تأمُلات
كمال الهِدَي
المتابع الجيد لكرة القدم العالمية، خاصة الدوري الإسباني، لابد أنه وقف عند التنافس في ملف التسجيلات بين الغريمين برشلونة وريال مدريد هذا العام.
فبعد موسمين من الفشل في حصد الألقاب، دخل ريال مدريد، صاحب الوضع المالي الجيد، موسم التسجيلات الحالي بقوة، وظفر بتوقيعات عدد من اللاعبين الكبار، فيما بدا، للوهلة الأولى، أنه تفوق واضح على غريمه في هذا الملف.
لكن ما الذي حدث بعد ذلك؟
لقد نجح برشلونة، الذي يعاني من ظروف مالية بالغة التعقيد، في توجيه ضربة قاضية لريال مدريد باتفاقه مع أحد أهم لاعبي الوسط في العالم، رودري، وكأن مسؤولي ملف التعاقدات في برشلونة يقولون لنظرائهم في ريال مدريد: “المال ليس كل شيء”.
وهذا تأكيد لصحة فكرة ظللت أؤمن بها دوماً: فليس بالمال وحده تُصنع فرق البطولات. ولو كان الأمر كذلك، لما فكر رودري أو غيره من اللاعبين العظام في التفاوض مع مسؤولي برشلونة.
وهنا لابد من إجراء مقارنة مع ما نعانيه في الهلال من سطوة رجال المال، وضحالة فكرهم الكروي، وضعف مهاراتهم في إدارة أندية كرة القدم، فضلاً عن سوقية إعلامنا الرياضي، الذي كثيراً ما ردد عدد من كتابه عبارة “المال يقلل النقاش” ، ليزيدوا من ضعف ذائقة بعض جماهير الكرة، التي بدأت تظن أن من يملك المال قادر على صناعة المعجزات.
وقد بلغ بنا التكبر في هذا الشأن درجة أن يناشد بعضنا العليقي للتعاقد مع مدرب مثل الركراكي، أو مع بعض اللاعبين العالميين الكبار، الذين، لو وُزن الواحد منهم ذهباً، لما قبل بفكرة التعاقد مع نادٍ سوداني، لاعتبارات لا تُحصى ولا تُعد.
ولابد أن نسأل أنفسنا: كيف نجح برشلونة، الفقير مالياً، في تغيير وجهة رودري، الحاصل على الكرة الذهبية وعلى جائزة أفضل لاعب في كأس العالم ٢٠٢٦، بعد أن كان قريباً من الانتقال إلى ريال مدريد، النادي الثري والمستقر مالياً؟
حدث ذلك لوجود مسؤول تعاقدات بارع في برشلونة هو اللاعب السابق ديكو، ولأن للنادي مشروعاً رياضياً مقنعاً، ومدرباً يعرف كيف يتعامل مع النجوم، وغرفة ملابس موحدة يؤمن معظم أفرادها بأن برشلونة أكثر من مجرد نادٍ للعب الكرة.
أما عندنا في الهلال، فتوجد أموال بلا فكر، أو بالأحرى بلا اعتماد على مختصين متمكنين من عملهم. ولذلك تُصرف الكثير من هذه الأموال كل عام على تسجيلات محترفين أجانب لم يحقق النادي من ورائها شيئاً. ورغم ذلك، تهلل صحافتنا الرياضية ويفرح جمهورنا لهذا التكرار الممل في عملية الإحلال والإبدال كل ستة أشهر، وهي ممارسة أفقدت الهلال هويته الوطنية، حتى صار مثل الفريق (اللقيط).
فلا يعقل أن يضم كشف النادي كل عام أكثر من عشرة لاعبين أجانب، ونحن ما زلنا نردد: “الله.. الوطن.. الهلال” ، و”هلال الحركة الوطنية” ، إلى آخر الشعارات التي نكررها كما تفعل الببغاوات، بعد أن أفرغناها من محتواها تماماً.
مثل هذه الممارسة لا تصب إلا في مصلحة التجار الذين يديرون الهلال بعقلية السوق. وحتى وقت قريب، عندما كان يدير النادي رجل مال يتمتع بفهم إداري وكروي، هو صلاح إدريس، ورغم اختلافي مع بعض ممارساته وطرائقه، لكننا نقر جميعاً بأن ثلاثة محترفين أجانب وقتها أحدثوا الفارق في الهلال.
أما حالياً، ومع كل هذا العدد المهول من اللاعبين الأفارقة، فلم يحقق هلال السوباط والعليقي تفوقاً على نسخ سابقة من فريق الكرة الأزرق؛ بل العكس هو الحاصل. فقد تابعنا كيف أن من يجهلون تاريخ الهلال صاروا يحتفلون كل عام إذا فزنا بمباراة في الأدوار التمهيدية أفريقياً، مع أن الهلال لم يكن يشارك في الأدوار التمهيدية في أوقات مضت، كان فيها الصرف أقل بكثير مما ينفقه تجار اليوم من أموال أصر على توصيفها بالمشبوهة، وهي كذلك، لكن الكثير من الأهلة استمروا في دفن رؤوسهم في الرمال، للأسف الشديد.
نافلة القول إن العليقي، الذي يهيمن على ملف التسجيلات، لن يحقق لكم شيئاً يا أهلة، إن طال الزمن أم قصر. وما لم تُصحح الأمور، ويُسند هذا الملف إلى شخص متخصص، صاحب موهبة ودراية واسعة بالمجال، وما لم تُدار تعاقدات المحترفين بشفافية تامة، فلا تحلموا بعالم سعيد.
kamalalhidai@hotmail.com
