فشل دولة 56 ووصولها لنهايتها المحتومة يرى رأي العين، لقد استنفذت كل أسباب البقاء والديمومة، الدول تفشل وتنهار وتصنف دول فاشلة ولكل دولة ظروفها المحيطة بها وخصوصية مشكلاتها، ففي السودان يمكن حصر أهم أسباب انهيار الدولة الست وخمسينية وفشلها الأكيد، في ثلاثة محاور، المحور الأول الإخفاق في إدارة التنوع، واستخدامها لهذا التنوع في اشعال بؤر التوتر داخل كيان الدولة الواحدة، فمنذ تمرد توريت قبل (الاستقلال) بسنة عجزت الدولة في تعريف مشكلة السودان في الجنوب، كما هي فاشلة اليوم في تعريف ذات المشكلة المتراكمة والمرحلة من سنة 1955 الى اليوم، كانت حكومات هذه الدولة النخبوية لا تقر بحقوق الشعوب السودانية في العيش الكريم ولا تعترف بحقها في أن تدير شأنها، ما أدى إلى ارتفاع سقف مطالب الجنوبيين في الحكم الفدرالي بمؤتمر المائدة المستديرة ستينيات القرن المنصرم الى تقرير المصير في الربع الأول من القرن الحالي، لم يسأل أحد من الاستراتيجيين عن أسباب الانقلاب الكبير بين الأمس واليوم، لم يسألوا لأنهم جبلوا على الاستهانة بالمطالب السياسية للقطاعات العريضة المهمشة من السكان، والتحوصل حول الفكرة المركزية الظالمة في إدارة الشأن العام، لقد سمعنا أساطين هذه الدولة الفاشلة يتحدثون بعنجهية في قنوات التلفزة العربية، مثل وزير اعلامها الأسبق الزهاوي مع المتحدث البارع باسم احد الحركات المطلبية حين تنفس الزهاوي الصعداء وتنهد ثم قال موجهاً حديثه للناطق باسم الحركة المطلبية بأنه ندم على اليوم الذي جاء به الى التلفزيون ليقابل شخص وضيع ليتحدث معه.
المحور الثاني لفشل هذه الدولة هو الطريقة الأمنية والعسكرية في معالجة المشكلات السياسية، فقدمت للناس نموذج العسكري الحاكم، متجاهلة الأعداد الكبيرة للمتخصصين في فنون الإدارة، فزرعوا في عقول النشأ نموذج الرئيس الفريق واللواء والعميد والعقيد، كأنما هذه الرتب العسكرية درجات مهنية في مجال علم الإدارة وليست تصنيفات للترتيب بين الأدنى والأعلى من خريجي كلية الجيش، الذين مهمتهم الأساسية الدفاع عن الوطن في حال اعتدي عليه المعتدون، كيف يعقل لمن تمرس على فنون القتال والسلاح أن يجيد إدارة الموارد البشرية ويدير عجلة الاقتصاد والعلاقات الدولية، فحتى اليوم هنالك من يؤمن بهذه النظرية الخائبة التي غزيت بها رؤوس الناس، وأبهى هذه النماذج هو نموذج الرئيس جعفر نميري، اللواء الذي قدمه أفندية 56 فقتلهم وسحلهم واعتلى الكرسي وقال للجميع لا أريكم إلا ما أرى، ومن فرط غسل أدمغة النشأ ما زال البعض يردد على لسانه أفضلية الحقبة التي حكم فيها العسكري جعفر نميري على جميع الحقب السابقة واللاحقة، واصبح لها ممجدوها على المنصات في هذا العصر الذي بينه وبين تلك الحقبة المظلمة سنوات من التطور التقني، إنها الكارثة بكل حق، أن يعيش بيننا اليوم من يمجد البوت ( الجزمة العسكرية) ويلعقه، عصر الذكاء الاصطناعي وغزو الفضاء، لم تقدم الأنظمة العسكرية أي تجربة يعتز بها الإنسان ولم.
المحور الثالث الذي يدور حوله فشل دولة 56 هو محور الإساءة للدين وتشويه صورة رجال الدين وجعلهم مبتذلين، يتنابزون بالألقاب وينشرون لغة الإسفاف والبذاءة من المنابر، ويمارسون الفواحش ما ظهر منها وما بطن في المحراب وعلى سمع وبصر النساء والأطفال والشيوخ، في المقابل تجد الدول التي غالب دينها الوثنية تحافظ على مظهر وجوهر رجال دينها ولا تسمح بأن يكونوا قدوة سيئة، بعكس (دولة الخلافة الراشدة) التي اعتلى أول منابرها الإمام العربيد، وتلاه الماجنون والماجنات من الولاة والحكام والمحافظين ،الذين آخرهم والي ولاية الشمالية في عهد حكام اليوم، الوالي الذي يخاطب الناس وهو مخمور مهزوز يتأرجح يمنة ويسرة، والتكبير والتهليل يعم أرجاء المدينة، هكذا هي آخر تجليات دولة 56، التي نؤكد نهايتها هذه كما قال حامي حماها النور القبة ( هذا نهايته) ، ذلك النور الذي لم ينر طريقاً وتلك القبة التي لم يخرج منها عالم وقور ولا شيخ جليل يلفظ حميد القول، بل أخرجت لنا شيوخ عصاة وزناة تحبل منهم من يغررون بهن من القاصرات فيوقعونهن في الرذيلة، فيفضحهم الله بين جموع الانس والجن، مثلما يحدث هذه الأيام من جريمة بشعة هزت أركان السودان بطلها شيخ وقور تنصت له الآذان وتخشع له القلوب وتدمع له الأعين حين يتلو آيات الله.
اسماعيل عبدالله
ismeel1@hotmail.com
