د. محمد حمدان عيسى، المنطقة الشرقية، السعودية
تيار الكهرباء يذهب عتمة اليل وتستطيع كبسة زر واحدة أن تطرد الظلام وأن تملأ شوارع المدن بنور باهر يمكننا من ابصار ما تخفيه الظلمة من خوف وروعة فالظلام رداء كل مجرم وغاية كل لص يتربص ليأخذ ما ليس له غدرا وخيانة ودون وازع من ضمير والله يعلم ومدن السودان تعيش بين اثنين ظلمة ومرض فلا مصابيح الشوارع انارت ولا المستشفيات رحمت ولا هيئة الكهرباء نشطت واهلنا في الخرطوم وهي العاصمة وام المدن بلا ماء ولا كهرباء ولا تسال عن الدواء فهو المسكوت عنه ولمن استطاع اليه سبيلا. وحرام ان (أعيش في ظلمة وانت صباحي وانت طبيبي اموت بجراحي واه لو اه تفيد مجروح) لأشك ان الاصباح خير من الظلمة رغم انه كثيرا ما نسمع (يا نهار أسود) لكن سب الظلام أو الليل أو الدهر محرم شرعاً، لأنه يعتبر في الحقيقة سباً لله عز وجل الذي يقلب الليل والنهار
أقلب الليل والنهار”””يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي
ومن الأفضل إشعال شمعة بدلاً من لعن الظلام
(Better to light a candle than to curse the darkness)
المقولة المأثورة والتي اصبحت بيتاً سائراً: «من لا يضيء لنفسه، لا يلعن الظلام ولا يذمه»، وعادة ما يصور الظلام رمزا لليأس أو الجهل…….. صحيح ان الكهرباء تبدد عتمة المكان، ولكن علينا ان نكون دعاة لصناعة النور تُضيء العقول لان تيار الوعي قبل تيار . النور المادي الذى رغم ابهاره لا يزيل جهلا فى العقول وتخلفا وانسدادا فى افق التفكير المبدع والكهرباء وأعتى الشبكات الكهربائية تظل عاجزة تماماً عن إنارة عقل مغلق، لكن تيار الوعي هو الوحيد القادر على إنارة الإنسان وتبديد جدران ظلام الجهل والتخلف..
تجسد الكهرباء بلا شك أحد أعظم إنجازات الحضارة البشرية لتيسير الحياة اليومية. ولكن الفكر المظلم، والنظرة الضيقة، والانغلاق عن الإبداع، لا تضيئها مئات الكيلوواط من الطاقة؛ فالجهل لا يُقاس بقلة الضوء في الغرف، بل بقلة الرؤية في الأفكار. وعندما يغيب تيار الوعي يتوقف العقل عن إنتاج المعرفة وتتحول المجتمعات إلى مستهلكة للتقنية بدلاً من صانعة لها. قد نعيش في مدن تتلألأ فيها أبراج الزجاج وتحتضن أحدث وأدق الأجهزة الكهربائية، فماذا استفدنا ان انكفأت شعلة التفكير المبدع وتيار الفكر النبيل والوعي النقدي الذي ينزع غشاوة التبعية، ويفتح آفاق التحليل والتطوير والابتكار. ظلام الليل يزول بطلوع الشمس لكن ظلام العقول هو الأشد خطورة لأنه يصنع التخلف الاجتماعي والإنساني.
إن تيار الوعي هو الذي يُحارب التعصب، ويغرس مبادئ العدالة، ويُشعل شغف الفضول المعرفي ويتحول إلى نور دائم يُورَّث عبر الأجيال.
إننا بحاجة إلى ثورة في الفكر تُعطي الأولوية لبناء الإنسان قبل بناء الجدران، وتوجيه تيار الوعي لتبديد أوهام الجهل قبل ان نفكر في تمديد الأسلاك لتبديد ظلام الليل لتضيء الشوارع والمزارع والمصانع ما الفائدة ان ظلت عقولنا تعيش بعقلية القطيع والقبلية (Group Think-Think Tank) كما في القرون الوسطى والتفكير الجمعي؟
وختام قولي ارفع اكف الضراعة الى الله ان ينير كل بقاع الوطن المترامية وقبلها ان ينير البصائر والضمائر وان يشرح صدورنا لتمتلئ حبا وصبرا لكل ما نلاقى ونعانى في وطن هو لنا السكن والأمان رغم قساوة الظروف (وعزيز انت يا وطني رغم قساوة المحن …برغم صعوبة المشوار…. ورغم ضراوة التيار) وان اظلمت المدن وانقطع التيار علينا ان نتذكر (There is light at the end of the tunnel)
د. محمد حمدان عيسى
المنطقة الشرقية، المملكة العربية السعودي
