستبدلوا القضية بالمصلحة، والالتزام بالانتهازية، والحلم الوطني بالمكاسب الآنية.
نحيي ذكراك اليوم .. لا لأن المشروع اكتمل، بل لأن الحاجة إليه أصبحت أكبر من أي وقت مضى ..
فما يزال السودان يبحث عن وطن يشبه الحلم الذي حملته ..
وطن يقوم على المواطنة المتساوية بلا تمييز،
والسلام،
والعدالة،
والكرامة الإنسانية،
وسيادة القانون.
وطن يسع الجميع ..
سلام على روحك في عليائها .. أما نحن ..
فما زلنا نبحث بين ركام الحروب وخيبات السياسة وانكسارات الوطن، عن الحياة التي أردتها لهذا السودان.
محمد عبدالله إبراهيم
mohammedabdalluh2000@gmail.com
