زهير عثمان
قبل الدخول في موضوع هذا المقال، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى إدارة منصة التبلدي، وإلى الأصدقاء والقيادات في حزب المؤتمر الشعبي، على إتاحة هذه الفرصة الكريمة للحوار والاستماع إلى وجهات النظر المختلفة حول واحدة من أكثر القضايا الدستورية والسياسية أهمية في السودان، وهي قضية الفيدرالية ومستقبل الدولة
لقد كان النقاش ثريًا، اتسم بقدر كبير من الاحترام وتبادل الحجج، وأتاح لي فرصة عرض رؤيتي والاستماع إلى رؤى مغايرة، وهو ما أؤمن بأنه يمثل أحد الشروط الأساسية لأي حوار وطني جاد في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ بلادنا
وما يرد في هذا المقال لا يمثل إلا قراءة تحليلية شخصية، أحاول من خلالها فهم الكيفية التي ينظر بها الإسلاميون المناصرون للدولة إلى فكرة الفيدرالية، واستعراض مرتكزات هذا التصور، وما يثيره من أسئلة وتحديات، بعيدًا عن التوصيفات المسبقة أو الأحكام القطعية
فالغاية ليست الانتصار لرأي على آخر، وإنما الإسهام في حوار وطني يحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى الإصغاء المتبادل والقراءة النقدية الهادئة
أعادت الحرب السودانية فتح واحدة من أقدم القضايا التي ظلت تؤرق الدولة السودانية منذ الاستقلال – كيف تُدار بلاد بهذا الحجم من التنوع الجغرافي والثقافي والإثني؟ وفي خضم هذا النقاش، برزت الفيدرالية مرة أخرى باعتبارها أحد أكثر الخيارات تداولاً، ليس فقط لدى القوى المدنية أو الحركات المسلحة، بل أيضاً داخل التيار الإسلامي المناصر للدولة
غير أن طرح الإسلاميين للفيدرالية يثير تساؤلات مشروعة , فهناك من يرى أن هذا التحول ليس سوى مراجعة اضطرارية فرضها انهيار نموذج الدولة المركزية الذي حكم السودان لثلاثة عقود، بينما يؤكد أنصار هذا التيار أن الفيدرالية ليست تنازلاً سياسياً، وإنما امتداد لتصور إسلامي في إدارة الدولة يقوم على توزيع السلطات مع الحفاظ على وحدة الكيان الوطني
الفيدرالية في التصور الإسلامي
يرتكز المدافعون عن هذا الطرح على قراءة للتاريخ الإسلامي ترى أن الدولة الإسلامية لم تُدار وفق نموذج مركزي صارم، بل اعتمدت نظام الولايات التي تمتعت بهوامش واسعة في إدارة شؤونها المحلية، مع احتفاظ السلطة المركزية بملفات السيادة العامة، كالدفاع والسياسة الخارجية والقضاء الأعلى
وانطلاقاً من هذا الفهم، يُقدَّم النموذج الفيدرالي باعتباره تطويراً معاصراً لفكرة توزيع الاختصاصات، لا خروجاً على المرجعية الإسلامية أو تبنياً لنموذج مستورد بصورة كاملة
كما يعترف هذا التيار بأن السودان بلد متعدد الثقافات والهويات، وأن محاولات صهر هذا التنوع في قالب واحد لم تحقق الاستقرار، بل ساهمت في تعميق الاحتقان السياسي والاجتماعي. ومن هنا تُطرح الفيدرالية كوسيلة لإدارة التنوع، لا كمدخل لتقسيم البلاد
مراجعة لتجربة الدولة المركزية
من اللافت أن الخطاب الإسلامي الداعم للفيدرالية يتضمن، بدرجات متفاوتة، مراجعة لتجربة الدولة خلال العقود السابقة , فالكثير من الأصوات داخل هذا الاتجاه تقر بأن المركزية المفرطة أضعفت الإدارة المحلية، وأدت إلى تراكم المظالم التنموية والسياسية، وأسهمت في توسيع الفجوة بين المركز والأقاليم
وبهذا المعنى، تُقدَّم الفيدرالية باعتبارها تصحيحاً لمسار الدولة أكثر من كونها تغييراً في الهوية السياسية , ويرى أصحاب هذا الرأي أن منح الأقاليم سلطات حقيقية في التشريع والإدارة والموارد يمكن أن يعزز وحدة السودان، لأن الوحدة الطوعية أكثر استدامة من الوحدة التي تفرضها السلطة المركزية
الإشكالات التي تواجه هذا التصور
غير أن هذا المشروع يواجه تحديات فكرية وسياسية لا يمكن تجاوزها بسهولة
أولى هذه التحديات تتمثل في العلاقة بين المرجعية الإسلامية الموحدة وبين استقلالية الأقاليم , فإذا كانت الفيدرالية تعني منح الوحدات الإقليمية مساحة واسعة لصياغة سياساتها وفق خصوصياتها، فإلى أي مدى يمكن تحقيق ذلك مع وجود مرجعية أيديولوجية مركزية تُعد ملزمة للجميع؟
هنا يرى منتقدو المشروع أن الفيدرالية قد تتحول إلى لامركزية إدارية محدودة، بينما تبقى السلطة الحقيقية في المركز
أما التحدي الثاني فيرتبط بطبيعة الدولة نفسها بعد الحرب , فهناك من يخشى أن يؤدي الإبقاء على مركز قوي في الملفات الأمنية والعسكرية، مع نقل الأعباء الخدمية والتنموية إلى الأقاليم، إلى إعادة إنتاج المركزية بصيغة جديدة، بحيث تصبح الفيدرالية مجرد توزيع للمسؤوليات لا توزيعاً حقيقياً للسلطة
بين المراجعة والتكتيك
يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المراقبين: هل يمثل تبني الإسلاميين للفيدرالية مراجعة فكرية عميقة، أم أنه استجابة ظرفية فرضتها التحولات السياسية بعد سقوط النموذج القديم؟
الإجابة ليست بسيطة. فمن الواضح أن داخل التيار الإسلامي نفسه نقاشاً متنامياً حول مستقبل الدولة، وحول حدود المركزية، وحول ضرورة إعادة بناء العلاقة بين العاصمة والأقاليم
لكن المصداقية لن تُقاس بالنصوص والبرامج وحدها، وإنما بمدى الاستعداد للقبول بفيدرالية تمنح الأقاليم سلطات دستورية حقيقية، حتى عندما تختلف خياراتها السياسية والثقافية مع توجهات المركز
لقد أصبحت الفيدرالية اليوم موضوعاً تتقاطع عنده رؤى معظم القوى السودانية، وإن اختلفت دوافعها ومرجعياتها , وبالنسبة للإسلاميين المناصرين للدولة، فإن نجاح هذا الطرح لن يتوقف على إعادة تأصيله في التراث الإسلامي فحسب، بل على قدرته على تقديم ضمانات دستورية واضحة تمنع عودة المركزية بأشكال جديدة، وتؤسس لعقد وطني يقوم على الشراكة المتكافئة بين جميع أقاليم السودان
فإذا استطاعت الفيدرالية أن تتحول من شعار سياسي إلى نظام يحقق التوازن بين وحدة الدولة وحقوق الأقاليم، فقد تصبح إحدى أهم ركائز بناء السودان بعد الحرب، أما إذا بقيت مجرد إعادة توزيع للصلاحيات تحت هيمنة مركز قوي، فإنها لن تكون سوى إعادة إنتاج للأزمة التي يسعى الجميع إلى تجاوزها.
zuhair.osman@aol.com
