بسم اللة الرحمن الرحيم
7/8/2026
دكتور سيف الدين يوسف محمد سعيد
ما دفعني إلى كتابة هذا المقال هو اللقاء الأخير الذي استضافتْ فيه قناة المقرن بروف سيف الدين حمد والذي تناول فيه منافع سد النهضة للسودان وكنتُ قد حاورته كثيرا في مكتبه عن سد النهضة ، والمعروف عن بروف سيف الدين حمد أنه من أكثر الخبراء السودانيين المتحمسين لسد النهضة وفي المقابل كنتُ أكثر الناس قناعة بأن مضار سد النهصة على السودان أكثر من منافعه ؛ وذلك لما شهدته وعايشته عام 1990 م حينما كنتُ أحضر للماجستير في جامعه هجتبا بتركيا في الهيدرولوجي وكان من حسن حظي أن المشرف على بحثي هوخبير المياه التركي جولتاكين قوناي والذي كان مستشارا لمشروع الغاب التركي وهي الجهة المنفذة للسدود التركية الأمر الذي أتاح لي الاطلاع على ما نُشر عن سد أتاتورك العظيم وأذكر أن أستاذي بروف قوناي كان يقول لي قبل أن نبدأ دراسة أي حوض مائي أومجرى مائي ادخل المكتبة تجد مجرى شبيها بما تود دراسته اطلع علي ما كُتِب وابنِ عليه وكانت تلك الفترة هي فترة ملء سد أتاتورك العظيم .
وكنتُ متابعا لخلاف تركيا مع كل من سوريا والعراق واستمعتُ لمعظم تصريحات الفنيين والسياسيين والعسكريين وأذكر أني في عام1997 كتبتُ بحثأ عن مشاريع تركيا المائية وأثرها على الأمن المائي العربي , ولقد زادت قناعتي بما كتبته في أكتوبر2012 عند ما شاركتُ بورقة في مؤتمر الأمن اللمائي بتركيا إذ تناولتْ كل الأوراق المقدمة من العراقيين النقص في المياه وتدهور الأراضي العراقيه نتيجة للسدود التركيه لهذا كان الأمر واضحا جدا بالنسبة إلي بشأ ن سد النهضة والكيِّس من اتعظ بغيره ولذلك بمجرد أنْ أعلنتْ أثيوبيا سد الألفية (والذي عُدل ليكون سد النهضة) مرت بذهني تجربة سد أتاتورك العظيم وما حل بسوريا والعراق و لقد كتبتُ عددا من المقالات في الصحف السودانية وشاركتُ الدكتور محمد آدم وكيل وزارة الري السابق والبروفسور حسن الساعوري في تقديم عدد من الأوراق “عن سلبيات سد النهضة ” في عدد من المراكز.
وكانت آخر مشاركة لي قبل مغادرتي للسودان في أواخر عام2013 في ورشه أقامها مركز فيصل الثقافي في فندق كورال في يوليو2013 قدمتُ فيها ورقة عن تداعيات سد النهضة على الأمن المائى السوداني وقدم البروفسور حسن الساعوري ورقة عن العلاقات السودانية الأثيوبية المصرية ، وقدم الخبير القانوني الدكتور أحمد المفتي ورقة عن الوضع القانوني لسد النهضة وأذكر من الذين شاركوا في الورشه وأثروا النقاش كل من ( خبير المياه والوزير السابق المهندس يحي عبد المجيد , والخبير البئيى البروفسورميرغني تاج السيد العميد السابق لمعهد الدراسات البئية بجامعه الخرطوم , ودكتورعبدالله التوم مستشار بوزارة الكهرباء والموارد المائية , ودكتور حيدر يوسف مستشار سابق بوزارة الري, رئيس المجلس الهندسي السوداني وعدد من المهتمين). وخلصت الورشه إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من الدراسات وتعتبر هذه الورشه أول ورشة تناولت موضوع السد بكل شفافية، وأوضحتْ أماكن القصور خاصة في الدراسات التي كان ينبغي إجراؤها قبل الحديث عن المنافع وتعظيمها ا لكن الورشة لم تُعكس إعلاميا لاعتبارات خاصة بمركزفيصل الثقافي .
وأذكر قبل مغادرتي للسودان دُعيت إلى جلسة نقاش عن سد النهضة في جهاز المخابرات حضرها عدد من الوزراء وأذكر أن الوزير السابق أسامة عبد الله أقر بأن سد النهضة سوف يؤثر على المياه الجوفية والري الفيضي وأن هنالك دراسات تُجرى لمعرفة مدى ذلك ومن المعروف أن الدراسات تُجرى أولا ثم يأتي بعد ذلك تعظيم الفوائد أو العكس وظللت ومنذ خروجي من السودان عام 2013 أتابع الخلاف المصري الأثيوبي حول ملاحظا ت اللجنة الدولية الثلاثية وموقف السودان الذي اكتفى بدور الوسيط وكأن الأمر لايعنيه وقناعتى التامه بأن قرار السودان بشأن سد النهضة قرار سياسى في المقام الأول وأن القرار السياسي سبق القرار الفني وأن هذا الملف لم يجد حظه من النقاش الكافي وسط الخبراء السودانييين ويمكن القول إن هذا الملف تم إدارته بطريقة أمنية أكثر منها فنية ( ولقد أشرتُ إلى ذلك في إحدى مقالاتي بالصحف السودانية ودعوتُ الأحزاب إلى أن يكون لها دور في هذا القرار المصيري) وأن الوزراء والخبراء السابقين في وزارة الري تم استدعاؤهم وتنويرهم من قبل وزيرالكهرباء والموارد المائية السابق السيد أسامه عبدالله وأعلم أن لكثير منهم تحفظات ولقد جلست مع معظمهم منهم من ذكر لي أنه لم يستشر ومنهم من ذكر أنه قدم ملاحظاته إلى بعض المسئولين ومنهم من ذكر أنه (ناكف) مافيه الكفاية وتعلمون من يخالف أو يكون له رأى يخالف الوزيركيف يعامل؟
كما أن اللجنة التي تم تكوينها داخل وزارة الكهرباء واللموارد المائية في عهد الوزير السابق أسامه عبدالله لم تراعِ كل التخصصا ت المطلوبة كما لم تضم خبراء وشخصيات كان لهم دور وكانوا متابعين لهذا الملف لفترات طويلة ولعل البعض يعلم كيف يدير أسامه عبدالله ملفاته وكيف يكون لجانه ؟
عموما هذا الملف ورغم أهميته فإنه لم يجد الاهتمام الكافي ولم يستصحب آراء وملاحظات الخبراء السودانيين بالداخل والخارج وأحيط بسياج من السرية ولم تُجرَ فيه الدراسات الكافية , ولقد أكد تقرير اللجنة الدولية أن هنالك دراسات لم تكتمل وأن النموذج الرياضي الذي اعُتمد في الدراسات بدائي لايناسب حجم السد وسعته , وتعلمون أن أثيوبيا ــ وكعادتها ــ لم تقدم المعلومات الكافية ومنعت الحديث في هذا الأمر وتم سجن كاتبة أثيوبية ؛ لأنها تقدمت بسؤال عن السد ولم تستطع منظمة International Riversالحصول علي معلومات بيئية بل تم تهديد العاملين بها هذا هو المناخ الذى جرى فيه تنفيذ سد بهذه الأهمية والسعة , والسؤال لماذ تصر أثيوبيا على هذا السد وبهذه السعة وهنالك دراسة أبانت أن الطاقة الكهربائية التي ستولدها التوربينات ولو عملت بكامل طاقتها لن تتجاوز 30% مقارنة ب 40-60% يمكن إنتاجها من مشاريع أصغر وبتكاليف أقل , مشروع بهذه الأهمية والسعة كان يجب توسيع دائرة المشاركة فيه ومن كل التخصصات ذات الصلة ؛ لأن موضوع المياه الآن صار مرتبطا بالأمن القومي ولانريد أن نكبل الأجيال القادمة ونجعلها عرضة للتقلبات السياسية في أمر حيوي مثل المياه ولقد ذكرت كل ذلك في ورقة قدمتها عام 2014 وتم نشرها في صحيفة الراكوبة .
,كان لابد من هذه الخلفية قبل تناول ما حدث هذا العام والعام السابق من فيضان وانحسار لعدم توفر المعلومات من الجانب الأثيوبي واللجنة المزعومة لتبادل المعلومات حتي تقوم وزارة الري بواجبها ومحاولة ضبط التخزين لتفادى الآثار السلبية بقدر الإمكان نعم هنالك اتفاقية وقعت عام 2022 لكنها حبر علي ورق لم يلتزم بها الأثيوبيون كعادتهم وفي عام 2025 وبعد الاحتفال بملء السد شرعت أثيوبا في عملية التفريغ لحماية السد بدون تنسيق مع الجانب السوداني وتقديم معلومات تعين الجانب السوداني لأخذ الاحتياطات اللازمة وهو الأمر الذي تكرر هذا العام بعدم تقديم معلومات للسودان حتى يعيد ضبط التخزين كما اجتماعات اللجنة توقفت لعدم جدية الجانب الأثيوبي وتقديم معلومات وهذا ليس بغريب عن الجانب الأثيوبي ففي عام 1992 تم توقيع مذكرة التفاهم الأولى وكانت أثيوبيا قد شرعت في تشييد سد تكزي على نهر عطبرة دون إخطار السودان ولم تقدم أية معلومات عن سد تكزي حتى الآن وهذا نهج أثيوبيا في التعامل مع السودان , وكان يجب علي وزارة الري الخروج ببيان توضح فيه ذلك .
أثيوبيا خرجت ببيان ذكرت فيه أن شح الأمطار في الهضبة الأثيوبية سبب انحسارالنيل علما بأن من فوائد السد المزعومة تنظيم سريان جريان النهر طول العام وأذكر نفس المسوغا ت كانت تطلقها تركيا بأن سد أتاتورك سينظم جريان الفرات طيلة العام وفي إحدى السنوات وصل سريان الفرات إلى 45 مترا مكعبا في الثانية واحتجت سوريا والعراق وكان رد تركيا بأن هنالك جفافا عاما أثر علي سريان النهر الآن تمتلك أثيوبيا سلاح المياه ويمكن أن تستغله في خلافها مع السودان كما استغلته تركيا في عهد تورقت أوزال (إذ هددت باستعما ل سلاح المياه إذا لم توقف العراق دعمها لحزب العمال الكردستاني)
بالرجوع إلى حديث بروف سيف الدين حمد بأن لايجب ان يتحول الامر الي سياسي نؤكد بان نهر النيل نهر سياسي بامتياز ولقد عبرت معظم دول الحوض عن ذلك صراحة بعد نيل استقلالها برفضها للاتفاقيات القائمة ووصفها بأنها غير منصفة وبأنها كانت تعبر عن روح المستعمر ومصالحه وما اتفاقية عنتبي في 2009 إلا انعكاس لهذا الرفض علما بأن اتفاقية عنتبي كانت تقف خلفها أثيوبيا
الآن وبعد دحض معظم مسوغات فوائد السد التي ذكرتها في مقالي السابق ومشاهدة الجميع انحسار النيل ومعاناة زارعي الجروف من ارتفاع تكاليف الري وتغير نمط زراعتهم يجب التفكير الجاد فى كيفية تجاوز هذه العقبا ت بدل التبرير وتبرئة السد عن ما حدث والشروع في كيفية جبر الضرر للمتضررين أسفل النهر والذي أقرته اللجنة الدولية المنظمة لإنشاء السدود
والذي يتمثل في أهمية التشاور والمشاركة مع الجهات المتأثرة بإنشاء السدود والاعتراف بحقها في التعويض والذي لم تشر إليه اتفاقية إعلان المبادئ في 2015 .,وفى ظل عدم وجود اتفاقية مجمع عليها تؤمن الحقوق المكتسبة لكل من السودان ومصر .وفي ظل اتغيرات المناخيىةوقلة الامطار وانتشار الجفاف والتصحر واذدياد لبسكان وازديات الطلب علي المياه علي قلتة وتدهور نوعيتة .
أما عن المياه الجوفية فلا محالة ستتأثر وهي ظاهرة مععروفة لأن المياه الجوفية تتغذى بالفيضانات العالية وتعيد ما فقدته نتيجة للاستنزاف الذي حصل في السنوات الجافة ولي شخصيا بحث عام 2009 في مكتبة كرسي اليونسكو للمياه يثبت هذه الظاهرة . وكما ذكرت في تقريرسابق هي مسألة زمن وسيرى الجميع مآسي سد النهضة على السودان .
