باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأحد, 9 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

الخليفة عبد الله التعايشي، مفارقة الطموح والوسائل

اخر تحديث: 8 أغسطس, 2026 10:33 مساءً
شارك

د. الرشيد خليفة

لما قضى «الإمام المهدي» نحبه في يونيو 1885، بعد أشهرٍ قلائل من سقوط الخرطوم وتدحرج رأس غردون على سلالمها، لم يرث دولته التي زعم أنها «مؤيَّدة من السماء» نبيٌّ آخر ولا وليٌّ مكاشف، بل ورثها راعي بقرٍ من أقاصي جنوب غرب دارفور، رجلٌ بالكاد يعرف أين تقع إنجلترا على الخريطة، ثم كتب إلى ملكتها يأمرها بالدخول في طاعته. وفي هذا التناقض بالذات، بين طموحٍ كونيٍّ يخاطب تيجان الأرض، ووسائل إقليميةٍ لا تتجاوز خُف الجمل وسنان الرمح، تكمن مأساة «مرحلة الدولة» المهدية وملهاتها معاً [1]. وهذا الجزء الثاني مكرَّسٌ لسيرة هذا الوريث ودولته، منهجياً، وإن لم نُخفِ ابتسامةً بين السطور.

من هو «عبد الله محمد التقي تورشين»؟ الاسم واللقب والأصل
هو عبد الله محمد التقي الملقب بخليفة المهدي والتعايشي نسبة لقبيلته وأيضاً لُقّب بتورشين. «تورشين» لقب الخليفة وقيل لقب أبيه وجده ايضاً، والقصد من اللقب هو الثور القوي العاصي ذو البأس الشديد، وُلد نحو 1846 في «أم دافوق» بأقصى الجنوب الغربي من دارفور على تخوم تشاد [2][3]. وهو من بيتُ فُقراء (جمع فقير أو فكي) من البقّارة: جدُّه، على ما تذكر بعض الروايات، فقيهٌ تجانيٌّ جوّالٌ قدِم من غرب أفريقيا، من ذلك الطراز الفُلانيّ المتنقّل الذي يجمع بين تعليم القرآن وكتابة الحجاب وطِبّ العُروق. ومن هنا يصعب في تلك البيئة رسمُ خطٍّ فاصلٍ بين «الفكي» و«المعراقي» الذي يبيع عروق النبات وجذوره ويخطّ الحجبات بأجرٍ معلوم؛ فالوظيفتان تتجاوران في خيمةٍ واحدةٍ وتحت عمامةٍ واحدة، وكان بيتُ التعايشي من هذا الصنف: قرآنٌ يكفي للإمامة، وحجابٌ يُكتب للمرأة العاقر والجمل الضالّ، وشيءٌ من رُقى البادية [3].
وأما «هل حفظ القرآن كلَّه أم بعض قصار السور؟» فالمصادر التي تُطنب في وصفه واعظاً و«رجلاً صالحاً» تلزم صمتاً بليغاً عند هذه النقطة تحديداً: لا تُثبت له حفظاً كاملاً ولا إجازةً في علمٍ، بل تصفه بتعليم الفكي العمليّ لا علم عالِم النهر [8][6]. وفي ثقافةٍ تُشهر ختمَ القرآن على المنابر كوسامٍ، فإنّ هذا الصمت وحده شهادة: سلطانُ الرجل قام على الكاريزما والثقل القبَليّ وفروسية البقّارة، لا على المتون والحواشي.
ويُطلب منّا مقارنتُه بأخيه الأمير يعقوب الملقب بـ«جِراب الرأي». والحقّ أنّ اللقب مديحٌ للدهاء لا للعلم؛ فيعقوب صار وزيرَ أخيه الأول ومستشارَه وقائدَ الراية الزرقاء، وكان «جِراب الرأي» بمعنى خُرج المشورة والمكيدة، لا خزانة الفقه. فالمقارنة إذن ليست بين عالِمٍ وأميّ، بل بين نكهتين من فطنة البادية: أخٌ يقود بالحضور، وأخٌ يدبّر بالحيلة، وكلاهما بقّاريٌّ الثقافة حتى النخاع [1].

هل عرض عبد الله على الزُّبير رحمة منصور أن يُعلن نفسه مهدياً؟
قبل أن يهتدي عبد الله إلى «مهديِّه»، كان، كما تروي الأخبار، باحثاً عن المخلِّص المنتظَر، وقد ورث هذا الترقّب عن أبيه. وتذكر بعض الروايات أنّ رادارَه المهدويّ التقط أولاً أقوى سودانيِّ زمانه: الزُّبير رحمة منصور، تاجر الرقيق وأمير بحر الغزال وصاحب دولة «الدِّيم»، فظنّه المهديَّ الموعود أو رشّحه لذلك وسعى إليه [3][4]. غير أنّ الزُّبير كان يومئذٍ محتجَزاً في القاهرة منذ 1876، رجلَ أعمالٍ إمبراطوريٍّ لا يعبأ بمغامرةٍ آخِرَوية، فلم يُصغِ ولم يستجب؛ فما كان من عبد الله إلا أن أعاد توجيه بوصلته المهدوية من أميرِ الرقيق إلى ناسكِ جزيرة أبا. وباختصارٍ ساخر: الخليفةُ المقبل كان يتسوّق مهدياً، وكان الزُّبير خِيارَه الأول الذي «نفد من المخزن».

لقاء المهدي، متى وأين ولماذا؟
التقى عبد الله بمحمد أحمد نحو 1878–1880، في محيط جزيرة أبا وأثناء تنقّلات محمد أحمد في كردفان [1]. جاءه فبايعه وانقطع إليه، وكان من أوائل أنصاره. اللقاءُ سبق إعلان المهدية العلنيّ الذي وقع في 29 يونيو 1881؛ فعبد الله لم يلحق بدعوةٍ قائمة، بل كان حاضراً قبل أن تُرفع الراية، ممّا رفع رصيده لدى المهدي بوصفه من «السابقين الأولين» [5][6].
ولماذا اختاره المهدي خليفةً له، بل «خليفة الصدّيق» (نظيرَ أبي بكر)؟ لأنّ محمد أحمد صاغ حركته على قالب صدر الإسلام، فوزّع خلفاءه على غرار الراشدين. والسبب العمليّ أعمق من الرمز: عبد الله كان يجرّ وراءه خيل البقّارة، عضلةَ الغرب العسكرية، وولاءً لا يتزعزع، بينما كان أشرافُ النهر يجلبون النسب ومعه المنافسة. فراهن المهدي على السيف لا على المحتد. والمفارقة أنّه ألبس عباءةَ أبي بكر رجلاً هو أبعدُ الناس عن أبي بكر علماً، وأقربهم إليه صلابةً في العزم [7].

ماذا أراد التعايشي أن يحقّق، وماذا حقّق فعلاً؟
أراد أن يكون الخليفة السياسيَّ للإمام على تمام المعنى: يُثبّت «أمّة المهدي» ويوسّعها، ويحكم باسمه، ويُعدّ العُدّة لفتحٍ عالميٍّ يسبق نزول عيسى. أمّا ما حقّقه فعلاً فشيءٌ أرضيٌّ جدّاً: حوّل حركةً ثوريةً كاريزمية إلى دولةٍ مركزيةٍ بيروقراطيةٍ ثم شخصية-قبَلية، عاصمتُها أم درمان [7]. بنى مدينةً وبيتَ مالٍ وجيشاً وديواناً للإنشاء، وسحق ثورات الأشراف (1885–1891)، وهمّش الخليفتين الآخرين (علي ود حلو ومحمد شريف)، وأنشأ حرسَه الخاص «المُلازمية» بقيادة ابنه عثمان شيخ الدين ليكون ثِقلاً موازياً للجميع [1].
وأمّا «مجلس الشورى إن وُجد» فقد وُجد بالاسم لا بالفعل. كان ثمّة قاضي الإسلام وأمين بيت المال والأمراء، لكنّ القرار كان يخرج من خيمة الخليفة ومعه أخوه يعقوب وحلقةُ التعايشة الضيّقة. شورى في العنوان، ومجلسُ أبناء عمومةٍ في المتن، وهذه أصدق تسميةٍ لبرلمان الخيمة.

الجغرافيا والعالم والتقدّم العسكريّ، خريطةٌ في رأس راعٍ
كان إدراكه للعالم من حوله، بأحسن الظنّ، رقيقاً. رجلٌ من مراعي البقّارة تصوّر الأرض مسرحاً للدراما المهدية وحدها: مصرُ واستانبولُ ومكةُ و«الإفرنج» أشباحٌ غامضةٌ مهدِّدة. استدعى سلطانَ آل عثمان وملكةَ بريطانيا إلى الإسلام كأنّهما شيخا فريقٍ متمرّدان في كردفان. ولم يكن له تصوّرٌ يُذكر عن الثورة الصناعية، ولا عن السكك الحديدية والتلغراف والبواخر بوصفها منظوماتٍ استراتيجية، ولا عن الانقلاب الهائل في النار، البنادق ذات المخزن، ورشّاشات المكسيم، والمدفعية، والبوارج النيلية، وكل الذي كان يعيد صياغة الجيوش الأوروبية في زمانه [10].
ورث عن التركية بضعَ بنادق رمنجتون ومدافع كروب وبواخرَ معطوبة، لكنّه لم يبنِ يوماً قدرةً على صناعتها أو صيانتها أو دمجها تكتيكياً. وهنا تسقط النكتة أثقلَ سقوطها: كان يُعدّ جهادَ الرمح والسيف ضدّ الأمّة نفسها التي كانت في اللحظة عينها تخترع الرشّاش. ومذبحةُ كرري، وكتابُ تشرشل «حرب النهر»، ليسا سوى الخاتمة مكتوبةً بالدم [10].

خطاباته إلى ملوك الأرض، بلاغةٌ بلا جدوى، ومَن كان يكتبها؟
كانت المهدية دولةَ منشوراتٍ ورسائل؛ فالمنشور والرسالة أداتا حكمٍ ودعوةٍ لا مجاملةٍ دبلوماسية. بدأ المهدي بمكاتبة الخديوي والسلطان وغردون، بعد فتح الخرطوم، وواصل الخليفةُ التقليد فبعث إلى ملكة بريطانيا فكتوريا، والسلطان العثماني عبد الحميد الثاني، والخديوي، وإمبراطور الحبشة، ووجهاء العرب والأفارقة، يدعوهم، بل يأمرهم، بالدخول في طاعة «مهديّ الله» [8]. وكان مضمونها إنذاراً في ثوب خطبة: «أسلِموا لهادي الله أو فالسيف»، غزيرةً في الآيات والنبوءات، شحيحةً في فقه الدول والمصالح.
ومَن كتبها؟ ليس الخليفةُ محدودُ المِحبرة بيده، بل ديوانُ إنشائه: كتّابٌ وقضاةٌ من أبناء النهر المتقنين للعربية الفصحى، أي من الطبقة نفسها التي كان يجرّدها من نفوذها. والمفارقة أنّ رسائل الطاغية الفخمة إلى تيجان العالم خطّتها أقلامُ الصنف الذي كان منشغلاً بإذلاله [8]. أمّا الردود فلم تكن ذات بال: تجاهلٌ من القوى الكبرى، أو تعاملٌ معها كطُرفة، أو ردٌّ بالحرب كما فعل الإمبراطور يوهنس الرابع الحبشيّ ووصل رده بعد وفاة المهدي. جدواها الدبلوماسية صفرٌ، ووظيفتها الحقيقية داخلية: دعايةٌ وأداءُ سيادةٍ كونيةٍ متوهَّمة [9].

الحروب الخارجية، الغرض والحصاد، أين نجح وأين فشل
انفتحت جبهاته الخارجية على ثلاثٍ. أولاها الحبشة، وهي «الأنجح»: غاراتٌ متكرّرة، ونهبُ غندر (1887 و1888)، ثم النصر الكبير في القلابات/المتمّة يومي 9–10 مارس 1889، حيث قُتل الإمبراطور يوهنس الرابع وأُرسل رأسه إلى أم درمان ليُطاف به في بلاط الخليفة المبتهج [1][2]. لكنّه نصرٌ بيريكليّ (باهظٌ): سُحق جيش الزاكي طمّل (تراجع من نحو 87 ألفاً إلى عشرة آلاف بحلول 1890)، ولم يُضَف شبرٌ واحد. وثانيتها مصر: زحفٌ شماليٌّ بقيادة عبد الرحمن النجومي انكسر في توشكى يوم 3 أغسطس 1889 أمام الجيش المصريّ-البريطانيّ، وقُتل النجومي، وماتت في رمال حلفا أحلامُ «تحرير» مصرَ والزحفِ على مكة [10]. وثالثتها ساحلُ سواكن تحت عثمان دقنة: حربٌ دائمةٌ لا حسم فيها، انتهت بخسارة طوكر وكسلا لصالح الطليان.
والغرضُ المعلَن جهادٌ عالميٌّ وآخِرَويّ: فتح الدنيا للمهدي ولقاءُ النبي عيسى في القدس. والحصادُ الفعليّ إنهاكٌ استراتيجيّ: نزفت هذه الحروبُ خيرةَ الرجال والحَبِّ ولم تُثمر شيئاً باقياً. نجح في قتل إمبراطور، وفشل في بناء إمبراطورية.

من أين أتى الخليفة بمؤن هذه الجيوش؟
من بيت المال، ومصادرُه: الزكاة والعُشر والفيء والغنائم، والمصادرات (مصادرة أموال المغضوب عليهم)، وفوق ذلك كلِّه الجباية العينية، حبوباً وماشيةً، تُعصَر من مزارعي وادي النيل ومن القبائل [11]. وحين هاجرت قبيلة التعايشة والبقّارةُ إلى أم درمان («هجرة التعايشة») تحوّل المنتجون إلى مستهلكين، وتركّز الطلبُ على حزام الحبوب في الجزيرة والنيل. فلمّا خانت الأمطارُ والمحصولُ (1889–1890) انهارت المنظومة إلى مجاعة. وعُرفت هذه الكارثة بمجاعة سنة ستة لأنها بالتاريخ الهجري كانت عام 1306 هجرية. من طرائف التوثيق أنّ الدولة كانت، رغم ذلك، تمسك دفاتر: نشر أبو شوك وبيوركلو ميزانيةً شهريةً لبيت مال المسلمين لعام 1897، وثيقةً نادرة تكشف حساباً منتظماً وسط الفوضى [11]. خلاصةٌ ساخرة: خلافةٌ قدرت على قطع رأس إمبراطور ولم تقدر على إطعام عاصمتها؛ جيشُ التموين وتموين الجيش يمشي على المصادرة والدعاء.

الخليفة وأمراء المهدية، الرايات ودرجاتها ومَن وزّعها
انتظم الجيشُ تحت الرايات الكبرى الثلاث: الراية الزرقاء (السوداء) وهي الكبرى، رايةُ الخليفة نفسه والبقّارةِ والغربِ، بقيادة أخيه يعقوب؛ والراية الخضراء بقيادة الخليفة علي ود حلو؛ والراية الحمراء (رايةُ الأشراف) بقيادة الخليفة محمد شريف ابن عمّ المهدي [1]. وهذا التقسيمُ الخُلافيُّ-الرايوي من صُنع المهدي أصلاً، محاكاةً للراشدين؛ ورثه الخليفةُ ثم أفرغ الخضراءَ والحمراءَ من مضمونهما لصالح الزرقاء، وحشا القيادةَ بأقاربه من التعايشة، وأنشأ المُلازميةَ تحت ابنه عثمان شيخ الدين ثِقلاً يعلو الجميع [1][7].
والأمراءُ درجات (أميرٌ ومقدَّم)، يُدارون ويُراقَبون ويُدوَّرون؛ ومَن استطال منهم أو كان نهريَّ الهوى نالَ الحبلَ أو النفيَ، كما جرى لأمين بيت المال إبراهيم محمد عدلان الذي أُعدم بعد أن عارض سياسة الحبوب زمنَ المجاعة. فالعلاقة رعايةٌ زبونيةٌ مشوبةٌ بالريبة: الولاءُ يُكافأ بالإمرة، والاستقلالُ يُعاقَب بالمشنقة.

الخليفة والرعية، فردوسٌ موعودٌ في هيئة معسكر
كانت «دولة المهدي» في نظر الرعيّة العادية تعني ضريبةً ثقيلة، وهجرةً قسرية، وضبطاً طقوسياً (حضورٌ إجباريٌّ للصلاة والاستعراض، وقواعدُ لباس، وتحريمٌ للتبغ والخمر والزينة يفرضه المحتسبُ والمحاكم)، وعقوباتٍ بدنية، ومصادرةً دوريةً للحَبّ والماشية والنساء (سبايا وغنائم). ويوتوبيا العدل التي بشّر بها المهديُّ استحالت في عهد الخليفة دولةَ أمنٍ قوامها العيونُ والوُشاة والسجونُ، ومنها سجنُ «السَّاير» الشهير بأم درمان، والجَلدُ العلنيّ [12][13]. وشهادةُ الأسيرين الأوروبيَّين سلاطين وأورفلدر، اللذين عاشا ذلك من داخله، تمدّنا بتفاصيلَ لا تُنسى. خلاصةٌ ساخرة: الفردوسُ الأرضيُّ الموعود وصل في هيئة معسكر تدريبٍ بجانبه خزينة.

الخليفة والقبائل، بما فيها قبيلته «التعايشة»
السياسةُ الحاكمة كانت محاباةَ الأهل. فرضَ هجرةَ التعايشة والبقّارة الغربيّين إلى النيل ليكونوا حرسَه البريتوريّ (الجمهوري) وقاعدتَه، فأثار حنقَ أبناء النهر الذين وجدوا أنفسهم محكومين مُجبَين على يد «غرّابة» يحتقرونهم [7]. بل إنّ التعايشة أنفسهم كانوا أداةً لا شركاء: مُدلَّلين لكن قابلين للاستبدال، حتى إذا نهضت المُلازميةُ تراجع ثِقلُ القبيلة ذاتها. وأمّا سائرُ القبائل فمستوعَبةٌ حيث تنفع، مسحوقةٌ حيث تُقاوم. والحصيلةُ نظامٌ يُنظر إليه بوصفه أضيقَ من أن يكون وطنياً: هيمنةٌ بقّاريةٌ غربيةٌ على نيلٍ ناقم.

حروبه مع القبائل السودانية وأسبابها
أنفقت «الدولةُ» جانباً كبيراً من طاقتها في حرب السودانيين الذين زعمت تحريرهم. حملاتٌ على دارفور (إخضاعُ الفور، وقمعُ ثورة أبي جُمَّيزة 1888–1889 التي كادت تبلغ الفاشر قبل أن يموت صاحبُها بالجُدَريّ)، وحربٌ على الكبابيش رُعاةِ الإبل في الشمال (قُتل كبيرُهم وشُتّتت قطعانُهم لأنهم رفضوا الخضوع وأرادوا التحكّم في دروب التجارة)، ومناوشاتٌ مع البجا والشكرية والنوبة، وسحقٌ لثورة الأشراف النهريين سنة 1891 [1][3]. وأسبابُها: التمرّدُ على الجباية، ورفضُ الهجرة، ومهديّون كذبةٌ ينازعونه، والتحكّمُ في الحبوب والتجارة، ومحضُ فرضِ المركز على الأطراف. باختصار: خلافةٌ حرّرت السودانيين من التركيّ لتتفرّغ لحربهم.

المجاعات في عهد الإمام والخليفة وأسبابها، «سنة ستة»
المجاعةُ الكبرى عُرفت بـ«سنة ستة» (نسبةً إلى 1306هـ الموافقة 1889)، وكانت هلاكاً جماعياً من سوء الفيضان وخيبة المحصول والجراد والوباء، فاقمها تكدّسُ السكان في أم درمان، وهجرةُ البقّارة التي أخرجت المنتجين من الحقل، ومصادرةُ الحبوب للجيوش، وتعطيلُ الزراعة بالحروب المتّصلة، وعجزُ الإدارة [1][13]. خلت مديرياتٌ من أهلها، ونُقلت أخبارُ أكلٍ للحوم البشر (سلاطين وأورفلدر)، وكان ردُّ الدولة قاصراً، بل جشعاً. المفارقةُ المُرّة: الخلافةُ «المؤيَّدة من السماء»، التي وعدت بالرخاء، أهدت شعبَها «سنة ستة»، اسماً صار مرادفاً للفزع في الذاكرة السودانية.

قبليٌّ، جهويٌّ، عنصريٌّ، ديكتاتور، أم دبلوماسيٌّ وسياسيٌّ بارع؟
لنزنِ الأوصافَ بميزانٍ ساخرٍ لكنه عادل. قبليٌّ؟ نعم بامتياز، فمحاباةُ التعايشة والبقّارة كانت بنيةً لا نزوة. جهويٌّ؟ نعم، سطوةُ غربيٍّ على النهر. «عنصريٌّ» بالمعنى الحديث؟ اللفظُ مفارقٌ للزمن، لكنّه أدار تراتُبيةَ شعوبٍ فعلاً (بقّارةٌ فوق نهريِّين فوق «عبيدٍ» جنوبيِّين ملأوا الجهادية)، وكان جيشُ الرقيق ركناً في بنيانه. ديكتاتور؟ بلا لبس: حكمٌ شخصيٌّ يقوم على الحرس والسجن والتصفية. دبلوماسيٌّ بارع؟ كلا، «دبلوماسيتُه» إنذارٌ بالخطبة. سياسيٌّ بارع؟ في المعنى الضيّق، معنى البقاء وتركيز السلطة، نعم فعلاً: راوغَ الأشرافَ والخليفتين وكلَّ منافسٍ ثلاثةَ عشرَ عاماً، وليس ذلك بالهيّن [1][7]. فهو إذن مناوِرٌ داخليٌّ مُحكَم، ورجلُ دولةٍ واستراتيجيٌّ فاشلٌ تجاه الخارج.

الموقف العسكريّ والمخابراتيّ من زحف كتشنر إلى كرري وسقوط الدولة
منذ 1896 بدأ كتشنر استعادةً منهجية: سكةُ حديدٍ تُمدّ من وادي حلفا عبر الصحراء، وبوارجُ تصعد النيل، وتركيزُ قوةٍ حديثةٍ متعددةِ الأسلحة. أمّا موقف الخليفة الاستخباريُّ والاستراتيجيُّ فكان أقربَ إلى العمى: أساء تقديرَ التهديد، ولم يُنازع خطَّ الصحراء ولا خطَّ النهر منازعةً مجدية، فسقطت دنقلا (1896)، ثم أبو حمد وبربر (1897)، ثم سُحق جيشُ محمود ود أحمد على العطبرة في 8 أبريل 1898 وأُسر قائده [10][14]. وبدل أن يُشاكس ويُشتِّت أو يدافع عن مضايق النهران شلالاته، حشد جيشَه كلَّه في سهل كرري المكشوف شمال أم درمان، فقدّم لكتشنر بالضبط ما تمنّاه: معركةً جبهيةً، وجهاً لوجه في أرضٍ مفتوحةٍ، داخلَ مدى المدفع والمكسيم.

عشيّة المعركة عسكر كتشنر بجيشه قرب قرية العجيقر (إيجيقة) على الضفّة الغربية للنيل، على بعد ستة اميال شمالَ أم درمان مباشرةً، وظهرُه إلى النهر حيث ترابط بوارجُه. وهناك أقام جنودُه زريبةً، وهي سياجٌ شوكي من أغصان الشجر الشائك (السَمُر ونحوه)، وهو أسلوبٌ سودانيّ تقليديّ لتحصين المعسكر ليلاً ضدّ الغارات، وعزّزوها بحُفَرٍ ومتاريسَ ترابيّةٍ يحتمون خلفها ويطلقون منها النار. فالزريبةُ إذن دفاعٌ ثابتٌ صنعه الطرف الحديث ليجرّ إليه خصمَه.

في صباح يوم 2 سبتمبر 1898، معتمدين على السرعة والعدد والشجاعة اندفع نحو 52 ألفَ أنصاريٍّ، من خلف سفح جبل سُرقهام (تل استخدم للإشارة بالمرآة الشمسية، الهيلوقراف) وتلال كرري، على بعد ميل واحد من زريبة كتشنر، في وجه نارٍ حديثةٍ مركّزة على نحو 25 ألفَ جنديٍّ إنجليزيٍّ-مصريّ محصنين بزريبةٍ ومتاريس، تسندهم عشراتُ المدافع سريعةِ الطلقات وعشرون رشّاشَ مكسيم وبوارجُ في النهر. حصدت المدفعيةُ صفوفَهم قبل أن يبلغوا مدى الرشّاش أصلاً؛ فلم يقترب أحدٌ من الخنادق أقربَ من خمسين متراً [10][14]. سقط نحو 12 ألف قتيلٍ و13 ألف جريحٍ وأُسر خمسةُ آلاف، مقابلَ نحو 48 قتيلاً في الجانب الآخر [10][14]. مات يعقوب تحت الراية الزرقاء، وأضاع انحرافُ عثمان شيخ الدين إلى تلال كرري الاحتياطَ، وأفسد سوءُ توقيت الهجمات المناورةَ الوحيدة التي كان يمكن أن تؤذي كتشنر (كما فصّل زلفو) [14]. لم تكن معركةً بقدر ما كانت إعلانَ القرن الصناعيّ حكمَه على الرمح. فرّ الخليفة، وانهارت الدولة، وطُورد حتى قُتل في أم دبيكرات يومي 24–25 نوفمبر 1899 بعد أربعة عشر شهراً [1].
بعد كرري بنحو أربعة عشر شهراً (2 سبتمبر 1898 – 24/25 نوفمبر 1899)، لم يكن الخليفة «مختفياً» في جُحرٍ واحد بقدر ما كان طليقاً متنقّلاً في إقليم ما يزال تحت سيطرته الاسمية.
أين ذهب: فر من أم درمان جنوباً وغرباً نحو كردفان، موطنِ قبيلته البقّارة. وفي البداية طارده وينجت ومكسويل (بمعلوماتٍ من سلاطين) نحو ثلاثين ميلاً باتجاه النيل الأبيض، لكنّه تفرّق بقواته في صحراء كردفان، ففشلت المطاردة الأولى لقلّة الماء عند المطارِدين. ثمّ أعاد تثبيت مقرّه قرب الأُبيّض في جنوب كردفان أواخر 1898، يحاول حشد عشرة إلى خمسة عشر ألف مقاتل وسط المجاعة والفِرار، مقيماً بين أهله البقّارة غربَ كوستي (كاكا) في كردفان، حيث ظلّت المهدية تسيطر على كردفان ودارفور وتخوم الحبشة.

لماذا لم يُطارَد سريعاً: لأربعة أسباب متضافرة. الأول أنّ أولويات الإنجليز بعد كرري كانت في مكانٍ آخر: تأمينُ وادي النيل، وإرساءُ اتفاقية الحكم الثنائي (الكوندومنيوم) في يناير 1899، وقبل ذلك أزمةُ فاشودة مع الفرنسيين، إذ صعد كتشنر فوراً جنوباً لمواجهة مارشان، لأنّ ذلك كان الهدفَ الاستراتيجيّ الحقيقيّ للحملة كلّها. فأمضى الإنجليز العامَ التالي لمعركة أم درمان في تثبيت قبضتهم على السودان وسحق ما بقي من الحركة المهدية. الثاني جغرافيّ-لوجستيّ: الخليفة هرب بعيداً عن النهر إلى داخلٍ صحراويٍّ قاحل، حيث لا تصل مزايا الجيش الحديث الحاسمة (البوارج، وسكة حديد الصحراء، والتموين النهريّ)؛ فمطاردتُه في كردفان تعني التخلّي عن كل ذلك. الثالث أنّه كان محتمياً بعصبيّته القبلية في أرضٍ صديقة تُؤويه وتُموّنه. والرابع أنّهم انتظروا معلوماتٍ موثوقة: ففي أكتوبر 1899 حصل الإنجليز على معلوماتٍ بموضعه غربَ كوستي، فأرسل كتشنر رتلاً بقيادة وينجت زحف من كوستي إلى جبال كردفان، فدمّر وحدة تموينٍ مهدية ثم عثر على معسكر الخليفة [16].

نقدٌ عامّ لدولة المهدية في عهد الخليفة، من كل النواحي
سياسياً: حكمٌ مركزيٌّ حقّق وحدةً ترابيةً غيرَ مسبوقة، لكن على حساب الشرعية، قائماً على القبيلة والحرس والإرهاب، بلا حلٍّ للخلافة ولا مؤسساتٍ تُعمِّر بعد الرجل. اجتماعياً: هجرةٌ قسرية، ورقٌّ راسخ، ونساءٌ غنيمة، ونظامُ آدابٍ بوليسيٍّ صارم، وتراتُبيةٌ قبَليةٌ تصلّبت. ثقافياً: عداءٌ لماضي «التركية» ولكثيرٍ من الإرث العلميّ والصوفيّ، ونزوعٌ إلى إحراق الكتب، والمنشوراتُ أدباً رسمياً، وتسطيحٌ لتلك الحياة الفكرية النهرية-الصوفية الغنية التي احتفت بها مقالاتٌ سابقة [15].
أمّا الحريّات فلا حديث عنها: سجنٌ وجَلدٌ وعيونٌ ورقابةٌ وإعدامُ الخصوم. والرخاءُ؟ مجاعةٌ وإفراغُ مديرياتٍ من سكانها وانهيارُ تجارة. والتنميةُ والتطوّرُ؟ لا يُذكران: لا بنية تحتية، ولا مدارس تتجاوز الخلوة، وجمودٌ تقنيٌّ ورفضٌ متعمَّدٌ للحداثة. والتعليمُ اختُزل في حفظ القرآن و«راتب» المهدي، مع كبتٍ لتقاليد النهر العلمية. والصحّةُ بلا نظام؛ أوبئةٌ منفلتةٌ ومجاعةٌ وحربٌ أنتجت هلاكاً جماعياً [12][13].
ومع ذلك، وفاءً لعدل التاريخ، كانت المهدية أيضاً أوّلَ تأكيدٍ حديثٍ لاستقلال السودان، دولةً مناهضةً للاستعمار طردت، ولو حيناً، إمبراطوريةً أجنبية، وصاغت هويةً بروتو-وطنيةٍ ترددت أصداؤها في القرن العشرين (الأنصار، وحزب الأمة، وعبد الرحمن المهدي). حَفِظ الخليفةُ، ضدّ كلّ حسابٍ ماديّ، ثلاثةَ عشرَ عاماً دولةً ما كان لها أن توجد. والمأساة، والملهاة، أنّه حَكَم عالماً في القرن التاسع عشر بخريطةٍ ذهنيةٍ من مضارب البقّارة رعاة البقر، ولاقى رشّاشات القرن العشرين بشجاعة الرمح، وبمصيره [1][15].

المراجع
1) P. M. Holt, ‏The Mahdist State in the Sudan, 1881–1898: A Study of its Origins, Development and Overthrow, 2nd ed., Oxford: Clarendon Press, 1970.
2) P. M. Holt & M. W. Daly, ‏A History of the Sudan: From the Coming of Islam to the Present Day, 6th ed., Harlow: Pearson Longman, 2011.
3) نعوم شقير، تاريخ السودان القديم والحديث وجغرافيته، القاهرة: مطبعة المعارف، 1903.
4) Richard Hill, ‏A Biographical Dictionary of the Sudan, 2nd ed., London: Frank Cass, 1967.
5) إسماعيل بن عبد القادر الكردفاني، سعادة المستهدي بسيرة الإمام المهدي، تحقيق محمد إبراهيم أبو سليم، بيروت: دار الجيل، 1972.
6) Haim Shaked, ‏The Life of the Sudanese Mahdi, New Brunswick, NJ: Transaction Books, 1978.
7) Kim Searcy, ‏The Formation of the Sudanese Mahdist State: Ceremony and Symbols of Authority, 1882–1898, Leiden: Brill, 2011.
8) محمد إبراهيم أبو سليم (تحقيق)، الآثار الكاملة للإمام المهدي، الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للنشر، 1990–1994.
9) G. N. Sanderson, ‏England, Europe and the Upper Nile, 1882–1899, Edinburgh: Edinburgh University Press, 1965.
10) Winston S. Churchill, ‏The River War: An Historical Account of the Reconquest of the Soudan, London: Longmans, Green & Co., 1899.
11) Ahmad Ibrahim Abu Shouk & Anders Bjørkelo (eds.), ‏The Public Treasury of the Muslims: Monthly Budget of the Mahdist State in the Sudan, 1897, Leiden: Brill, 1996.
12) Rudolf C. Slatin, ‏Fire and Sword in the Sudan, trans. F. R. Wingate, London: Edward Arnold, 1896.
13) Joseph Ohrwalder, ‏Ten Years’ Captivity in the Mahdi’s Camp, 1882–1892, ed. F. R. Wingate, London: Sampson Low, Marston & Co., 1892.
14) عصمت حسن زلفو، كرري (الأصل العربي)؛ الترجمة الإنجليزية: Ismat Hasan Zulfo, ‏Karari: The Sudanese Account of the Battle of Omdurman, trans. Peter Clark, London: Frederick Warne, 1980.
15) Gabriel Warburg, ‏Islam, Sectarianism and Politics in Sudan since the Mahdiyya, London: Hurst & Co., 2003.
(16) Battle of Omdurman, African History by Britanica Editors, britanica.com

rkhalifa747@gmail.com

Author
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

توضيح من سلمان محمد احمد سلمان رئيس مجلس جامعة الخرطوم حول الخبر المتداول بحل مجلس جامعة الخرطوم بواسطة الفريق البرهان
منبر الرأي
30 يونيو مواكب الغضبة الشعبية السلمية: نفحات ديسمبر..!
منبر الرأي
في ذكري مرور (47) عاما علي نكسة الخامس من حزيران/ يونيو 1967م .. بقلم: صلاح الباشا/السعودية
الأخبار
لجنة أساتذة الجامعات: وزارة المالية قالت إنها غير مسؤولة عن تمويل هيكل أساتذة الجامعات السودانية
منبر الرأي
عن الخليفة أبو العبّاس السفّاح .. بقلم: عبدالله الشقليني

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

إضاءات د. محمد جلال حول تزييف الدين .. بقلم: بروفيسور معتصم سيد احمد القاضي

طارق الجزولي
منبر الرأي

إلى الفريق أول البرهان: هذا تفويضنا لك وهذه مطالبنا .. بقلم: د. إبراهيم الصديق

طارق الجزولي
منبر الرأي

العصيان: هل أنت قلق ؟ … بقلم: عزالدين أحمد

طارق الجزولي
منبر الرأي

ليست صدفة يا دارفور .. بقلم: صلاح حامد الولي

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss