بقلم: السر جميل
في زحمة المنافي وعصف الغربة، تبرز شخصيات تشبه الأشجار الباسقة، تتجذر في عمق الأرض وتظل أغصانها مثمرة بالخير والندى، وفي مقدمة هؤلاء يقف سليل الأصالة وأيقونة الوفاء الدكتور الصيدلي شوقي الزبير، ذاك الرجل الذي يعد جوهرة سودانية خالصة، وسليل المجد من جده الزبير باشا، رجل سوداني قح، أصيل مأصل، تجسدت فيه السماحة والكرم في أبهى صورهما.
شوقي ليس جسداً يمشي على الأرض فحسب، بل هو موسوعة حية ومنسية من القصص والمواقف المجيدة. خاض غمار الحياة ينتقل بين بقاع السودان، قدم خدمته النبيلة كطبيب صيدلي في ربوع دارفور المعطاء والعاصمة الخرطوم، قبل أن تحط به رحال المنفى في أوروبا. جاب المملكة المتحدة بين شمالها ومانشستر في الميدلاند، ليستقر ختاماً في “أرض الميعاد” هولندا، كما يحلو له أن يسميها.
يحمل شوقي في وجدانه وطنية غيورة تتجلى في سخريته الأليمة زهداً بمآلات السودان المحزون، لكنه زهد المحب الذي يعتصر قلبه ألماً على وطنه. إنه حافل ببياض القلب ونقاء السريرة، فتتجذر فيه الشهامة والإيثار لدرجة هبة الذات للآخرين، مع ثقافة أدبية سلسة قريبة من قلوب الجميع.
يمثل الدكتور شوقي خلق نبيل وإيمان هاديء وأيقونة للتلاقي والجسراً الذي يربط الأهل والأصدقاء؛ فهو اجتماعي بار بمجتمعه، يحب السودانيين ويحترم خصوصية الآخرين بأدب جم ينم عن سعة إدراك وعمق وعي. وفي الجانب المشرق من روحه، يبرز التزامه الديني الصادق والهادئ، فهو المواظب على الصلاة في ميقاتها حتى في بيته، الحريص كل الحرص على صلاة الجمعة.
"لست متديناً، ولكن يجب ألا أفوت صلاة الجمعة." — الدكتور شوقي
تلك الكلمات التي قالها مرة تعبر عن صدق فطري يبتعد عن التصنع والمظاهر، وتعكس أعماق روحه الممتلئة بالسكينة.
إن أمثال شوقي هم أعلام خفية، شخصيات عظيمة مغمورة في طيات الغربة، معطاءة لم تسع للظهور أو زهو الإعلام، لكن أثرها انطبع بحروف من نور في قلوب كل من التقى بهم. ولئن قصرت الأقلام عن إيفائه حقه، فإن أقلاماً قادرة كالكاتب الطيب عبد الماجد والأستاذ بابكر عباس حرية بأن تكتب عن هذه القامات التي تعسكر في قلوبنا.
قبل ان نقول تحية مساء معطرة إن شوقي يبقى رمزاً للأخوة والشخصية السودانية الطيبة السمحة. وإليه -مع هذه الكلمات المنبعثة من أعماق الوفاء- نُهدي أطيب تحيات المساء، مقرونة بعاطر المودة والتقدير للدكتورة إيمان والشبل أحمد، مع الأمنيات بدوام الرفعة والهناء.
elsir90@hotmail.com
