باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الإثنين, 10 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عمر سيد احمد
عمر سيد احمد عرض كل المقالات

الهيمنة العسكرية على الاقتصاد السوداني ونظرية هنتنغتون

اخر تحديث: 9 أغسطس, 2026 9:22 مساءً
شارك

عمر سيد احمد | باحث في الاقتصاد السياسي السوداني | خبير مصرفي ومالي وتمويل مستقل

email:o.sidahmed09@gmail.com

أغسطس 2026
في عام 1957، وفي خضم الحرب الباردة وعلى وقع التوتر الحاد بين الرئيس هاري ترومان والجنرال دوغلاس ماكارثر، أصدر عالم السياسة الأمريكي صموئيل هنتنغتون كتابه «الجندي والدولة» (The Soldier and the State) عن دار نشر جامعة هارفارد. كان السؤال الذي شغل الكتاب مباشرًا وملحًا: كيف يمكن لمجتمع ديمقراطي أن يضمن سيطرته المدنية على جيشه، دون أن يفرّط في كفاءة هذا الجيش وقدرته على الدفاع عن الأمن القومي؟ الإجابة التي قدّمها هنتنغتون – نظرية “السيطرة المدنية الموضوعية” – أصبحت منذ ذلك الحين واحدة من أكثر الأطروحات تأثيرًا في حقل العلاقات المدنية-العسكرية، ولا يخلو نقاش أكاديمي في هذا المجال من الرجوع إليها، اتفاقًا أو اختلافًا.
يرى هنتنغتون أن المؤسسة العسكرية تتشكل من صيغتين متداخلتين: صيغة وظيفية تنبع من طبيعة التهديدات الأمنية التي تواجهها الدولة، وصيغة مجتمعية تتشكل من القيم والأيديولوجيات السائدة في المجتمع. والمشكلة، كما يطرحها، أن مؤسسة عسكرية تعكس القيم المجتمعية فقط قد تعجز عن أداء مهمتها الوظيفية بكفاءة، بينما مؤسسة وظيفية بحتة قد يصعب على المجتمع المدني احتواؤها والسيطرة عليها. من هذا التوتر، بنى هنتنغتون نظريته.
السيطرة الموضوعية: احترافية مقابل حياد
تقوم الفكرة المركزية للكتاب على أن أفضل ضمانة للسيطرة المدنية على الجيش ليست إضعافه أو تمدينه، بل تعظيم احترافيته وفصله عن المجال السياسي. يشبّه هنتنغتون الضابط المحترف بالمحامي أو رجل الدين: فهو يمتلك خبرة متخصصة، ومسؤولية تجاه المجتمع ككل، وإحساسًا بهوية جماعية تستبعد التدخل الخارجي في شؤونه التقنية. في المقابل، يميّز هنتنغتون بوضوح بين نموذجين: “السيطرة الموضوعية” التي تعني اعتراف السلطة المدنية باستقلالية الجيش المهنية مقابل بقائه أداة محايدة تنفّذ ما تقرره القيادة السياسية؛ و”السيطرة الذاتية” التي تعني إخضاع الجيش مباشرة للقيم والمؤسسات المدنية، فيتحول بذلك إلى طرف في الصراع السياسي بدل أن يكون أداة محايدة له. وهو يرفض هذا النموذج الثاني بشدة، معتبرًا أن غياب السيطرة الموضوعية في الحالة الأمريكية إبان الخمسينيات كان يهدد بتسييس الجيش من الداخل.
يذهب هنتنغتون أبعد من ذلك في وصف ما يسميه “العقلية العسكرية” (Military Mind)، التي يراها نتاجًا طبيعيًا للطبيعة الوظيفية للمهنة العسكرية لا مجرد انعكاس لقيم المجتمع. هذه العقلية، بحسب تحليله، تتسم بواقعية محافظة: نظرة متشككة إلى الطبيعة البشرية، وإيمان بأولوية النظام والانضباط، وتقدير للقوة كعنصر أساسي في العلاقات الإنسانية – وهي سمات تتقاطع مع الفلسفة المحافظة كما عند إدموند بيرك، لا مع الليبرالية التي تعلي من شأن الفردية والحرية غير المقيدة. لكن هنتنغتون لا يدعو الجيش إلى تبني المحافظة كأيديولوجيا سياسية، بل يقترح ما يسميه “المحافظة الظرفية” كمنهج عملي لضمان الأمن القومي مع الحفاظ على الاحترافية.
حين يغيب الشرط الذي بُنيت عليه النظرية
المشكلة أن هذا النموذج بُني على افتراض مسبق: وجود مؤسسة عسكرية ذات مهمة وظيفية محددة (الدفاع عن الحدود)، ودولة مدنية تملك بالفعل مقاليد الاقتصاد والسياسة لتمنحها للجيش أو تحجبها عنه. في السودان، هذا الافتراض غير قائم أصلًا. فالمؤسسة العسكرية والأمنية السودانية لم تكن يومًا “أداة محايدة” تنتظر تفويضًا من سلطة مدنية؛ بل كانت هي نفسها الفاعل الاقتصادي والسياسي الأكبر، بل والمالك الفعلي لجزء ضخم من الدولة ومواردها، منذ سلسلة الانقلابات التي شكّلت تاريخها الحديث: انقلاب 1958، ثم انقلاب مايو 1969 الذي أسس لعقود من الحكم العسكري المباشر، وصولًا إلى انقلاب يونيو 1989 الذي دشّن التحالف الأعمق بين المؤسسة العسكرية وحركة الإخوان المسلمين.
وإذا عدنا إلى جذور هذه الهيمنة، فمنذ منتصف الثمانينيات بدأت القوات المسلحة السودانية تأسيس شركات في الزراعة والتعدين والنقل والبناء والتجارة الدولية، لتتحول تدريجيًا إلى فاعل اقتصادي مستقل عن الحكومة المدنية نفسها. وبحلول 2019، قدّرت تقارير رسمية أن الشركات العسكرية كانت تسيطر على ما بين 10 و15% من النشاط الاقتصادي المباشر في السودان، في قطاعات حيوية كالإسمنت والمزارع الكبرى ومشاريع البنية التحتية.
توسّع هذا النفوذ عبر عشرات الكيانات: من “جِياد” للصناعات الهندسية والسيارات، إلى “شيكان” للتأمين، و”الخرطوم للتجارة والملاحة”، وبنك “أمدرمان الوطني”، وصولًا إلى تجارة الدقيق والدواجن واللحوم. ومنحها القانون امتيازات استثنائية: أقر البرلمان السوداني عام 2017 مرسومًا حوّل “هيئة التصنيع الحربي” إلى منظومة “الصناعات الدفاعية”، بما مكّنها من التوسع في أنشطة مدنية بحتة مع إعفاءات جمركية وضريبية، وربطها المباشر برئاسة الجمهورية بعيدًا عن أي رقابة برلمانية أو مالية عادية.
لكن حجم هذه الهيمنة كان أكبر بكثير مما توحي به الأرقام الرسمية المتداولة. فالاقتصاد الموازي في السودان كان يدير، قبل 2019، ما يزيد عن 85% من الاقتصاد الكلي، وكانت المنظومة العسكرية-الأمنية-المليشياوية (الجيش وأجهزة الأمن والمليشيات) هي التي تدير الجزء الأكبر من هذا الاقتصاد الموازي، بينما اقتصر الباقي على أنشطة كتجارة العملة والعقارات، أدارتها طبقة طفيلية من كوادر التنظيم الإسلامي وداعميه. وبلغ اتساع هذا الاقتصاد غير الرسمي حدًا جعل نحو 95% من الكتلة النقدية خارج النظام المصرفي لعقود متتالية، ووصل هذا الاتساع إلى ذروته عام 2019.
هذا التغلغل التاريخي، إلى جانب الدور الأيديولوجي الذي لعبه تحالف الجيش مع حركة الإخوان المسلمين منذ انقلاب 1989 – حين استُخدمت المؤسسة العسكرية كأداة لتمكين مشروع سياسي-اقتصادي بعينه لا لحماية حياد الدولة – أنتج بنية هجينة يستحيل تفكيك السياسي فيها عن الاقتصادي عن العقائدي. وبينما ركّز هنتنغتون على “عزل” الجيش عن هذه المجالات كشرط للسيطرة الموضوعية، فإن التجربة السودانية تكشف نموذجًا معاكسًا تمامًا: جيشًا نما اقتصاديًا وسياسيًا وأيديولوجيًا إلى درجة أصبح فيها هو من يحدد شكل “المدني” لا العكس.
بالأرقام: شبكة اقتصادية موازية للدولة
وخلف هذا الوصف العام لـ “هيمنة الجيش على الاقتصاد” تكمن بنية مؤسسية معقدة من الشركات القابضة والتابعة، تطورت تدريجيًا منذ انقلاب يونيو 1989، حين اتجه النظام إلى إنشاء مؤسسات اقتصادية خارج الرقابة التقليدية لوزارة المالية والمراجع العام، بذريعة تمويل القوات المسلحة وتحقيق اكتفائها الذاتي. ولا يزال تتبع هذه الشبكة الكاملة صعبًا حتى على الباحثين المتخصصين، إذ تتوالد الكيانات وتغيّر أسماءها وتتوارى خلف واجهات تجارية “مدنية” الطابع باستمرار. ومع ذلك، تقدّر دراسة معروفة بعنوان “جنود ببدلات رجال الأعمال” أن نحو 250 شركة ترتبط إجمالًا بالقوات المسلحة والدعم السريع وأجهزة أمنية أخرى، مع التنبيه إلى أن هذا الرقم تقدير لحجم الشبكة لا قائمة مدققة نهائيًا.
على جانب القوات المسلحة، يمثل مركز الثقل ما يُعرف اليوم بـ”منظومة الصناعات الدفاعية” (المعروفة سابقًا بهيئة التصنيع الحربي)، التي تأسست عام 1993 وتوسعت لتشرف على مجمعات صناعية كبرى، من بينها مجمع اليرموك (ذخائر وأسلحة)، ومجمع الشجرة (أقدم وحدات إنتاج الذخائر)، ومجمع الشهيد إبراهيم شمس الدين للصناعات الثقيلة ضمن منطقة جياد (تجميع وصيانة المدرعات والشاحنات)، ومجمع الزرقاء الهندسي (إلكترونيات واتصالات)، ومجمع صافات للطيران (صيانة وتحديث الطائرات). ويصف الاتحاد الأوروبي هذه المنظومة بأنها أكبر مؤسسة دفاعية في السودان، بإيرادات قُدّرت بنحو ملياري دولار عام 2020 (وهو رقم تقديري لا يستند إلى قوائم مالية منشورة). وفرضت الولايات المتحدة عقوبات في يونيو 2023 على إحدى شركاتها التقنية – “SMT Engineering” – لدورها في توليد موارد لدعم القوات المسلحة خلال الحرب.
وتمتد الشبكة إلى ما هو أبعد من التصنيع العسكري المباشر عبر شركات قابضة تحمل واجهات تنموية لا تُظهر انتماءها العسكري بوضوح. أبرزها “زادنا العالمية للاستثمار”، التي يملكها بنسبة 99% “الصندوق الخاص للضمان الاجتماعي للقوات المسلحة”، وتنشط في الزراعة والري والطرق والإنشاءات، ووصفها الاتحاد الأوروبي بأنها من أكبر مصادر إيرادات شبكة شركات الجيش قبل أن يفرض عليها عقوبات في يناير 2024. وكذلك “مجموعة تنمية الصادرات القابضة”، الذراع الزراعية والغذائية لمنظومة الصناعات الدفاعية، والتي تضم شركات مثل “القمة للتنمية الزراعية” و”الحاج عبدا لله للأقطان والزيوت” و”الكدرو للتصنيع الغذائي” – الأخيرة عُرّفت رسميًا في إعلان رسمي بأنها تابعة للمنظومة، رغم أن الملف التعريفي العام للمجموعة لا يذكر هذا الارتباط. وقد برز اسم هذه المجموعة مجددًا في مارس 2026 حين وقّعت شركة “القمة” عقدًا بقيمة نحو 12 مليون دولار مع إدارة مشروع الجزيرة لزراعة 20 ألف فدان من القطن، في وقت يعاني فيه المشروع من ضعف تمويل وتدمير بنية تحتية وتراجع قدرة المزارعين على العودة لأراضيهم – وهو نموذج دال على كيف تستغل الشبكات الاقتصادية العسكرية فراغ الدولة أثناء الحرب لتوسيع سيطرتها على قطاعات إنتاجية كاملة.
على جانب قوات الدعم السريع، الصورة أكثر تشظيًا لأنها لا تُدار عبر منظومة حكومية، بل عبر شبكة عائلية وخارجية. يمثل “الجنيد للأنشطة المتعددة” العمود الفقري لهذا الاقتصاد؛ تصفه وزارة الخزانة الأمريكية بأنه شركة قابضة يسيطر عليها محمد حمدان دقلو وشقيقه عبد الرحيم دقلو، وتضم 11 شركة تابعة تعمل أساسًا في تعدين الذهب وتجارته، وتملك امتيازات تعدين قرب جبل عامر وسنقو في دارفور. وقد شكّل انتقال السيطرة على جبل عامر عام 2017 نقطة تحول حاسمة، إذ مكّن عائدات الذهب من تمويل التجنيد وشراء المركبات والسلاح وبناء شبكة تجارة خارجية مستقلة عن البنك المركزي. ويقدّر فريق خبراء الأمم المتحدة أن الشبكة الاقتصادية الكاملة للدعم السريع ربما بلغت نحو 50 شركة، توسعت بعد اندلاع الحرب عبر واجهات إضافية في الإمارات وتشاد وليبيا وجنوب السودان.
وإذا حاولنا حصر هذه الشبكات رقميًا، فإن تقدير “جنود ببدلات رجال الأعمال” لنحو 250 شركة يتوزع تقريبيًا كالتالي: نحو 50 شركة ضمن شبكة الدعم السريع، وما تبقى – أي نحو 200 شركة – موزّع بين منظومة الصناعات الدفاعية وشركاتها القابضة التابعة للجيش، وشبكة جهاز الأمن والمخابرات السابق الممتدة إلى الإعلام والعقارات والفنادق، وصناديق الشرطة الأقل توثيقًا. غير أن هذا التوزيع تقديري بدوره؛ فحتى الدراسة الأصلية تصفه بأنه “تقدير لحجم الشبكة لا قائمة مدققة نهائيًا”.
من اقتصاد موازٍ إلى اقتصادَي حرب
والنتيجة التراكمية لهذه العقود هي ما وصفه باحثون بتحول 80 إلى 90% من الاقتصاد السوداني إلى اقتصاد موازٍ يُدار خارج مؤسسات الدولة الرسمية ورقابتها المالية. وباندلاع الحرب في أبريل 2023، لم يعد الأمر تنافسًا خفيًا على موارد الدولة، بل انقسامًا جغرافيًا صريحًا لاقتصاد الحرب نفسه: اقتصاد مناطق سيطرة الجيش، القائم على مؤسسات الدولة الرسمية وبنك السودان والجمارك والموانئ وشركات منظومة الصناعات الدفاعية وزادنا؛ واقتصاد مناطق سيطرة الدعم السريع، القائم على ذهب دارفور وكردفان والرسوم والإتاوات على الأسواق والطرق وشبكة الجنيد وواجهاتها الخارجية.
حصلت قوات الدعم السريع على ما بين 500 مليون ومليار دولار سنويًا من مناجم دارفور وحدها، بينما هُرّب نحو 60% من إنتاج الذهب في الولايات الشمالية. وفي مايو 2025 وحده، تعرضت بورصة الصمغ العربي في مدينة النهود لعملية نهب واسعة، فيما تراجعت صادرات الذهب الرسمية بنحو 36% خلال النصف الأول من 2025 مقارنة بمستوياتها قبل الحرب. ولم تعد الشركات المرتبطة بالطرفين مجرد مؤسسات تجارية، بل تحولت إلى جزء من البنية العملياتية للحرب نفسها: تموّل المقاتلين، وتوفر المركبات والوقود، وتنقل الذهب، وتشتري السلاح.
التمكين الإخواني والاقتصاد العسكري: من التحالف إلى الاندماج
يصعب فهم كيف استقرت هذه البنية الاقتصادية العسكرية وترسّخت على مدى ثلاثة عقود دون العودة إلى المفهوم الذي استخدمه نظام الإنقاذ نفسه لوصف مشروعه: “التمكين” في الأدبيات الأكاديمية حول السودان، يشير المصطلح إلى السياسة التي انتهجها نظام عمر البشير بعد انقلاب 1989 لإحلال كوادر موالية لحركة الإخوان المسلمين (ممثَّلة تنظيميًا فيما كان يُعرف بالجبهة الإسلامية القومية ثم حزب المؤتمر الوطني) محل الكفاءات المهنية المستقلة في مفاصل الدولة، على رأسها الجيش والشرطة وجهاز الأمن والقضاء والخدمة المدنية. يوثّق الباحث عبد الله جلاب (Abdullahi Gallab) هذا التحول في دراسته عن “أول جمهورية إسلامية” في السودان، كما يتتبع المؤرخ أليكس دي وال (Alex de Waal) كيف صاحب هذا التطهير المؤسسي تصفية الضباط غير الموالين وإحلال شبكة موازية من الولاء العقائدي محلهم. وتخلص دراسات أحدث، من بينها عمل الباحثة ويلو بيريدج (Willow Berridge) من جامعة نيوكاسل، إلى أن منظومة التمكين لم تكتفِ بالسيطرة على مفاصل السلطة، بل أنتجت شبكة ضخمة من الشركات التي تبدو ملكية خاصة بينما هي في جوهرها كيانات شبه حكومية (parastatal) يسيطر عليها ضباط وقياديو الحركة الإسلامية معًا.
بهذا المعنى، لم يكن التمكين مجرد سياسة توظيف حزبي، بل كان آلية دمج بنيوي بين ثلاث طبقات: القيادة العسكرية، والتنظيم السياسي-الأيديولوجي، والشبكة الاقتصادية الناشئة. فحين تأسست هيئة التصنيع الحربي عام 1993 وتوسعت لاحقًا في الشركات المدنية، لم يكن ذلك مسارًا عسكريًا بحتًا بمعزل عن التنظيم، بل كان امتدادًا لمنطق التمكين نفسه: كوادر الحركة الإسلامية هي التي تولّت الإدارة والتخطيط داخل هذه الكيانات، بينما وفّرت الرتبة العسكرية الغطاء المؤسسي والحصانة القانونية. وقد أشارت تقارير متخصصة إلى أن الشركة الأم لمجمع جياد الصناعي – أكبر تجمع صناعي عسكري في السودان – يهيمن عليها حزب المؤتمر الوطني (الإخوان المسلمون) هيمنة شبه كاملة، وهو ما يعكس أن الخط الفاصل بين “ملكية الجيش” و”ملكية التنظيم” لم يكن واضحًا من الأساس، بل بُني عمدًا على هذا الغموض.
وقد أنتج هذا الاندماج أثرًا مباشرًا أعاق أي تحول مدني لاحق: فحين اندلعت انتفاضة ديسمبر 2018 وأُطيح بالبشير في أبريل 2019، لم تكن المشكلة تفكيك حكم فرد أو حزب فحسب، بل مواجهة بنية اقتصادية-أمنية متجذرة استمر جزء كبير من كوادرها في مواقعها داخل الجيش وأجهزة الأمن والشركات العسكرية بعد سقوط النظام السياسي الذي أنتجها. وقد حاولت الفترة الانتقالية (2019-2021) عبر “لجنة إزالة التمكين” استعادة بعض الأصول والمواقع، لكن محدودية صلاحياتها أمام مؤسسة عسكرية تملك اقتصادها الخاص، إضافة إلى الدور الذي لعبه بعض قيادات الحركة الإسلامية في تحريض الانقلاب على الحكومة المدنية في أكتوبر 2021، يكشفان أن السيطرة الاقتصادية للتنظيم لم تكن قابلة للتفكيك عبر قرارات إدارية فوقية طالما بقيت الشركات والمجمعات الصناعية نفسها خارج أي رقابة مالية أو برلمانية فعلية.
وباندلاع الحرب في أبريل 2023، اكتسبت هذه العلاقة بعدًا جديدًا: إذ رجّحت عدة تحليلات ومصادر صحفية أن قيادات من الحركة الإسلامية وجدت في الحرب فرصة لاستعادة نفوذها المباشر داخل قيادة الجيش، عبر إعادة تسليح وتمويل تشكيلات مقاتلة موازية كـ”لواء البراء بن مالك”، الذي صنّفته وزارة الخزانة الأمريكية ضمن العقوبات في سبتمبر 2025 لدوره في العمليات القتالية. وفي مارس 2026، وسّعت وزارة الخارجية الأمريكية هذا المسار بتصنيف “جماعة الإخوان المسلمين السودانية” – التي وصفتها بأنها تضم الحركة الإسلامية وجناحها المسلح لواء البراء بن مالك – كيانًا إرهابيًا عالميًا مصنَّفًا تصنيفًا خاصًا. تجدر الإشارة إلى أن هذا التصنيف قرار أمريكي (يأتي ضمن موجة تصنيفات أمريكية مماثلة شملت فروعًا أخرى من الجماعة في المنطقة)، وليس تصنيفًا أمميًا أو إجماعًا دوليًا؛ فجماعة الإخوان المسلمين ذاتها لا تصنَّف ككل جماعة إرهابية من قبل الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، ويختلف موقف الدول العربية والغربية منها بحسب كل فرع وسياقه.
وفي أعقاب هذا التصنيف، أشارت تقارير وتحليلات سودانية إلى مساعٍ داخل مؤسسة الصناعات الدفاعية وشركاتها التابعة لإعادة هيكلة بعض الواجهات الإدارية والمالية، بما يُفسَّر – بحسب هذه القراءات – كمحاولة لفصل الارتباط الظاهري بين قيادات محسوبة على التنظيم وبين الكيانات الاقتصادية الرسمية للجيش، تفاديًا لتوسّع العقوبات إلى هذه الشركات بحجة ارتباطها بكيان مصنَّف إرهابيًا. غير أنه ينبغي التعامل مع هذا الادعاء بحذر منهجي: فحتى الآن لا توجد وثيقة رسمية أو تحقيق مالي منشور يثبت بشكل قاطع عمليات “إخفاء” ممنهجة لأصول تنظيمية داخل شركات الجيش بعد التصنيف تحديدًا؛ وما هو متاح هو أنماط تاريخية موثقة توضح كيف عملت هذه الشبكات – قبل التصنيف وبعده – عبر شركات واجهة (front companies) متعددة الجنسيات لتفادي الرقابة الدولية، كما وثّق مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة (C4ADS) في تحقيقاته عن استيراد مواد كيميائية عبر شركات مرتبطة بمنظومة الصناعات الدفاعية. أي دراسة جادة لهذه الظاهرة تحتاج تحقيقًا ماليًا مستقلًا لهياكل الملكية الفعلية لهذه الشركات، لا افتراضًا مسبقًا لنياتها.
وبصرف النظر عن حسم هذا الجدل تحديدًا، فإن الدرس الأعمق أن التمكين لم يكن حلقة تاريخية منتهية عام 1989 أو حتى 2019، بل نمطًا بنيويًا متكررًا: كلما تعرّضت الشبكة الاقتصادية العسكرية-التنظيمية لضغط خارجي – انتفاضة شعبية، عقوبات دولية، تصنيف قانوني – أعادت إنتاج نفسها عبر واجهات جديدة أكثر تعقيدًا وأقل قابلية للتتبع، بدل أن تتفكك. وهذا بالضبط ما يجعل مطلب “فصل الاقتصاد عن السلاح” الذي ناقشناه أعلاه غير كافٍ ما لم يُقرن بمطلب موازٍ: فصل الاقتصاد العسكري عن الشبكة الحزبية-الأيديولوجية التي أنتجته أصلًا، عبر شفافية كاملة في هياكل الملكية الفعلية (beneficial ownership) لكل شركة مرتبطة بالجيش أو المنظومة الأمنية، لا الاكتفاء بالإفصاح عن الاسم القانوني الظاهر للشركة.
لماذا يتعثر نموذج هنتنغتون في الحالة السودانية؟
هنا يظهر الفارق الجوهري بين السياق الذي كتب فيه هنتنغتون والسياق السوداني. نظريته افترضت وجود “دولة” مدنية قادرة على منح الاستقلالية المهنية للجيش أو حجبها عنه، وجيش تنحصر وظيفته في الدفاع الخارجي لا في إدارة موارد البلاد. أما في السودان، فإن المؤسسة العسكرية والأمنية بمكوناتها المتعددة (الجيش، الدعم السريع، فلول الحركات المسلحة) لم تعد فقط طرفًا يطلب حصة من الاقتصاد، بل أصبحت الاقتصاد ذاته في مساحات واسعة من البلاد. وبدل “فصل” الجيش عن السياسة كما يقترح هنتنغتون، أصبح كل طرف مسلح يمتلك حكومته الموازية وسوقه الموازي ومصادر تمويله المستقلة.
وهذا يكشف حدود إسقاط النموذج الهنتنغتوني مباشرة على حالات ما بعد الانقلابات المتكررة: فحين يفشل الفصل الحاد بين المؤسستين العسكرية والسياسية – كما لاحظ نقاد هنتنغتون أنفسهم في سياق حرب فيتنام – في سياق دولة تملك جيشًا محترفًا نسبيًا، فإن فشله في سياق دولة فقد فيها الجيش أصلًا حياده الاقتصادي والعقائدي يكون أعمق بكثير. فالمشكلة السودانية ليست في غياب “الاحترافية” بالمعنى العسكري التقني – إذ تملك المؤسستان قدرات قتالية فعلية – بل في أن الاحترافية العسكرية بمعناها الهنتنغتوني تفترض مسبقًا حيادًا اقتصاديًا لم يتحقق يومًا.
نحو جيش مهني: الشرط الاقتصادي أولًا
إذا كانت الاحترافية العسكرية بالمعنى الهنتنغتوني تعني جيشًا يقتصر دوره على الدفاع مقابل استقلالية مهنية يمنحها له مجتمع مدني يملك بالفعل مقاليد اقتصاده، فإن الطريق إلى هذا النموذج في السودان لا يمر عبر إصلاح عقائدي أو دستوري فحسب، بل يمر أولًا وبصورة حاسمة عبر تفكيك البنية الاقتصادية التي جعلت من الجيش والدعم السريع وأجهزة الأمن فاعلين اقتصاديين مستقلين عن الدولة قبل أن يكونوا خاضعين لها. فما دامت المؤسسة العسكرية تموّل نفسها من مواردها الخاصة – عائدات الذهب، عقود التصنيع، الشركات الزراعية والتجارية – فإنها لا تحتاج أصلًا إلى تفويض مدني لتمارس استقلاليتها؛ التفويض المدني يصبح شكليًا حين يكون الممول الفعلي هو الجيش نفسه لا دافع الضرائب.
ولذلك فإن الخطوة الأولى نحو أي احترافية عسكرية حقيقية هي إخضاع تمويل المؤسسة العسكرية بالكامل لموازنة الدولة العامة الخاضعة للرقابة البرلمانية، بما يشمل نقل ملكية الشركات العسكرية – أو تصفيتها أو خصخصتها بشفافية – إلى وزارة المالية أو صناديق سيادية مدنية خاضعة للمراجعة المستقلة، بدل بقائها مرتبطة مباشرة برئاسة الجمهورية أو قيادة الجيش كما نص عليها قانون 2017. فالتجربة السودانية تظهر أن الإعفاءات الجمركية والضريبية التي مُنحت للشركات العسكرية لم تكن مجرد امتياز اقتصادي، بل كانت الأداة القانونية التي أنتجت استقلالية الجيش عن الدولة، لا استقلاليته المهنية عن السياسة كما تصورها هنتنغتون.
الخطوة الثانية هي معالجة الفجوة بين الاقتصادين العسكريين المتنافسين – اقتصاد الجيش الرسمي الممتد عبر مؤسسات الدولة، واقتصاد الدعم السريع القائم على شبكة عائلية وخارجية أقل شفافية – بأدوات مختلفة بالضرورة: الأول يحتاج تفكيكًا مؤسسيًا يبدأ من داخل هياكل الدولة نفسها (مراجعة قانون الصناعات الدفاعية، إخضاع صناديق التقاعد العسكري للرقابة)، بينما الثاني يحتاج ملاحقة دولية للشبكات المصرفية والتجارية الخارجية في الإمارات وتشاد وليبيا، على غرار العقوبات التي فرضتها واشنطن على “الجنيد” و”تريدف”. أي مسار لإعادة توحيد الجيش السوداني بعد الحرب لن ينجح إن اقتصر على دمج القوات دون تفكيك مواردها الاقتصادية الموازية أولًا، لأن السلاح في هذه الحالة يتبع المال لا العكس.
الخطوة الثالثة، وربما الأصعب، هي إعادة بناء الدولة المدنية بوصفها الطرف الذي يملك أصلًا اقتصاديًا يستحق السيطرة عليه. فحين كان أكثر من 80% من الاقتصاد السوداني يُدار خارج مؤسسات الدولة الرسمية، فإن الحديث عن “سيطرة مدنية موضوعية” يصبح حديثًا عن سيطرة على فراغ. إعادة بناء نظام مصرفي رسمي يستوعب الكتلة النقدية الهائلة التي ظلت لعقود خارج القطاع المصرفي، وبناء سلطة ضريبية وجمركية فعلية على الذهب والصمغ العربي والصادرات الزراعية بدل تركها للتهريب والجبايات غير الرسمية، هو الشرط الذي يسبق أي حديث عن منح الجيش استقلالية مهنية أو حجبها عنه – إذ لا يمكن لدولة لا تملك اقتصادها أن تمنح جيشها استقلالية عن اقتصاد لا تملكه أصلًا.
بهذا المعنى، فإن ترسيخ فكرة الجيش المهني في السودان بعد عقود من الانقلابات والأنظمة العسكرية الشمولية لا يبدأ من صياغة عقيدة عسكرية جديدة أو دستور يفصل الجيش عن السياسة نظريًا، بل يبدأ من نزع الملكية الاقتصادية عن السلاح: تحويل الجيش من مالك للموارد إلى مؤسسة تتقاضى ميزانيتها من دولة مدنية تراقبها، وتحويل الدعم السريع وبقية القوات غير النظامية إما إلى مسار الاندماج الكامل في هذه المنظومة أو الحل، لا إلى شريك في اقتصاد حرب دائم. فحين يتحول الجيش إلى مالك للاقتصاد لا حارس له، يصبح السؤال الأول ليس “كيف نحقق السيطرة المدنية الموضوعية؟” بل “كيف نعيد للمدنية أصلًا اقتصاديًا موضوعًا تسيطر عليه؟”.

تُطرح هذه القراءة كخلفية لنقاش أوسع حول قابلية تطبيق نماذج العلاقات المدنية-العسكرية الكلاسيكية في سياقات ما بعد الصراع، حيث يتشابك الاقتصادي بالعسكري والأيديولوجي إلى درجة يصعب معها الفصل التحليلي الذي افترضته النظريات الغربية التقليدية.

Author
عمر سيد احمد

عمر سيد احمد

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الثوار بلا رابعة يتقدمون !! .. بقلم: صباح محمد الحسن
منبر الرأي
الكهرباء: أزمة أم مؤامرة؟
منبر الرأي
هل هذه الخطة (ب) .. بقلم: محمد الحسن محمد عثمان
الزاهي في خدرو .. فاطمة محمود المدني .. بقلم: حسن الجزولي
منبر الرأي
حين يتحرك الجبل ولا نراه

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الأصل الأفريقي للحضارة : خرافـة أم حقيقـة ؟ (14) .. ترجمة / محمد السـيد علي

محمد السيد علي
منبر الرأي

قبل أن نقول : نحن قبيل شن قلنا .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

توثيق لثورة ديسمبر من خلال مشاركاتي فيها (28) .. بقلم: د. عمر بادي

د. عمر بادي
منبر الرأي

الطيب شبشه ..كما عرفناه..  .. بقلم: مصطفى محكر

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss